غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
---------------------------------------------

(1)
الفضل من بعد الله لشيخنا العلامة الدكتور عبد الله حمدنا الله في كوني قضيت ساعاتٍ ماتعاتٍ طيبات مطالعاً ومراجعاً ومتأملاً فقرات وسطور مذكرات المغفور له بإذن الله الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر، أحد مفجري انقلاب مايو 1969م، وعضو مجلسها الثوري القيادي. تحمل المذكرات الصادرة عن مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية عنوان (مايو: سنوات الخصب والجفاف). وشيخنا يعلم عني أنني شديد الاهتمام بأدب المذكرات، لا سيما تلك التي تعالج تاريخ السودان الحديث والمعاصر. وكان الدكتور حمدنا الله قد عاجلني قبل أسابيع قلائل بمقال هجومي مباغت سفّه فيه بعض ما ورد في مقالٍ سابق لي، وسفّل  بعض مواقفي ورؤاي حول الشأن العام تسفيلاً ما بعده تسفيل. ويبدو أنه فكَّر بعد ذلك في النتائج الكارثية المحتملة لعدوانه الغادر. لا سيما وأنه سمع بأنني شرعت في إعداد مقال الرد تحت عنوان كنت قد ادَّخرته، بعد أن حظر أهل الرقابة القبلية نشره في زمن سابق، وهو (عبد الله حمدنا الله كوز فالصو)، فسارع الشيخ يتدارك العواقب، مؤتزراً أُزار الحكمة الشعبية السودانية الخالدة (الإضينة دقو واعتذرلو، بأن ترسل له الكتب الجديدة)، وبعث إليّ على جناح الطائر الميمون بكتاب مذكرات الرائد زين العابدين، مع إهداءٍ لطيف. أطال الله عمر شيخنا، وأدام فضله، ونفعنا بعلمه.
(2)
مما عظّم السياسي الوطني والقانوني الضليع الدكتور أمين مكي مدني في عين رأسي، عندما عرفته للمرة الأولى، وعاصرته وزيراً في حكومة انتفاضة 1985م، أنه كان الوحيد من أعضاء مجلس الوزراء الذي اعترض رسمياً على تشكيل المحكمة التي عرفت باسم "محكمة مدبري انقلاب مايو 1969م"، وذلك عندما تقدم بمقترح تشكيلها النائب العام آنذاك الأستاذ عمر عبد العاطي. كان الدكتور أمين واضحاً ومباشراً وهو يعبر عن اعتقاده بأن المساحة التي طرقها النائب العام تنبسط فوق منطقة رمال متحركة يجمُل بالحكومة تفاديها خاصة في  ظرف ما بعد الانتفاضة الأبريلية الحساس، الذي غطّت سماءه سحب الأزمات المتكاثفة. كما أن شعب السودان - شئنا أم أبينا - منح مايو شرعية كاملة عندما أيّدها، في مبتدأ أمرها ومقتبل عمرها، تأييداً كاسحاً لا يغيب عن بصر أي معاصرٍ منصف. تجلَّى ذلك في موكب الثاني من يونيو 1969م، الذي لم تعرف الخرطوم نظيراً له قبلاً ولا بعدا، وانخرط غالب المثقفين في صفوف "الثورة" وساندوها بغير تحفظ. وكان من رأيه أن تصوَّب حكومة الانتفاضة بصرها باتجاه صور الفساد والتخريب وممارساته، فتأخذ بناصية المسؤولين عنه مسؤولية مباشرة، دون التورط في محاكمات سياسية خلافية مفتوحة يصعب التكهن بمآلاتها، فتضر ولا تنفع. وقد صدقت الأيام رؤى الرجل الثواقب ومواقفه البصيرة، إذ جاءت المحاكمة التي أجازت أمرها بعد ذلك حكومة الانتفاضة وبالاً على الكثيرين، ولم يجنِ السودان من ورائها خيراً. فقد نكأت جروحاً غائرة، ورفعت غلالاتٍ ساترة، وفضحت رجالاً كنا نظنهم من الأخيار.
كان الرائد زين العابدين قد بدا، وهو أسير القفص في تلك المحاكمة، أسداً هصوراً تصدَّى بكلماتٍ قوية، ما زال صداها يرن في الأفق ويخترق الآذان، لنفاق المنافقين وتدليس المدلسين. كيف لا وهو العارف الخبير الذي عرك سنوات الخصب والجفاف في مايو، وخبِر نصف مثقفي السودان ومتعلميه، وأعيانه ورموزه، وتأملهم بعينه الفاحصة وهم يردون مُشرع مايو، ويعبّون من نهرها الرقراق في هناءٍ وحبور، ويلهطون على موائدها الفالوذج بالفستق المقشور، قبل أن يقفزوا من سفينتها الغارقة، ويلتحقوا بالجديد المدخور.
وفي كتاب مذكراته يسير الراحل ذات سيرته أوان المحاكمة الشهيرة إلى حدٍ كبير، وهو يعرض الوقائع من وجهة نظره، ويعالج الفصول والمواسم التي عاظل فيها برد مايو وحرّها، وعاصر دنياواتها مقبلةً ومدبرة. غير أن لنا في مواجهة بعض ما جاء في سيرة الرجل المدونة والمبذولة على قارعة التاريخ  ملاحظات وتحفظات ومآخذ بالغة الجدية، ووقفات كبار، سنعرض لها تباعاً ضمن هذه السلسلة. لا تقدح ملاحظاتنا ووقفاتنا في شيء من عظيم تقديرنا للراحل الكريم، وتوقيرنا لسيرته الوطنية، ولا ينبغي لها. وهو الرجل الذي نعلم يقيناً أنه أحب السودان، وحمله في سويداء الفؤاد، فنهض في حيز تاريخي معين، بدورٍ يستوعبه تماماً - برغم كل ما قيل وما يمكن أن يقال -  فضاء الزمان الثوري في ستينات القرن العشرين، عهد ارتفاع الرايات الاشتراكية والقومية، وتنامي دور الجيوش الوطنية المتصدية لقيادة الأمم في دورب الثورات الكبرى.ٍ آمن الراحل أن من شأن وفائه بذلك الدور أن يحمي ذمار الوطن، ويرتقي به مدارج الجوزاء، ويرفع ذكره بين الورى. وقد صدقته الأيام تصديقاً، ثم كذبته تكذيباً. بذلت له من مجدها وعنفوانها، ثم استدارت فقلبت له ولأحلامه وتصوراته ظهر المجن. فإذا الظنُّ غير الحق، والظن لا يغني عن الحق شيئا، واإذا النظارات غير الدبارات، وإذا الفكرُ غير العمل، وإذا الخيبة وسوء المنقلب هما دقيق الأيام وزيتها وخبزها المحروق. لم يستنكف الرجل أن يقر بذلك كله في صفحات مذكراته وسطورها، بل انه لم يخرج أصلاً في طلب الريشة والمحبرة إلا لكي يقر بذلك كله ويثبته في لوح التاريخ!
لا مندوحة إذن من أن نسجل يقيننا بأن مذكرات الرجل التمست الصدق في روحها، وتوخته في خويصة قلبها. لا نرتاب قط في أن صاحبها كتبها وفي روعه قول ناصح العربان: (وما من كاتبٍ إلا سيفنى/ ويبقى الدهرُ ما كتبت يداه / ولا تكتب بكفّك غير شيء / يسرُّك في القيامةِ أن تراه). ولكن أهواء النفوس غلابة، ورغائبها خلاّبة، ترزؤنا نحن ولد آدم وإن التمسنا التجرد، ونشدنا الصدق وخرجنا في طلبه، فتنال من عضد حبنا للحقيقة وولائنا لها وبيعتنا لسلطانها، وتلقي بظلالها على أمانة الشهادة للناس وعلى الناس. ولا عجب. صاحبنا - رحمه الله - بشرٌ من البشر، خلقه الله من طينٍ ومشاعر. والإنسان هو الإنسان. كان منذ رسم خطاه على درب الزمان، وسيظل حتى يشخص أمام خالقه يوم الميزان. ولهذا قال ربك في التنزيل المجيد: (‏‏وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)‏‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 54‏]‏‏.
(3)
الخلاف التاريخي والانقسام الذي شهده العام الأول لانقلاب مايو، وانتهى بطرد وتجريد ثلاثة من عناصر مجلس قيادة الثورة، المحسوبين على الحزب الشيوعي السوداني، من عضوية المجلس يأخذ مكاناً علياً في المذكرات. وهو أمر مفهوم تماماً، إذ إن ذلك الخلاف يشكل الأساس لأحداث كبرى غيرت مسار مايو وأسلكتها دروباً غير التي أرادها الثوار في بداية أمرهم. أدهشني في إشارات المؤلف لبعض الجوانب الشخصية لرصفائه من أبطال تلك الأحداث أن مرارات الماضي بقيت حاضرة، تظلل بعض رواياته للأحداث، رغم أنه شرع في كتابة المذكرات بعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك الصراعات المؤسفة التي انتهت بإعدام بعض زملائه الأقربين، وكان الظن أن تخفف تلك العقود الثلاثة من عكار النفوس وتردها الى صفاء التجرد والعدل. جاء في المذكرات عن المقدم بابكر النور عثمان عضو مجلس قيادة ثورة مايو، ثم رئيس مجلس  قيادة ثورة انقلاب يوليو المندحر، رواية يبدو أن المراد منها أن يستدل القارئ إلى أن الأخير كان يفتقر إلى الشجاعة الكاملة وروح الإقدام ويرتقي بمعيار سلامته الشخصية فوق كل معيار. وفقاً للعرض الذي تقدمه المذكرات فإن المقدم بابكر النور لم يكن مشاركاً في الانقلاب، وقد سمع اسمه في عضوية مجلس قيادة الثورة من الإذاعة صباح الخامس والعشرين من مايو 1969م. جميل. ماذا فعل المقدم بابكر النور عندما استمع الى البيانات الأولى من المذياع وعلم بأنه أصبح عضواً في مجلس قيادة الانقلاب؟ وفقاً لرواية زين العابدين فإنه: (لبس بذلته العسكرية، وذهب الى منزل جاره العقيد مهندس صلاح الدين إبراهيم أحمد). لماذا يذهب المقدم بابكر النور الى منزل جاره ذلك الصباح بدلاً من أن يهرع الى القيادة العامة؟ التفسير عند زين العابدين هو: (لعل بابكر قد تحوط للأمر بإيجاد شاهد على عدم اشتراكه في الانقلاب، فيما لو فشلت الحركة). إذن الهم الأساسي للمقدم بابكر النور لم يكن هو الثورة ونجاحها، وإلا لاندفع الى مواقع القيادة والخطر ليذود عن الثورة ويثبت أقدامها، بل كان همه هو حياته الشخصية وحمايتها، ولهذا كان أول ما فكر فيه هو البحث عن شهود يشهدون بأنه لم يكن مشاركاً في تنفيذ الانقلاب!
يذكرني ذلك بالكتابات المتعددة التي جاءت في مذكرات بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية والضباط الأحرار من كارهي أحشاء الرئيس الراحل أنور السادات عن دوره الحقيقي في تنفيذ انقلاب 23 يوليو. إذ توافق العديد من هؤلاء على أن  الصاغ (أو الرائد) أنور السادات آنذاك، قام ليلة التحرك وتفجير الثورة في الثالث والعشرين من يوليو 1952م بالذهاب الى إحدى دور السينما مصطحباً زوجته، وحضر إحدى عروض منتصف الليل، وحرص على أن يدخل في مواجهات مع بعض موظفي السينما، ثم احتفظ بالنصف الثاني من تذاكر الدخول. وكل ذلك بغرض إيجاد شهود وأدلة كافية تثبت أنه لم يكن داخل معسكرات الجيش ولم يكن مشاركاً في الانقلاب، في حال فشل الحركة ورود اسمه وتعرضه للمساءلة!
خطر لي بعد قراءة ذلك الجزء الذي وقفت عنده متأملاً لبعض الوقت أن أمارس شيئاً من نشاط الصحافة الاستقصائية. ولم لا؟ هناك عقيد مهندس واحد فقط لا غير يحمل اسم صلاح الدين إبراهيم أحمد كان يسكن بمقربة من منزل المقدم بابكر النور في العام 1969م، وهو الذي ورد اسمه في رواية الرائد زين العابدين. هو نفسه المهندس صلاح الدين إبراهيم أحمد قطب حزب الأمة، ورجل الأعمال المعروف في الخرطوم حاليا. وأنا أعرف هذا العقيد المتقاعد/ المهندس/ رجل الأعمال معرفة لصيقة، لسبب بسيط جداً، وهو أنه يمت إليّ بصلة دم وقربى. عندما بادرت بالاتصال به كان هدفي أن أعرف ما عساه أن يكون السبب الحقيقي الذي حدا بالمقدم بابكر النور لزيارته ذلك الصباح، وطبيعة الحديث الذي دار بينهما. ولكنني لم أحصل على الإجابة التي كنت أتحراها، إذ كانت تنتظرني عند قريبي بدلاً من ذلك مفاجأة كبرى لم تكن قد خطرت لي على بال. هاك يا رعاك الله. خذ عندك إجابة العقيد مهندس صلاح الدين إبراهيم أحمد، على سؤالي بشأن زيارة المقدم بابكر النور له في منزله صبيحة الخامس والعشرين من مايو 1969م، والإجابة كالآتي: (هذه الرواية التي وردت في كتاب المرحوم الرائد زين العابدين لا نصيب لها من الصحة. لم يحدث أن زارني بابكر النور صباح 25 مايو 1969م. لم يحضر الى منزلي لا في الصباح، ولا في الظهر، ولا في المساء. لا في حضوري ولا في غيابي).
يا لظلم الإنسان الحي لأخيه الإنسان الراحل. ليت المغفور له الرائد زين العابدين كان أكثر جلداً، فلم يضعف أمام إغراء الاحتفاء بتلك الرواية المردودة ويثبتها في لوحه على علاتها. ليته توقف فاستبصر، ثم تثبّت وتبيّن، قبل أن يكتبها في حق رجل مات خصيماً له، وأصبح - عند تسطير المذكرات - في ذمة ربه، لا يملك أن يرد عن نفسه غلواء البشر وتزيّداتهم.
(4)
ونلمح جوانب أخرى متشابكة عن طبيعة العلاقة بين الجناح الذي انتمى اليه الرائد زين العابدين داخل المجموعة القيادية من ناحية، والجناح الشيوعي من ناحية أخرى، ونتوقف أمامها تشدنا الحيرة. حيرتنا مصدرها أن صاحب المذكرات يعرض لنا بعض الوقائع التاريخية عرضاً يخالف ما عليه وعينا، وما رسخ في الشعور العام على وجه الإجمال. نقصد بذلك أن ذات الوقائع جرى فحصها وتوثيقها والتداول حولها لسنوات متلاحقة، ثم استقرت على نحو ما استقرت عليه في وجدان وعقول المؤرخين والمتلقين. غير أنه لا عبرة عندنا بكل ذلك، إذ إن زين العابدين من صناع الأحداث. وسلطة صانع الحدث تعلو على سلطة المراقب والمؤرخ. وفي وسع صاحب المذكرات بغير شك - وهو من هو - أن يمحق ما كتب الآخرون وثبتوه في العقول، وأن يبدلنا ما هو خير منه. نحن هنا فقط نستعلم، ونلتمس إن اقتضى الحال من أهل الذكر أن يلقوا إلينا بأضواء كاشفة تعيد تقويم ما هو مدون، فتصوبه تصويباً يعزز الحق ويوقره ويعلي من مقامه.
نحن نعلم أن الحزب الشيوعي السوداني عارض قرارات التأميم والمصادرة التي حدثت في العام 1970م معارضةً سافرة. وفي زعمنا أن ذلك الموقف ممهور ومشهور ومسجل. ونعلم أيضاً أن الحزب الشيوعي عارض قرار ضرب الجزيرة أبا بالطائرات وفتحها بالقوة الغاشمة في ذات العام. وذلك أيضاً ممهور ومشهور ومسجل. بل انه وفقاً للتاريخ المسطور فإن حكومة مايو عمدت الى اعتقال الزعيم الشيوعي عبد الخالق محجوب ونفته الى القاهرة في الأول من أبريل 1970م، بعد أيام قليلة من قرار ضرب الجزيرة أبا تحييداً لنفوذه وتقييداً لآثار معارضته القاطعة لمخطط الاعتداء المسلح على الأنصار. الوثائق المتوفرة بشأن هاتين النقطتين تسد عين الشمس. ولذلك فإنه عندما يكتب الرائد زين العابدين في مذكراته أن قرارات التأميم والمصادرة، بحسب نص كلماته: (جاءت تنفيذاً للبرنامج الذي وضعته الكميونة الشيوعية). وأن الشيوعيين كانوا (أكثر الناس حماسة) لضرب الجزيرة أبا، فإننا نشعر بكثير من القلق، وتضطرب أمام نواظرنا الأشياء، ويفقد التاريخ عندنا بوصلته!
ظننت في مقتبل الأمر أن الخلط ربما تعلق بالضبط المنهجي للفظة "شيوعيين". وأن اللفظة ربما أخذت معاني وتفسيرات متضاربة عند الرائد صاحب المذكرات. ولكن القراءة المتأنية تدل على أن الرجل يعرف تماماً الفارق بين الشيوعيين الحقيقيين الذين تمترسوا عقب انقلاب مايو خلف قائدهم عبد الخالق محجوب، والمنشقين الآخرين الذين هجروا الحزب وانخرطوا في مؤسسة مايو، فلم تعد لفظة "شيوعي" تصف أيّا منهم. كما إن الكتاب يقدم وصفاً دقيقاً لممارسات المقدم بابكر النور والرائد هاشم العطا، عضوي الجناح العسكري للحزب الشيوعي، الذين اتهمهما بأنهما كانا يواليان الحزب الشيوعي في كل صغيرة وكبيرة، وأن كل منهما كانت تقف وراءه - بحسب وصفه - كتيبة من الخبراء عينها الحزب الشيوعي، كانت ترفدهما بالأفكار والآراء والمواقف التي تعبر عن سياسات الحزب. وأن هذا الوجود والتأثير الحزبي الشيوعي الكثيف على هذين العضوين شكل أول مسمار في نعش وحدة مجلس قيادة الثورة (يضيف الكتاب اسم الرائد فاروق عثمان حمد الله باعتباره واقعاً بدوره تحت التأثير الشيوعي، بالرغم من أن الأخير لم يكن عضواً بالحزب). هذا كله مفهوم. مشكلتنا تتجلى فقط في التوفيق بين ما هو متاح من معلومات ومصادر ترتقي عند الكثيرين مرتقى التاريخ المعتمد عن معارضة الشيوعيين لذينك الحدثين الكبيرين من جانب، وحيثيات الرائد زين العابدين التي تذهب الى أن: (قرار فتح الجزيرة أبا اتخذ بالإجماع ولم يعارضه أحد وكانت العناصر الشيوعية داخل المجلسين أكثر حماساً له) [ص، 31]. وان قرارات التأميم والمصادرة كان وراءها الحزب الشيوعي وأنها جاءت تنفيذاً لبرامجه!
لفتت نظري في الصفحة (102) إشارة الى أول قرار أعلنه مجلس قيادة الثورة بمصادرة ممتلكات وأعمال إحدى الأسر السودانية الكبيرة وتحويلها لمصلحة الدولة، ثم ما تبع ذلك لاحقاً من قرارات أوسع بمصادرة أملاك وثروات الآخرين. والإشارة هنا الى قرار مصادرة ممتكات أسرة عثمان صالح. يلي ذلك بحسب المذكرات التفكير في مصادرة ممتلكات الشركات المملوكة للأجانب، أو السودانيين من ذوي الأصول الأجنبية، مثل شركة سودان مركانتايل وازمرليان وبيطار وميتشل كوتس وغيرها. في هذا الموقع كتب الرائد زين العابدين العبارة الموحية التالية، والتي تلقي في نظري كثيراً من الضوء على الدوافع الحقيقية لإقدام قادة الانقلاب على خطوات التأميم والمصادرة: (كان الجو ضاغطاً، وأعياد الثورة على الأبواب، ولا بد من اتخاذ قرارات تعلن خلال الاحتفالات. وتم على عجل إعداد قائمة بالمؤسسات التي سيتم مصادرتها وتأميمها. بعضها لأسباب مبررة وبعضها بغير تبرير). هل عرفت أعزك الله لماذا قلت لك في مقتبل هذا المقال إن كاتب المذكرات قد جهد ما وسعته الطاقة الإنسانية كي يراعي وجه الله فيما كتب؟ هل رأيت صراحة ووضوحاً وتجرداً في الصدع بالحقيقة أكثر من هذا؟ الحاجة الى قرارات ثورية يتم إعلانها على الشعب في أعياد الثورة كانت في مقدمة الدوافع للإسراع في إنجاز قرارات التأميم والمصادرة. هكذا كان مستوى تفكير الجماعة التي استولت على الحكم بليل فحكمت السودان وسيطرت على مقدراته! هل تصدق.. أم انك مثلي مذهول؟!
(5)
ولكن ذلك كله لا يجيب على السؤال المحوري عن أصل وفصل ومصدر قرارات المصادرة والتأميم ودور الحزب الشيوعي ومسؤوليته المفترضة عنها. ولذلك كان لا بد أن أنقل إليك جملة أخرى أثارت انتباهي وردت عند الجزء الذي تطرق فيه الرائد زين العابدين الى بدايات نشوء فكرة المصادرة والتأميم، حيث كتب: (تجمعت لدينا معلومات مكثفة [عن الشركات المشار اليها أعلاه] فعرضناها على مجلس قيادة الثورة، فوردت فكرة المصادرة من مستشار المجلس الاقتصادي الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد). الحمد والشكر لك يا رب. أخيراً وجدنا رأس خيط يمكن أن يدلنا على الحقيقة، فنحن على الأقل نعلم الآن أن  إسم العبقرى، صاحب فكرة الاستيلاء على شركات القطاع الخاص وتحويلها لملكية الدولة، لم يكن عبد الخالق محجوب. اسم العبقري هو: الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد. السؤال الذي يطرح نفسه على عجل: من هو هذا الأسد؟ هل كان عضواً في الحزب الشيوعي السوداني، وكانت أفكاره بالتالي تعبر عن سياسات ومناهج وخطط الحزب الشيوعي؟! فإذا لم يكن هذا الأسد الهصور شيوعياً، ونحن نعلم الآن أن الفكرة في الأساس فكرته، ثم تبناها مجلس قيادة الثورة، فكيف يكون بوسع أي شخص أن يزعم أن "كميونة الشيوعيين" كانت وراء قرارات المصادرة والتأميم؟!
فلنتفرق أنا وأنتم - أعزكم الله جميعاً - إلى مجموعات صغيرة. ولنبدأ نفير البحث عن الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد، فعنده الخبر اليقين.

يا أهل المروءة هل منكم من يدلنا على عنوان الأسد؟!
 [ نواصل ].

عن صحيفة "الاحداث"