غربا باتجاه الشرق

وأين نور الشقائق من مي زيادة؟

حسن الجزولي وشخصية فوز

مصطفى عبد العزيز البطل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
أهداني الصديق العزيز الدكتور حسن الجزولي نسخة من كتابه الجديد، الصادر عن دار مدارك، بالعنوان الرئيس (نور الشقائق)، والعنوان الفرعي: (السيدة فوز: هجعة في صفاتها ودارها وزمانها). وهذه هي المرة الثانية التي أجدني فيها اطالع واستعرض كتاباً للدكتور حسن الجزولي. فقد سبق لي ان قرأت ثم نشرت عرضاً نقدياً لكتاب سابق للمؤلف بعنوان (عنف البادية). ويبدو أنني سأصير، والحال كذلك، المتعهد الرسمي لعرض مؤلفات آل الجزولي. ولا ضير، فجميعهم عندي من الأحباب. إبتداءً من كبيرهم الذي علمهم الشيوعية والابداع الثقافي الجاد والملتزم (لا ينتقص من حبي له تورطه في مسرحية الدفاع عن السندريلا، نجمة سيرك المعارضة الاستعراضية)، وحتى أصغرهم سناً. يشمل ذلك أصهارهم وأنسباءهم الفضلاء الأكارم، تقدميين ورجعيين، على حد سواء.
(2)
قدّرت أن صديقي حسن، بما هو مجبول عليه من كرم النفس ورحابة الصدر، سيحتفي ويرحب بما أعتزم تسطيره من رؤي وملاحظات حول الكتاب. طالما أنه رحب واحتفي ثم قام، بشجاعة معهودة وثقة بالنفس محمودة، بنشر المقدمة التي سطرها في ستمائة كلمة، يراع شيخنا الدكتور عبد الله حمدنا الله. والحق أنها ربما كانت المرة الاولى التي اصادف فيها مؤلفاً يستكتب ويجعل على صدر كتابه مقدمة لرمز عتيد في سوق الثقافة، يزكي البضاعة من حيث جودة المنتج، ولكنه يجاهر بأنه يرفض النظرية الأساسية التي يطرحها المؤلف قولاً واحداً!

شيخنا في مقدمته الستينية لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، بل يُملي في عربية واضحة لا عوج فيها، أنه يدابر المؤلف ولا يساند الفرضية المركزية التي شيد عليها نظريته. كتب الدكتور عبد الله حمدنا الله: (أجدني على الضفة الأخرى من الأشواق الوطنية، التي دفعت المؤلف الى ابراز وجه نسائي سوداني، في الربع الاول من القرن العشرين، يكون مكافئاً للأديبة اللبنانية مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي المشهور في مصر، وأن تكون فوز هي هذه الشخصية النسائية المكافئة. أكاد أجزم أن فوز ليست هذه الشخصية، بل أن الباحث من خلال سفره هذا يكاد يصل الى هذه النتيجة)!

ولو صح قول سيدنا حمدنا الله في أن الأدلة والشواهد من عمل الباحث قد شخصت في اثبات الفرضية المعاكسة تماماً لأطروحته، فإن من شأن ذلك في حد ذاته ان يكون فتحاً جديداً أيضاً، لا أظن ان هناك من سبق اليه. وذلك على أية حال يزيد من ألق الكتاب ومحمولات الدهشة بين ثناياه. وصاحبي حسن رجل مدهش ولا شك. 

عموماً أنا انصح ذوي الأشواق الوطنية وأهل القدم الراسخ في الثقافات السودانية، الداخلين الى باحة كتاب (نور الشقائق)، ممن يتمنون لفرضية المؤلف ان تستقيم على سوقها، ويظاهرون مقولته بأن شخصية (فوز) ربما كافأت شخصية مي زيادة وضريباتها، أنصحهم بأن يرجّوا الكتاب قبل القراءة. تماماً كما ينصح الصيادلة عند شراء العقاقير برجّ الزجاجة قبل تناول الدواء. لعلّ وعسى أن ينعدل المقلوب ويتحقق المطلوب!

وقد يصح ان تكون (الأشواق الوطنية) هي مرد هذا الجنوح، كما في تفسير حمدنا الله. وربما زادت الشوفينية الامدرمانية الغاشمة التي تأخذ بتلابيب بعض أولاد أم درمان طين الأشواق بلة. وتلك شوفينية عقيدية صماء، يتحد في هيكلها الماسوني العتيد الاسلاموي الظلاموي كالحسين بن خوجلي والشيوعي الموسوعي كالحسن بن الجزولي (حسن مثقف نعم، ولكنه ليس موسوعياً. وانما هو شيطان السجع).

وها أنا ذا أطلب من شيخنا حمدنا الله أن يفسح لي مكاناً بجانبه على ذات الضفة. إذ استقر عزمي على ألا اشترى بضاعة الجزولي من الزاوية التي يسعي منها الى تسويق شخصية فوز بحسبانها المكافئ السوداني - ولو بقدر ضئيل - لسيدات القرن الماضي، من صاحبات الصوالين الأدبية والفكرية الشهيرة في مصر والشرق الاوسط من شاكلة مي زيادة ونظائرها.
(3)
كتب الدكتور حسن الجزولي يمهد لتأسيس نظريته: (اعتراني أسف شديد عندما تصفحت مقالاً مطولاً خصصته احدى المجلات العربية لأشهر سيدات القرن الماضي في العالم. ولم أجد من بينهن ولو امرأة واحدة من السودان. رغماً عن أن القائمة ضمت أسماء من أغلب الشعوب العربية كمصر والجزائر ولبنان والخليج العربي). ثم أضاف أن الأسف عنده ليس مرده تجاهل الدوائر العربية لشأن المرأة السودانية، بقدر ما هو أسف على محنة الذاكرة السودانية (التي تساهم بقدر عظيم في تغييب رموز سودانية وطنية حية ... الأمر الذي يشير الى بلادة الحس التوثيقي وفتور همة مد الماضي بالحاضر).

والتقرير الصحفي المشار اليه يحصر همه في النساء اللواتي لعبن ادواراً قيادية في مجال الثقافة مثل مي زيادة صاحبة الصالون الشهير في مصر. ثم ينطلق صاحبنا ليقدم لنا سيدة سودانية اسمها الشول بت حلوة، اشتهرت لاحقاً باسم فوز (لقبت ايضا بنور الشقايق)، كان لها في مطلع عشرينات القرن المنصرم صالون عامر في مدينة ام درمان، جمعت في باحته أغلب مثقفي ذلك الزمن وفنانيه الذين صاغوا الوجدان الثقافي والفني للامة. وتلك هي فوز التي يسوّقها الكتاب على انها تماهي ربيبات عصرها من الرموز الثقافية، لولا التعتيم والتجاهل والظلم الذي حاق بسيرتها. خذ عندك: (هذا العمل يحاول ان يلقي إضاءات مكثفة على فوز كإحدى الشخصيات النسائية السودانية، التي تضاهي نظيراتها من أمثال مي زيادة وروز ماري وغيرهن)، او كما قال!

ولا تظنن أن ابن الجزولي أخذ الكرة وطفق يجري بها في الميدان لوحده. أبداً. هناك لاعبون آخرون يستقوي بهم. الكتاب يشتمل على استشهادات محكمة وتوثيقات بالغة الجودة، جعلت من حواشيه ومراجعه في احيان كثيرة اكثر امتاعاً من المتن نفسه. خذ – يا رعاك الله - هذه الافادة من كتاب للاستاذة سوسن سليم اسماعيل بعنوان 'الجذور التاريخية للحركة النسائية السودانية'، مكتبة مدبولي، القاهرة، ص 18، والتي تقرر ان دار السيدة فوز في مدينة ام درمان كانت (المهد الأول الذي تربى فيه أدباء وفنانو ومناضلو السودان. وأن فوز هي مي زيادة السودان). ثم هذا المثال الآخر الذي يشير الى فوز وصالونها الادبي المفترض: (في العشرينات ابتدعت المرأة السودانية صالون الأدب والفن لتفجر من خلاله ملكاتها وتطلق اشعاعات الضوء .. وذلك هو نهج الصالونات، مثلما فعلت مشاهير النساء في العالم..) [سيرة ومسيرة المرأة السودانية؛ نفيسة الشرقاوي].
(4)
من هي فوز؟ كل من له نصيب او بعض اهتمام بدراسات الثقافة السودانية لا بد ان يكون قد مر على الاسم. أنا شخصياً عبرت عليه عدة مرات وتفحصته، ثم قلبت الصفحات بحثاً عن الأفضل. آخر مرة وقفت فيها على اسم فوز كانت قبل عدة سنوات عندما جلست مستمعاً الى محاضرة بديعة للشاعر الاستاذ فضيلي جماع، بمدينة نوتنغهام البريطانية، اشار فيها الى دور ما للسيدة فوز في سفر الفن والثقافة السودانية. ولو صدقت ذاكرتي فإن جماع اكتفي بإشارات متحفظة، وأعطى السيدة بقدر ما رأى أنه استحقاقها ولم يزد.

بحسب الجزولي فإن اسمها الأصلي هو الشول. لم يُعرف لها أب، فأسميت بأمها، فصارت الشول بت حلوة. وفي رسالة من الراحل الدكتور عبد الحليم محمد الى الراحل الشاعر صديق مدثر إشارة الى ان الذي اطلق عليها اسم فوز، صاحبة العباس بن الأحنف، هو الشاعر توفيق صالح جبريل (ص 30).
والحديث عن فوز مزعج بعض الشئ. يحفه الكثير من الحرج. كل من كتبوا عنها لفوا وداروا. أول من أتى باسم فوز وقدمه للناس كان هو الاستاذ حسن نجيلة (ملامح من المجتمع السوداني). الذي قدمها من زاوية علاقتها بضيوف دارها في ام درمان وما تهيئه لهم من متطلبات الراحة، ووصف تطوافها بينهم: (كانت تدور بين ضيوفها وهي تسقي بعينيها ويديها شهداً وخمراً). وختم حديثه عنها بأن قال: (ان رجلاً فاضلاً تزوجها وغفر لها الماضي). وبخلاف ذلك فإن الشواهد تترى في كل المصادر التي تطرقت الى اسم فوز، بما في ذلك كتاب (نور الشقائق) الذي نحن بصدده، أننا أمام إمرأة قامت – هي و أمها - بتوفير خدمات الترفيه لعدد من الرجال، اتفق ان أغلبهم كانوا من موظفي الحكومة في عشرينات القرن الماضي. منهم شعراء وفنانون، وربما ناشطون في مقاومة الاستعمار البريطاني. الجزولي نفسه قرر، وقدم فيضاً من الشواهد، ان فوز كانت تشتري الخمر من الحانات وتوفره لضيوفها. وانها كانت تقضي سحابات يومها وهزيع لياليها في مجالستهم ومؤانستهم، والاستماع الى الغناء والمشاركة فيه. وأنها لم تكن قد تجاوزت سن التاسعة عشر عندما افتتحت تلك الدار. وأن هؤلاء الضيوف، الذين كانوا يقضون الساعات الطوال في دارها، كانوا يجهدون في الاستخفاء عند وصولهم الى تلك الدار، حتي لا يتنبه أحد الى شخصياتهم (أحيانا بدعوي الخوف من الرقابة الامنية للسلطات الاستعمارية. يا سلام!) وقد وجدت غاية في الطرافة ما أورده الكتاب عن البطل على عبد اللطيف، أنه لم يكن يرتاد منزل فوز مثل اصحابه (بسبب أنه لم يكن يحتسي الخمر ولم يكن يحب السهر)!

ويبدو ان قضية غرق تلك الشخصيات في لجج الخمر هي التي حدت بواحد من أبرز قادة مؤتمر الخريجين، ووزير العدل في اول حكومة وطنية، الشاعر الكبير مدثر البوشي أن ينفي جملةً واحدة أى دور وطني لجمعية الاتحاد السوداني، فكتب ضمن مذكراته: (لو علمنا بها لحاربناها كالانجليز، لأنه لا يمكن لتنظيم وطني ان ينطلق من خمارة)!
(5)
تلك هي فوز فمن هي مي زيادة؟ المتفق عليه انها شاعرة وأديبة ومترجمة، تجيد ست لغات منها العربية والفرنسية والايطالية والانجليزية. درست في جامعة القاهرة ثم مارست التدريس. لها ديوان باللغة الفرنسية، كما نشرت عددا مهولاً من المؤلفات والكتابات الادبية والنقدية والاجتماعية. وقد اشتهرت بالصالون الذائع الصيت الذي كانت تعقده كل ثلاثاء. وكان من بين اصدقائها الخلّص عدد كبير من قادة الفكر واعلام الثقافة في مصر والشام واوربا. مقارنة مي بفوز لا تجوز. لسبب بسيط هو ان الثانية أمية، لا تقرأ ولا تكتب، وان تذوقت الشعر والغناء. بينما الاولى مثقفة عريضة، بمعايير زمانها وبمعايير اليوم. كما أنها منتجة للثقافة بلسان قومها وبألسنة الآخرين، وتعتبر من أعمدة ما عرف بالنهضة العربية. بل أن قيمتها زادت بمرور الوقت فصار اسمها اكثر توهجا في الدوائر الاكاديمية العربية والغربية، مقارنة مع جل الأسماء التي أمت صالونها. وليس الأمر هنا أمر الصالون الفكري كمساحة يلتقي فيها المثقفون والأدباء، وانما يرتبط الصالون بسيدته، وبالقدرة على البذل الفكري والعطاء الثقافي.

مي زيادة وروز مارى واضرابهن لم يكنّ شخصيات هامشية يدرن الكؤوس ويضبطن الايقاع على خلفيات الأغاني. نقول هذا مع حبنا للشعراء والفنانين ولثوار جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الابيض، ومعزتنا الخاصة لفنان الشعب خليل فرح. ومع تقديرنا الكامل للحاجات (اللوجستية) لثوار وفناني عصر النهضة السوداني. الا انني اميل الى الاعتقاد أن حسن الجزولي، وهو باحث حاذق مشهود له بقوة العارضة الاكاديمية والثقافية، قد تجاوز في بحثه الذي بين ايدينا عن قاعدة راسخة في البحث العلمي، وهي تلك التي يسميها الاكاديميون "الاطار التاريخي". تلك التي تتصل بضبط الاحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بمادة المقارنة. وأكاد أزعم أن الجزولي، ربما بدافع الاشواق الوطنية، او الشوفينية الامدرمانية الغاشمة، اختار الا يعتني بإنجاز المقارنة المطلوبة المتصلة بأوضاع التعليم والخلفية الثقافية والمناخ العام الذي انتج مي زيادة واضرابها، والواقع الموازي الذي قذف الى اتون حياة صاخبة ومضطرمة بالشول بت حلوة ومثيلاتها.

خطر لي خاطر آخر حول ذلك القدر من الحرية الذى تمتعت به الشول و امها حلوة، في مجتمع ام درمان القبلي المحافظ، حيث جرت العادة ان تسكن مجموعات قبلية بعينها هذا الحي او ذاك. واذا عقدنا رباط ذلك الواقع بالطبيعة البطريركية للمجتمع الامدرماني في عشرينات القرن العشرين، جاز التساؤل: من اين نبعت تلك الحرية؟ ما هو مصدرها؟ هل الشول وامها حلوة تنتميان الى المجموعات المنبتة قبلياً؟  تلك التى أسست للتنظير حولها الباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا في بحثها الشهير حول جذور القومية السودانية وثورة 1924؟ وان لم تكن الشول وامها حلوة تنتميان الى تلك المجموعات المنبتة قبلياً، فسيبرز بالضرورة سؤال آخر يلح على الخاطر: هل ترتب على الهزيمة التاريخية في كرري تفكك في اواصر القبيلة والتقاليد القبلية امتد لما يقارب الثلاثة عقود؟!

أعلم أن تلك لم تكن سكة الجزولي ولا من أغراض بحثه. غير أنني أرى ان الطريق منبسط أمامه  كي يسير منقباً في هذا الدرب الشائك، بعد ان عبّده المرحوم الدكتور خالد الكد في بحثه الرائد حول الافندية ومفهوم القومية السودانية. ولا بد ان الدعوة الجريئة التى اطلقها القائد الشيوعي الراحل محمد ابراهيم نقد، في كتابه حول الرق في السودان، لاقتحام هذا المبحث البالغ الحساسية ما يزال صداها يسكن اذن صاحبنا وغيره من المثقفين الشيوعيين.

هل نحن كسودانيين مطالبون بنفس الألق والاشعاعات الوردية التي تعكسها كتابة السيرة الذاتية وتقصى اخبار المصائر التي تسنت لكاتب مثل أمين معلوف مثلا؟ لا أظن. واقعنا السوداني بالقطع واليقين ليس كالواقع اللبناني الذى عرف الهجرة وآلام المنفى قبل ان نكابد نحن ثورتنا الوطنية الاولى مع ظهور الامام المهدي عام 1881. في مدارسة ماضينا، وفي حرثنا المثابر وتنقيبنا عن المعادن المضيئة التي تُعلي من أقدارنا، على الأقل في عيون أنفسنا، ينبغي الا نقع فريسة لمؤثرات الكبرياء النبيل والتفكير الرغائبي والرؤي الخصيبة. ربما كان من الافضل ان نجعل منطلقنا ال(نحن)، التى تميزنا كشعب – حتي لا نقول شعوب - دون أن يغمرنا الخجل إذ نستخزي من ضآلة محصولنا وقلة كسبنا أمام الآخرين. كلنا يتمني لو انتجت مرابعنا مثيلات مي زيادة وروز ماري وعائشة التيمورية، ولكن ذلك لم يحدث. هذه هي الحقيقة العارية. والنوستالجيا الأمدرمانية المحببة، التي تشف من بين أسطر الجزولى، مصيرها ان تنخذل وتتراجع امام صرامة البحث العلمي ومعاييره. تماماً كما انخذلت وتراجعت جيوش الخليفة ود تورشين أمام حديد كتشنر وناره.
(6)
هذا عن الفرضيات والنظريات والمعايير وحديد كتشنر. ولكن ماذا عن (نور الشقائق)؟ الكتاب الذي خرج الى الدنيا، شهياً طازجاً، من بين يدي حبيبنا حسن الجزولي، ودفع به الي عشاق الثقافة السودانية. يرفل في ذلك الغلاف الأصفر البهيج الذي يسر الناظرين، يحف اللوحة المعبرة التي تحمل قسمات الزمان القديم وأنفاسه المبدعة.

لا تخالجني ذرة شك في أن (نور الشقائق) سيأخذ مكاناً عليّاً في مكتبة التاريخ الثقافي والاجتماعي  السوداني.  فهو ثمرة كد دؤوب ومثابر، وخلاصة جهد مترابط ومتكامل، يمنح كل راغب في المعرفة صوراً دقيقة للحياة السياسية والاجتماعية في الثلث الاول من القرن العشرين. بلغت من دقتها وسلاسة عرضها ان يخيل اليك وانت تطالع الصفحات، كأنك تنظر الى الوقائع تنفرج أمامك على الشاشة البللورية واقعةً واقعة.  كما أنه يصوّب ضوءاً كثيفاً على شخصية فوز، التي ظلت رهينة الغموض الفسيح والبيان الشحيح على مدى ثمان عقود. وقد نال المنهج الصارم والجدية المفرطة التي الزم بها المؤلف نفسه في رصد الوقائع وتوثيقها تقريظ شيخنا الدكتور عبد الله حمدنا الله، فنادى غيره من الباحثين الى تمثله واحتذاء نموذجه.

ولما كنت أربأ بنفسي ان تأخذني الحماسة في تزكية بضاعة صاحبي، وتنأى بي عين الرضا عن النقائص، فلا بد أن أقول ان أجزاء قليلة جدا، لا تكاد تذكر، لم تقع  مني الموقع الحسن. مثال ذلك جنوح المؤلف وهو يرثي الشاعر خليل فرح، اذ كتب عن تاريخ وفاته أنه: (يتزامن مع يوم الثلاثين من يونيو الذي انطفأ فيه وهج فنان الأمة مع غروب شمس الديمقراطية الثالثة في حياة السودانيين). وقد رأيت في بكاء صاحبي المزدوج على الديمقراطية وموت خليل، تزيّداً لا يليق، يكاد يقترب من النضال المجاني، حيث نعي الابن وتصليح الساعات!
(7)
أعجبني غاية الاعجاب ملاحقة ورصد المؤلف لشهادات كثيرين ممن عاصروا وجاوروا منزل فوز، حول ما كان يدور داخل ذلك المنزل. خاصة اولئك الذين قالوا انهم استرقوا السمع الى القراءات الشعرية والأغنيات. واولئك الذين حضروا مولد الأناشيد والاغنيات الخالدة وانشادها بأصوات المؤدين الأوائل، مثل (يا أم ضفائر قودي الرسن)، و (نحن ونحن الشرف الباذخ). ثم اولئك الذين أسعدهم زمانهم فاستمعوا الى صوت فوز نفسها، وهي تغني: (يومنا صافي وخالى الضباب / يا نديم كيف مرح الشباب / نحن صحبة وإخوان نجاب / لى دُعانا المولى استجاب / إن مرقنا السر في حجاب / وان قعدنا اخوانك نجاب).

وقد وجدت لافتا للنظر وباعثاً على الدهشة، بوجه أخص، التوثيق التفصيلي لآخر أيام الشاعر والفنان المبدع خليل فرح في الدنيا، والحفل الوداعي الاخير الذي اقيم على شرفه في منزل فوز قبل سفره الى مصر للعلاج، والجميع يعلم أن أيام الرجل في الحياة باتت معدودة. حتى اذا اوشك الليل ان يدبر أمسك الرجل المريض بالعود، ونظر اليه نظرة حانية، ثم قال لندمائه في شجاعة نادرة: "ألا اسمعكم أغنية الوداع؟" ثم أخذ يدندن بآخر اغنياته: (ماهو عارف قدمه المفارق / يا محط آمالي السلام).

كما استطبت الفذلكة الذكية والتحليل الرفيع حول الكلمات الاخيرة لتلك القصيدة (قدلة يا مولاى حافي حالق) وتأكيد الشاعر الفنان في غمرة النشوة التي تملكت وجدانه وام درمان تتراءى له كضريح وكعبة ورمز ديني يستوجب خلع غطاء الرأس والنعلين. حيث يتمثل نفسه في هيئة عابد يطوف كعبته حاسر الرأس حافي القدمين. وقد استورد الجزولي في هذا المقام نصاً بديعاً من مخطوطة للاستاذة أماني عبد الجليل، بعنوان "غطاء الرأس في السودان، سيميوطيقا التاريخ الاجتماعي والسياسي". جاء فيه: (ومن المعروف في أدب التصوف السوداني أن المريدين لا يضعون الطواقي أو العمائم في حضرة مشايخهم، وعليهم خلعها قبل الدخول في حضراتهم، وهو تقليد مهاجر من الدولة السنارية، التي دخلت الطرق الصوفية الى السودان في عهدها، فقد كان السناريون يقفون في حضرات ملوكهم حاسرى الرؤوس).
(8)
كتب الشاعر الجهبذ محمد المكي ابراهيم في مورد وصف (نور الشقائق) وعرق الجزولي المسكوب في ملحمة انجازه: (لقد توصل حسن الجزولي الى اكتشاف نار جديدة، يمكن ان تسهم في صهر جوامد التاريخ السوداني، ونفي الخبث عنه، وصولاً الى معدن ذهب الحقيقة. مع كثير جداً من الامتاع طوال رحلة البحث المثيرة). وسطر المثقف التنويري الدكتور حيدر ابراهيم على في تقريظ الكتاب: (يواصل الجزولي جهده العظيم في كتابة التاريخ المهمل عمداً خشية ايقاظ الذاكرة المنومة وازعاج الوعي، وهذه المرة يستمر في صيد الشهب، ورصد الومضات القصيرة في تاريخنا ..... انه نص جاد يدعو للمحاورة). ومثل ذلك كتبت الاستاذة أروى الربيع، ثم اضافت: (لا شك ان أجلى وأصفى ما تميز به هذا الكتاب هو إظهار علاقة فوز بمجتمعها كعلاقة جدلية تحكم بين معرفة الذات والتعرف على هويتها، وبين المسئولية في فتح منفذ يؤرخ وينتصر لتاريخ المرأة السودانية بأسلوب قائم على التراكم المعرفي الذي أصبح شاهداً عدلاً بقدر يبعث على الطمأنينة). وليس عندي بعد تلك الأقباس المثقفة ما أضيفه.
(9)
سُئل الراحل العظيم عبد الخالق محجوب: "ماذا قدمت لشعبك؟" فأجاب: "الوعي بقدر ما استطعت". أسأل الله ان يؤجر الدكتور حسن الجزولي على حسن صنيعه أجر العمل الصالح، وأن يقبل منه جهده المثابر في إشاعة الوعي ومراكمة المعرفة وتعزيز روافد الثقافة السودانية،  وأن يرده له صلاحاً في دنياه وذخراً لآخرته.

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)