عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 ليست خواطرى أنا ولا ذكرياتى أنا، فليست لى فى الدبلوماسية خواطر ولا ذكريات. وأنّى يكون لى مثل ذلك وقد بلغت من العمر عتيا، ولم تمسسنى السفارة من قبل ولم أكن دبلوماسيا. وإبتعادى عن صنعة السفارة – لأصدقك القول - لم يكن زهدا فيها وإشاحة بوجهى عن وجهها، فالحق أننى وصديقى ورفيق درب الشباب الباكر، عادل أحمد خالد شرفى، كنا قد عقدنا العزم، ونحن بعد على مدارج الطلب بجامعة محمد الخامس بالمغرب، على أن نلتحق بوزارة الخارجية، فور إكمالنا لدراستنا بقسم العلوم السياسية، وأن نتبوأ مكانا عليّا يليق بنا فى سلكها الدبلوماسى. وسلخنا سنواتنا فى حمى الملك الحسن الثانى، قدس الله سرّه، نغوص غوصا فى أحشاء كتب السياسة والقانون والعلاقات الدولية. نعد المشرفية والعوالى، ونهيئ لمقبلات الأيام زادها وعتادها، وقد خلنا أن الله بعد أن هيأ الإنسان لخلافته على الأرض، هيأنا – عادل وأنا - لخلافته على وزارة الخارجية. وقد جلس عادل لإمتحان الدبلوماسية المعهود، ضمن مئات ممّن إستوفوا المؤهلات المقررة وكان ترتيبه الأول بإطلاق، وانتظم بعد ذلك فى سلك الدبلوماسية فخدم بلاده بعزم وجدارة فى عديد من بلدان العالم شرقا وغربا، وإرتقى مراقى الدبلوماسية صُعُدا فوصل الى درجة الوزير المفوض، بل لعله وصل الى درجة السفير. ولكن السفارة تأبّت على عادل، أو لعله تأبّى عليها، وكان هناك من يتربص، فتركته الوزارة وتركها، وهجرته المهنة، التى تجرى منه مجرى الدم، وهجرها. أما الفقير لربه فقد إلتحق بخدمة الحكومة عقب تخرجه، وكان قد ترقى الى تلك الدرجة المشهورة فى زماننا ذاك (دى اس) عند فتح الباب لامتحان السلك الدبلوماسى. ونصحه الناصحون بأن يتمهل بعض الشئ ريثما تعلن الوزارة عن مسابقة إختيار دبلوماسيين فى درجة سكرتير ثان لا سكرتير ثالث، إذ لا يعقل ان يُقدّم موظف حكومى "رفيع" فى الدرجة ( دى اس ) لوظيفة السكرتير الثالث فى الدرجة ( كيو)! وكنت عهدئذٍ موظفا "رفيعا" بحق، فقد كنت أحضر جلسات مجلس الوزراء، فأجلس متحكرا على بعد متر ونصف من رئيس الجمهورية، الى جانب زملائى من طاقم السكرتارية، ألخص وقائع المداولات، وأصوغ  البيانات الصحفية، ثم أستمع اليها تُتلى بكرة وأصيلا فى نشرات الأخبار. وإنتظرت واصطبرت، عملا بالنصيحة، وما صبرى الا بالله، حتى تعلن وزارة الخارجية عن إستيعاب سكرتيرين ثوان، فأدخل وأغيظ عادل بأن أكون رئيسا عليه. ولكن رياح الدنيا كادت أن تقتلنى أنا بغيظى، فقد هجرت الخارجية كليا والى الأبد تقليدها باستقطاب كادرات ذات خبرات نسبية من الوزارات الأخرى لشغل وظائف السكرتير الثانى!
 وأسمعك – أعزك الله – تقول: كفانا من نرجسيتك وحديثك المغرور عن نفسك وصديقك وكأنكما مركز الكون، وقل لنا: ذكريات من وخواطر من هى أذن؟ ولا أضيع من وقتك أكثر مما أضعت، فأجيبك بأنها ذكريات وخواطر السفير المخضرم الدكتور أحمد محمد دياب، الذى كدح فى سلك الدبلوماسية السودانية كدحا، لعقود ثلاث إلا قليلا، وما برح يرفدها من علمه وتجربته، حتى أهل فجر الثورة المنقذة فوضعت على رأسه تاج " الصالح العام ". واستقطبته  - بعد ذلك - دولة قطر مستشارا للشئون السياسية بوزارة خارجيتها. وقد صدر الكتاب، تحت العنوان الذى تراه على صدر المقال، عن مركز عبدالكريم ميرغنى الثقافى بأم درمان. وأكثر ما أغرانى بمطالعته الصفحات الرائعات الماتعات الأربع التى سطرها فى تقديمه غابرييل غارسيا ماركيز السودان، أديبنا الكبير الطيب صالح، الذى ثمّن الكتاب ونسب اليه صفات مقدّرة حُق للمؤلف أن يعتز بها، و لخص محتواه تلخيصا دقيقا معبرا حيث كتب: ( هذه الفصول الممتعة، هى مزيج من الذكريات، ولمحات من السيرة الذاتية، ونظرات دقيقة متمعنة فى تقلب الأحوال فى السودان على إمتداد أكثر من ثلاثين عاما. وقد وفق الكاتب، الدكتور أحمد دياب، أيما توفيق أنه إتخذ أسلوبا سلسا جميلا يمتاز بالبساطة وروح الدعابه). وإختتم أديبنا الكبير مقدمته بالقول: ( لا توجد فى هذا الكتاب مرارات أو عنتريات أو تصفية حسابات، بل هو سجل أمين لحياة خصبة مثمرة ). فأما كون الكتاب " سجل أمين " لحياة صاحبنا فذلك مما لاشك فيه، ومن آيات أمانته أنه تضمن وقائع وتفصيلات مما تتحاماها الأقلام ويتحاشاها أصحاب المذكرات. ومن مثال ذلك سرده لواقعة إستضافته بمنزله، إبان عمله فى سفارة السودان بنيروبى فى النصف الثانى من الستينات، لوزير الداخلية المغفور له الأمير عبدالله عبد الرحمن نقد الله، إذ اسقط فى يد صاحبنا عندما أزف وقت الصلاة فسأله الأمير عن " سجادة الصلاة "، فأضطرب وأضطر للإقرار بأنه ليست لديه سجادة صلاة فى بيته، ففتح الأمير حقيبته وأخرج منها سجادة، ثم سأل مضيفه: ( القبلة على وين )، وقبل ان ينعم الله على صاحبنا بكلمة أضاف الأمير نقدالله: ( أنت ما عندك مصلاية، معقول حتعرف القبلة؟! )
 أضحكنى وصف المؤلف لوقائع أول يوم خطت فيه قدماه مبنى وزارة الخارجية فى العام ١٩٦٣، بعد اختياره كسكرتير ثالث. كان المؤلف يدخن الكدوس ( الغليون )، برغم أنه كان حديث التخرج من جامعة الخرطوم، فدخل والكدوس فى فمه من الباب الخلفى للوزارة، وكله ترقب وتشوق لأن يبدأ أول يوم فى حياته الجديدة. ثم سمع صاحبنا ورأى شخصا طويلا ضخما يلبس البدلة الكاملة وربطة العنق يقف فى الطابق العلوى يناديه: ( يا أفندى .. يا أفندى. تعال هنا فوق ) فصعد إليه. ( مين إنت يا أفندى؟ )، أجاب: ( أنا سكرتير تالت جديد ). وبدون أى مقدمات مد الرجل الضخم يده وأمسك بالكدوس من يد صاحبنا وكسره كسرا فإنقسم الى نصفين، ورماه فى الأرض من الطابق الثانى، ثم أردف قائلا: ( سكرتير تالت؟ وجاى أول يوم ماسك كدوس؟ واُمّال لمّا تبقى سفير حتجى ماسك إيه؟) وهذا الرجل الضخم، كسّار كدوس أحمد دياب (على وزن " كسّار قلم ماكمايكل " )، هو نفسه السفير ووزير الخارجية الأسبق محمد ميرغنى مبارك، وقد كان عند كسره كدوس صاحبنا مديرا للشئون الإدارية بالوزارة. وقد عمل دياب فى مراحل لاحقة - وإرتاحت نفسه للعمل - تحت إمرة  محمد ميرغنى. الا أن حادثة  معينة يحكيها الكتاب بتفصيلاتها عن هذه الشخصية لفتت إنتباهى بشدة، وكدت أتشكك فى الرواية بكاملها لمجافاتها منطق الأشياء ومصادمتها لكثير من الأعراف المستقرة. ملخص الحادثة أن السفير محمد ميرغنى ترك حقيبته الصغيرة فى مكتبه بسفارة السودان بنيروبى وذهب الى الحمام، وعندما عاد وجد أن الحقيبة مفتوحة. وعلى الرغم من أنه وجد جميع محتوياتها فى مكانها كاملة بدون نقصان إلا أنه أصر إصرارا شديدا على معرفة من الذى قام بمحاولة فتح الحقيبة. وقد بلغ من تشدد السفير إنه قام بإستدعاء الشرطة المحلية، حيث تقرر إجراء ( كشف البصمة ) على طاقم السفارة بأسره من دبلوماسيين وإداريين وغيرهم، وقد تم ذلك بالفعل إذا قامت الشرطة الكينية بأخذ بصمات أصابع جميع الدبلوماسيين بالإضافة الى الملحق العسكرى، المقدم (آنذاك) ميرغنى سليمان خليل، الذى أصبح فيما بعد مديرا للاستخبارات العسكرية وسفيرا فى تركيا. وإنتهى التحقيق البوليسى الدقيق ومضاهاة بصمات أعضاء السفارة الى لا شئ، إذ قرر المتحرى أن الحقيبة فتحت بضغط ذاتى! وأجدنى شديد التعجب والإستغراب من هذه الرواية، إذ يبدو لى أن قيام السفير بإلزام طاقم السفارة الدبلوماسى والإدارى والعسكرى بالخضوع لإجراءات تحقيق بوليسية مهينة، بل وشديدة الإذلال، على نحو ما تقدم، بواسطة شرطة بلد التمثيل ينطوى على غلو وشطط يتخطى أسوار المعقول، ولله فى بعض سفراء السودان شئون! رحم الله  الوزير والسفير محمد ميرغنى أن كان قد غادرنا الى دار البقاء، وأطال فى عمره وبارك فيه أن كان على قيد الحياة.
 يتنقل الكتاب بقارئه، بخفة ويسر وحيوية، بين دول العالم المختلفة التى عمل بها المؤلف، ويتناول ضمن ما يتناول، المؤثرات الحضارية والعناصر التاريخية صاحبة القدح المعلى فى تشكيل الواقع السياسى والثقافى لكل دولة. وقد وقفت مليا عند حديث المؤلف عن جمهورية تنزانيا، وتحديدا عن الثورة الدموية التى إندلعت فى العام ١٩٦٣ فى زنجبار، وكان من مؤداها قيام دولة إتحادية  بين الجزيرة التى تنام فى أحضان المحيط الهندى، ودويلة تنجانيقا الرابضة على الساحل الإفريقى الشرقى. والسائد فى الفهم العام أن الثورة الشهيرة فى زنجبار، إنما كانت ثورة عنصرية محضة أشعل نارها السود، ذوى الأصول الإفريقية، بهدف إقتلاع قواعد وبنيات العنصر العربى القابض على مقدرات الجزيرة المنتجة للقرنفل والهيل والبهارات، من جذورها وإنهاء السيطرة العربية، والإنتقام لتجارة الرقيق التى تورط فريق من بنى يعرب فى آثامها. ولكن صاحبنا يقول لنا أن ذلك هو الوجه الظاهر من الأمر، ولكن الحقيقة هى أن مخططى وقادة ورموز تلك الثورة لم يكونوا من الأفارقة السود، بل أن معظمهم كان من أصول عربية. وكانت العقول المفكرة وراء الثورة من الشباب العربى أصحاب الميول اليسارية والمتشبعين بالفكر الماركسى، ممن درس فى الدول الأوربية الإشتراكية وكوبا. وأن تجربة فيدل كاسترو كانت المثل الأعلى لأولئك الشباب، الذين رأوا فى حكم السلطان والنخبة العربية فى زنجبار مظهرا من مظاهر الطغيان الرأسمالى ضد الكادحين من عمال ومزارعين. وقد فوجئت بما أورده الكتاب فى هذه الجزئية، ثم تضاعف إحساس المفاجأة عند مطالعتى لقائمة أسماء هؤلاء (الشباب) ذوى الأصول العربية والإنتماءات الماركسية، من منظرى الثورة فى زنجبار والذين كانت لهم اليد الطولى فى إشعال فتيلها، إذ وجدت فى موقع متقدم من القائمة سالم أحمد سالم، وزير خارجية تنزانيا الأسبق والسكرتير العام السابق لمنظمة الوحدة الأفريقية. وقد إستشعرت عندها شيئا من الحسرة لتأخرى فى قراءة الكتاب، وقد كان يربض فى مكتبتى زمنا. ولو كنت بكرت بمطالعته لكان فى إمكانى أن أناقش فى أمر هذه المعلومات المدهشة القائد الإفريقى سالم أحمد سالم نفسه، وأن أطالبه بأن يزودنى بما يسلط شيئا من الضوء على  بعض ما أورده دياب. وكنت قد لاقيت سالم أحمد سالم فى شيراتون الفورسيزونس بالإسكندرية فى نوفمبر الماضى، وتناولنا الطعام معا وتجاذبنا أطراف الحديث حول موضوعات شتى فى حضور المحاميين الأشهرين الدكتور أمين مكى مدنى والأستاذ التجانى الكارب. وكان الجميع هناك بدعوة من مؤسسة مو لحضور أحتفال تسليم جائزة القيادة الإفريقية الرشيدة للرئيس فستوس موغاى.
 ومهما يكن من أمر فأن إفادات الدكتور السفير فى شأن ثورة زنجبار لو صحت وإستقامت على سوقها، فإنها تضعنا – بغير شك - أمام معضلة تاريخية تستوجب البحث والتحرى. ذلك أن نموذج الثورة الافريقية الدموية، التى تطفح غلا وحقدا، وخيالات الرجال السود، يجزون الرؤوس بالفؤوس، وجثث الرجال والنساء العربيات تتساقط تحت اقدامهم فى زنجبار، ما إنفكت تحتل موقعا مركزيا فى الذهن العربى العام، فضلا عن توظيفها فى السودان على وجه التخصيص، كأداة تحريضية فاعلة فى العمل السياسى التعبوى. فما زلنا نذكر كيف أن قادة كيانات سياسية معينة، ومشايعيهم من السياسيين والإعلاميين، ظلوا ردحا من الزمن يرددون فى الناس جهرة بأن التغيير العسكرى فى ١٩٨٩ ما جاء الا ليحول دون تكرار الأنموذج الزنجبارى فى السودان، الذى كان –  بحسب هؤلاء  - قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من التجلى.
 ولكن الصورة الراسخة فى العقل العربى عن الثورة فى زنجبار تظل على حالها، ولأن السودان يَعِدُّ نفسه فى ملة العربان، ولأن بعض أهله كاثوليك أكثر من البابا، فقد قررت وزارة الخارجية، عند زيارة النائب الأول لرئيس الجمهورية اللواء محمد الباقر أحمد لتنزانيا فى العام ١٩٧٣، أن ترفض الجانب من برنامج الزيارة الذى يتضمن زيارة ضريح القائد عبود كرومى، وهو تقليد مراسمى فى تنزانيا يحترمه جميع زوارها، وذلك على أساس أن عبود كرومى كان من قادة ثورة زنجبار. ظل أحمد دياب يضرب أخماسا فى أسداس وقد حار به الدليل، هو يجهد ذهنه بأمل الوصول الى وسيلة أو عذر مقبول ينهى به الى السلطات التنزانية رغبة السفارة فى إلغاء ذلك الجزء من البرنامج على نحو  يحقق المراد ويحول فى ذات الوقت دون خلق أى نوع من الحساسية لدى دولة التمثيل. وما لبث صاحبنا على هذا الحال حتى جاءه الحل الناجز على يد دبلوماسى أصغر منه درجة، إقترح عليه أن ترسل السفارة خطابا الى وزارة الخارجية التنزانية تعلنها فيه أن اللواء محمد الباقر أحمد مسلم من أتباع المذهب الوهابى الذى يحرم زيارة القبور، وإن زيارة ضريح القائد عبود كرومى تتعارض مع عقيدته ومذهبه. وقد قبل التنزانيون ذلك الإعتذار الكاذب الملفق، فلم يكن الباقر وهابيا ولم ينتم الى المذهب الوهابى المتشدد فى يوم من الأيام. وأن دلت هذه الواقعة على شئ فإنما تدل على أن من بين كادراتنا الدبلوماسية من سبق بعض عتاة السياسيين فى إكتشاف " فقه الضرورة " وتوظيفه لتحقيق الأغراض المشروعة... وغير المشروعة! 
لا يهمنى فى قليل أو كثير ما إذا كان سفراؤنا ودبلوماسيونا يرتدون الزى الأفرنجى أو الزى الوطنى إبان وجودهم خارج البلاد. فالسؤال المهم هو: ماذا أنجزت، وليس ماذا لبست! غير أن المؤلف شديد الإعتداد بما يصفه بأنه: الزى الوطنى، ويحدده عناصره فى ثلاث: ( الجلابية والعمة والعباءة ). ويقول أنه كان يرتديه أثناء تأدية واجباته الدبلوماسية فى كل الدول، وأنه جنى من وراء ذلك فى بعض الأحيان إمتيازات، وتعرض فى أحيان أخرى لمضايقات، وواجه فى أحوال بعينها إحراجات. ولكنه مع ذلك يحث زملاءه وأبناءه من رجال السلك الدبلوماسى على التمسك بالزى السودانى، إذ هو بحسب المؤلف: ( يفتح الباب لتمييز السودانى بصورة مباشرة، وتأكيد سماته الخاصة منذ الوهلة الأولى، ويؤكد إستقلالية الشخصية السودانية وتفردها عن غيرها). وليس صاحبنا مبتدعا أو متفردا  فى دعواه تلك إذ هناك الكثيرممن يعتدون بالزى الوطنى ويجعلون من أرتدائه شأنا مبدئيا. كان أول من عرفت من هؤلاء الوزير السابق والعالم الدكتور عون الشريف قاسم، رحمه الله. وقد صحبته فى مهام رسمية خارج البلاد فكان لا يعرف غير الزى الوطنى لباسا، وعندما سألته عن ذلك أجابنى: ( أنا أؤمن بالأصالة فى الزى. أعبّر عن أصالتى بزيّى، وقد توقفت تماما عن إرتداء الزى الأفرنجى ). وثانى هؤلاء هو الإمام الصادق المهدى، الذى عملت الى جانبه ردحا من الزمن، إبان توليه منصب رئيس الوزراء فى حقبة الديمقراطية الثالثة، وصحبته فى رحلات عمله داخل البلاد وخارجها فلم أره فى غير لباسه الوطنى، الأبيض فى الغالب والملون فى أحيان نادرة. ولكننى فى حالات استثنائية تعد على أصابع اليد الواحدة، رأيته خارج البلاد وهو  يرتدى البدلة الاوربية الكاملة، ثم يلبس معها طاقية سودانية! وقد سمعت أن آلافا مؤلفة من موظفى الدولة وعمالها باتوا فى يومهم هذا يرتدون الزى الوطنى الى أعمالهم كل صباح.  غير أننى أذكر مقالا للراحل الكبير الوزير والسفير جمال محمد أحمد، نشرته فى زمن مضى صحيفة ( الأيام )، جاهر فيه جمال للمرة الأولى برأيه من أن الجلابية والعمة والعباءة لا تمثل زيا وطنيا سودانيا كما يسود الإعتقاد، وأن ذلك وهم محض. ونافح عن رأيه ذاك بتقديم نماذج من مناطق وقبائل، وإشارات الى ثقافات السودان المختلفة، معددا أنواع الملابس التى يرتديها السودانيون وأوصافها، وانتهى الى أن العمة والجلابية والعباءة ليست لباس الغالبية فى السودان، بل ربما  كانت لباس الأقلية! وأنتقد جمال توجيها رسميا كان قد صدر من جهة عليا، فى نهايات العهد المايوى، يقضى بإلزام سفراء السودان بإرتداء الجلابية والعمة والعباءة عند تقديم أوراق إعتمادهم، وقلل من شأنه وسخّفه. ورأيى صورة كربونية من رأى جمال. غير أننى - كما أسلفت – لا أبالى ولا أكترث مقدار خردلة بما يلبسه هؤلاء وأولئك. وهل فرغت أنا من كل شئ فى دنياى، فلم يبق لى إلا الفتيا فى أمر ما يلبس الرجال والنساء وما لا يلبسون؟!
عن صحيفة ( الأحداث )
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal