غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  


راعتني لبعض الوقت الأنباء التي تلاحقت خلال الاسابيع القليلة الماضية عن الاضطهاد المفاجئ الذي يتعرض له مسلمو دولة انجولا في غربي افريقيا. بيد أنني بطبيعة الحال لم ادهش ولم أفاجأ بردود الفعل الثورية الفورية من الهيئات الدينية في الدول الاسلامية ومن بينها السودان. فهيئاتنا الدينية جاهزة دائماً وعلى اهبة الاستعداد للاستنكار والشجب والادانة ذوداً عن بيضة الاسلام. سارعت هيئة علماء السودان واعلنت في بيان لها الخميس الماضي (أن ما يحدث في انجولا حملة شعواء تستهدف الاسلام خشية من تمدد دين الفطرة)!
وكذلك انطلقت، في عدد من الدول الاسلامية، الحملات الاحتسابية للدفاع عن الاسلام والمسلمين في انجولا. كما أنني رأيت عدداً من العناوين المثيرة في الصحف العربية من شاكلة (انجولا تعلن حرباً شرسة على الاسلام). ثم قرأت في عدد اول امس الجمعة من صحيفة (الاهرام) المصرية مقالاً مؤثراً للشاعر فاروق جويدة يبكي فيه حال المسلمين في انجولا، حتى امطرت عيناي انا ايضا دمعا سخيناً.
غير أن الحزن والبكاء على حال مسلمي انجولا لم يردع عقلي عن استثارة وتوليد التساؤلات. ما الذي حدث وجعل الحكومة الانجولية تقرر ان تضطهد المسلمين على حين غرة؟ أنجولا هذه عاشت سنيناً طويلة تحت الحكم الشيوعي منذ استقلالها عن البرتغال عام 1975 (ترأس قائد الحزب الشيوعي فيرانو داكروز جبهة تحرير انجولا التي عمادها الحزب الشيوعي). ومع ذلك لم تضطهد حكومتها الشيوعية المسلمين.
ثم ان انجولا دولة افريقية. والذي يعرف افريقيا جنوب الصحراء يعرف لزوماً أن هذه المنطقة من العالم وذلك الجنس من البشر، اى الأفارقة، لا يعرفون الاضطهاد الديني ولا يمارسونه. بل ولا يتنبهون لعقائد بعضهم البعض الدينية. نعم افريقيا عرفت حركات مسلحة يقودها مختلون عقلياً، مثل جيش الرب في يوغندا وبوكو حرام في نيجيريا، ولكن الذين يمحصون أصل ومنطلقات ودعاوي هذه الحركات يدركون انها تلتحف لحاف الدين وتتقمصه، ولكن اجندتها الحقيقية لا علاقة لها بالاضطهاد الديني.
أكثر شئ لفت انتباهي في محاولتي رصد التقارير الاخبارية الصادرة عن حكومة انجولا نفسها، هو عبارات مثل (الارهاب) و(التطرف الاسلامي) و(التدخل الاجنبي في شئون انجولا). ثم وجدت في المصادر الغربية خبراً عن طرد حكومة انجولا لنحو مائة من المسلمين لاتهامهم بالإرهاب و(غسيل الاموال) و(تهديد الامن الوطني). شئ عجيب، ففي الذهن ان المسلمين، وهم أقلية ضعيفة لا يتجاوز تعدادها ثمانين الفاً في بلد يبلغ عدد سكانه ثمانية عشر مليون نسمة، لا بد أن يكونوا من شاكلة أحبابنا من مسلمي غرب افريقيا الذين نراهم في المدن السودانية المختلفة، وهم يكابدون مشاق الحياه اليومية في قوة وعزم  ثم لا يهمدون الا حول مفارش الصلاة. ما دخل هؤلاء بغسيل الاموال والارهاب وما شاكل ذلك من بلاوي الدنيا؟!
ولكنك تتابع وتقرأ وتبحث ثم تقف على عناصر مريبة وعجيبة في قضية مسلمي انجولا.  يلفت نظرك اولاً ان أغلب المسلمين المبعدين لبنانيون، وانهم تحديداً من الشيعة. وان الاتهامات الحكومية الموجهة لهم تتصل في جوهرها بالأموال وحركتها وتوظيفها. لحظة من فضللك: هل تعلم، أعزك  الله، ان انجولا دولة نفطية، وانها منتجة للماس؟ وأنه عقب نهاية الحرب الاهلية عام 2002 في ذلك البلد، العائم في النفط والموارد المعدنية، توافدت اعداد كبيرة من اللبنانيين المسلمين لأغراض التجارة والاستثمار. وان بعض هؤلاء، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية، تمكنوا في ظرف وجيز من الإمساك بمفاتيح الاقتصاد والسيطرة الفعلية على نسبة مقدرة من قطاع الاستيراد والتصدير، تماما كما فعل هنود يوغندا قبل ان يطيح بهم الرئيس عيدي أمين في سبعينات القرن الماضي.  
ولكن هناك شئ آخر يتصل بمسلمي انجولا من اللبنانيين الشيعة. وهو أن هؤلاء الأحباب جعلوا من انجولا حديقة خلفية لحزب الله. نعم، حزب الله الواحد الذي يقوده الشيخ حسن نصر الله! وبحسب المصادر الغربية فإن انجولا اصبحت خلال العقدين الماضيين المحفظة المالية لحزب الله. أغلب استثمارات الحزب التجارية وشئون المالية تدبر وتدار من هناك. وقع ليك الكلام، أعزك الله؟!
والحال كذلك فهل تسكت اسرائيل؟ بل هي تسكت الولايات المتحدة التي تضع حزب الله على قائمة المنظمات الارهابية؟! بلدان مثل انجولا يسهل جدا على الولايات المتحدة واسرائيل أن تؤثر بل أن تستولي على خياراتها وقراراتها السياسية. الغريب ان الولايات المتحدة تعجز أحياناً عن ملاحقة قواعد وجيوب حزب الله داخل امريكا نفسها. وكالة الامن القومي وجهاز المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالي جميعها تعلم، مثلاً، ان اكبر واقوى المراكز المالية لحزب الله الشيعي توجد في مدينة ديربورن في ولاية ميتشيغان. ومدينة ديربورن هي مركز الشيعة في امريكا وجلهم من اللبنانيين والسوريين العراقيين واليمنيين وبعض الايرانيين. ومع ذلك فإن التشريعات الحقوقية الصارمة التي تحصن الافراد والملكيات الخاصة وتصونها ضد الاختراق تحول بين الأجهزة الامنية الامريكية ومرادها في ضرب مثل تلك المراكز وتقليم أظافرها. ولكن الأمر في حالة دولة أفريقية كأنجولا يختلف بطبيعة الحال!
معلوم ان 95% من الوجود العربي في دول غرب افريقيا بصفة عامة يمثله الشيعة الذين تعود هجرتهم الى ذلك الصقع من القارة، بسبب اضطهاد الدولة العثمانية لهم، الى القرن التاسع عشر. والتنافس المستعر بين اسرائيل وحزب الله في دول افريقيا الاستوائية ليس جديدا، ولكن الاعلام عنه والتبصير به غائب تماماً لأسباب متضافرة.
الأمر إذن لا علاقة له بأهلنا المسلمين الطيبين الأفارقة من ملة (قريعتي راحت). هؤلاء مجرد ضحايا لصراع الأفيال!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)