غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وقفت كثيراً عند سلسلة التصريحات التي أدلى بها رئيس البرلمان، الاستاذ احمد ابراهيم الطاهر، وتداولتها الصحف مؤخراً بشأن قرار مجلس شوري حزب المؤتمر الوطني الأسبوع الماضي، والذي أجاز بموجبه توصية المكتب القيادي للحزب بفصل الدكتور غازي صلاح الدين، ورفيقيه في غار الحراك الإصلاحي الاستاذين حسن عثمان رزق وفضل الله احمد عبد الله.

لفتت انتباهي تحديداً جزئيتين في سلسلة التصريحات. في الجزئية الاولى، وبعد أن وصف رئيس البرلمان أية محاولة للتراجع أو التراخي عن إنفاذ قرار الفصل بأنه (ميوعة)، فإنه أضاف:"قرار الفصل كان ضرورياً والغرض منه اتخاذ قرار يشبه الدولة، لجهة أن أى تقصير يرتد على الدولة". أما في الجزئية الثانية فيقول المسئول الانقاذوي الرفيع: "قرار الفصل يعتبر لاغياً حال اعتذار أى من المفصولين وإبداء الرغبة في العودة الى الحزب"!

كالمعتاد في متابعاتي لأخبار السياسة الداخلية فإن الأمر اختلط في رأسي إختلاطاً شديداً. فهناك من ناحية لهجة نارية تشع حزماً وعزماً وشدة،  بل وتحذيراً من (الميوعة) في تطبيق قرار الفصل. يليها ويتبعها مباشرةً ترحيب كامل بالغازي ورفيقيه ان هما سلكا سلوكاً ليناً واختارا العودة طوعاً الى حضن الحزب.

غير أنني أود أولاً من السيد رئيس البرلمان أن يتكرم فيزيدني إيضاحاً حول مقالته أن قرار الفصل اقتضته ضرورات الحفاظ على هيبة الدولة بحسبان أن (اي تقصير في اتخاذ القرار يرتد على الدولة) وفقاً لمنطوق التصريح الذي نشرته (الخرطوم) الأحد الماضي. وهو تصريح قد يصح في تقديري ان يصدر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي في الصين الشعبية أو كوريا الشمالية، حيث الحزب والدولة وجهان لعملة شمولية واحدة. ولكن نظامنا في السودان، بحمد الله، أبعد ما يكون عن الشمولية والعياذ بالله. نظامنا ديمقراطي تعددي. أليس كذلك يا شيخنا، أم أنك نسيت؟! وبالتالي فإن ما يمس عضوية أى حزب مكوّن للحكومة يقتصر تأثيره على ذلك الحزب وحده دون غيره ولا شأن للدولة به. لماذا اذن تقول أن اى تقصير في تنفيذ قرار الفصل يرتد على الدولة؟ ما الذي سيصيب الدولة لو أن الغازي احتفظ بعضويته رغماً عن انفك وأنف الكارهين أحشاءه في حزبكم العتيد؟ بأى وجه من الوجوه تتأثر الدولة لو أنه ورفيقيه اختلفوا مع الحزب واعتكرت علاقتهم به؟!

ولا تثريب على رئيس البرلمان إن نسي ان حكم الانقاذ قد تطور، وان الحكومة التي يشارك في قيادتها حكومة منتخبة في ظل نظام ديمقراطي تعددي. كلنا بشر يجوز علينا النسيان، وقد سمّي الانسان أنساناً لأنه ينسى. قبل يومين نسي زميله الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل وزير الاستثمار أيضاً أن النظام الراهن نظام تعددي ديمقراطي، فأدلى بتصريح نشرته بعض الصحف جاء فيه أن (حزب الأمة سيشارك في الحكومة عقب الانتخابات المقررة عام 2015). ولو تمعنت – أعزك الله - في نص التصريح لوجدته مدعاة للضحك، بل لعله يأخذ مكانه بجدارة بحسبانه نكتة الموسم، لو صح ان لكل موسم نكتة. فالأصل – على الأقل من الوجهة النظرية البحتة- أن الأحزاب والفعاليات السياسية تخوض الانتخابات أولاً، ثم يكون تشكيل الحكومة من شأن الحزب الفائز، فمن أدرى سميّنا مصطفى أن حزب الامة لن يكتسح تلك الانتخابات ويشكل الحكومة لوحده او بالمشاركة والائتلاف مع أحزاب اخري بخلاف حزب المؤتمر الوطني؟ على أي أساس افترض الدكتور ان أمر استمرار حزبه في الحكم بعد الانتخابات شئ مفروغ منه، وانه وحده هو الذي سينظر في امر مشاركة الأحزاب الاخرى في حكم البلاد؟! الحقيقة تظل أن الذين تمرغوا في تراب الشمولية وتربوا في أحضانها يكون فطامهم صعباً. والمثل العربي يقول: (يموت الزمّار واصابعه تلعب)، وهناك مثل مشابه في كازاخستان يقول: (يموت الشمولي وأصابعه تكنكش في الكرسي)!

نعود معادنا الى حبيبنا رئيس البرلمان، وفي يقيني أن القول في شأن تصريحاته المتعلقة بالغازي وصاحبيه هو ما قاله قريبي وصديقي الدكتور سلاف الدين صالح ورفيقه الدكتور محمد مندور المهدي، اللذين خاطبا اجتماع مجلس شورى الحزب الحاكم الأحد الماضي، بحسب الصحف، فسألا سؤالاً مشروعاً وأحسبه غاية في الوجاهة: (لماذا كل هذه الشدة في التعامل مع الاصلاحيين والاصرار على فصلهم، في وقت ارتكب فيه آخرون من عضوية الحزب أفعالاً وصلت الى محاولة الانقلاب العسكري دون ان يتم فصلهم). وأنا أزعم ان مفتاح هذه القضية المتشابكة الخيوط يكمن في الاجابة على سؤال المليون دولار هذا. وبصفته واحداً من دعاة (الشدة) في التعامل مع الغازي وصحبه فإنني أحسب أن رئيس البرلمان هو المرشح الاول لموافاتنا بالاجابة!

وحتى يسهل عليه الأمر، ها أنا أعيد صياغة السؤال: كيف اتفق عندك يا مولانا، وانت القانوني الضليع، ان قيادة غازي لحراك اصلاحي سياسي مدني داخل الحزب يمكن أن تكون له تأثيرات سالبة ترتد على الدولة وهيبتها، وينبغي التصدي له بالحزم والحسم اللازمين كون الحالة، بحسب كلماتك، لا تقبل (الميوعة). بينما التخطيط والتدبير لانقلاب عسكري ليس له مثل ذلك التأثير السالب على الدولة وهيبتها، ولا يقتضي الفصل الفوري من عضوية الحزب؟!
ما هذه الميوعة؟!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)