غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)
لم يعد خافياً او عصياً على الفهم ان قناة التحالف الاسلاموقومجي - الجزيرة - قد ضاقت ذرعاً بآراء ومواقف عملاق الصحافة العربية، محمد حسنين هيكل، في شأن تداعيات الانتفاضة المصرية، فحجبته عن مشاهديها، وغلّقت دونه شاشاتها، بعد ان كانت قد استأثرت به حصرياً ردحاً من الزمان. وكيف تفتح القناة شاشتها للرجل وأحاديثه بعد ان أخذ يهرف ويخْرِف، ويهرطق جهرةً بما يسميه "مخاطر تزايد نفوذ الاخوان المسلمين فى مصر" ما بعد ثورة الشبيبة؟ ولكن القناة المصرية الاولى الرسمية استضافت المحلل السياسى ذا النفوذ الضارب فى مصر والمنطقة العربية بأسرها بعد غيابٍ طال واستطال، حيث تحدث الى الاعلامى المخضرم محمود سعد في بداية هذا الاسبوع، بصراحته وحنكته وعمقه المعهود عن بعض مظاهر أثارت قلقه. قال الرجل معلقاً على احتفالية "جمعة النصر" في ميدان التحرير:  (ان أحد نواب الاخوان المسلمين، وأعرفه بالاسم، كان هو الذى يُخرج ويُدير ما يحدث على المنصة. ومشهد الشيخ يوسف القرضاوى على المنصة كان يدار بطريقة معينة، وكأن الاخوان كانوا يريدون تصويره فى صورة الخمينى، العائد الى طهران بعد سقوط الشاه!)
(2)
"الموضة" هذه الأيام وسط فلول اليساريين والليبراليين اليائسة، والمغلوب على أمرها، فى مصر والسودان والمنطقة العربية، أن يقولوا كلما طُرق أمر النذارات الاسلاموية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير: "اذا كان الشعب سيختارهم، فنحن مع إرادة الشعب. نحن مع الديمقراطية".  وقبل أيام سمعت بأذنى رأسى أحد رموز اليسار يبادر متطوعاً - وأجره عند الله - فيشيد بالاخوان المسلمين، ويبين للاجيال الجديدة كيف ان تاريخهم فى مصر هو "تاريخ فداء واستماتة فى الدفاع عن المبدأ". وهو وصف يثير الاعجاب حقاً. ضحكت كثيراً وانا استمع لمقولة اليسارى المصرى المعتق تلك.
قبل عامين فقط، وربما اقل قليلا، كنت استمع لنفس الرجل متحدثاً فى برنامج حوارى - مع الاعلامى المصرى عمرو الليثي - وهو يشرح فى حماسة واندفاع تاريخ الاخوان المسلمين الحقيقي، وكيف انهم تحالفوا سياسياً، خلال حقبة السبعينات، مع الرئيس السابق أنور السادات لتصفية اليساريين ودعاة الاشتراكية وبقايا الناصرية وغيرها من القوى الوطنية فى مصر. وكيف انهم، بالتنسيق مع جهاز مباحث امن الدولة، تسلموا الاموال والاسلحة النارية والاسلحة البيضاء عن طريق صهر السادات، رئيس شركة المقاولون العرب آنذاك، المهندس عثمان احمد عثمان. وكيف أن محافظ اسيوط المقرب للسادات محمد عثمان اسماعيل لعب دوراً محورياً فى التنسيق بين الاجهزة الامنية والاخوان. وكيف انهم مارسوا الارهاب المنظم، المدعوم من النظام الحاكم، فى الجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات الدولة على نطاق واسع، وقهروا مخالفيهم فى الرأى من كل فصيل وملة، ونجحوا نجاحا باهراً في تنفيذ المهمة التى اوكلها لهم السادات. ثم أشار القيادى اليسارى، خلال الحوار مع عمرو الليثى، الى ان الاخوان المسلمين عادوا فتحالفوا مع الحزب الوطنى الحاكم و عقدوا صفقة شهيرة مع النظام خلال معركة انتخابات 2005، وبموجب ذلك التحالف وتلك الصفقة تم السماح للاخوان بالحصول على نسبة مقدرة من مقاعد البرلمان، وذلك فى وقت كانت فيه كادرات القوي اليسارية والليبرالية تساق الى المعتقلات، وتُضرب على ظهورها بالكرابيج.
الذين قلّبوا وتمعنوا فى دفتر يوميات الثورة المصرية، وتابعوا فعالياتها متابعةً دقيقة خلال الاسبوع الاخير من يناير وما بعدها، يلحظ ان اخوان مصر لم يفارقوا قط المنهج الذى اختطه الامام حسن البنا فى التحالف مع المعسكر القوى - او الذى تُتوخى قوته - لصالح حماية التنظيم وتعظيم مكتسباته وتحصيل اكبر قدر من الجوائز السياسية. (أضابير التاريخ تحدثنا انه فى العام 1946 حين تألفت فى مصر "اللجنة الوطنية للعمال والطلبة"، وتصاعدت وتائر مسيرتها النضالية ضد الاستعمار البريطانى وبلغت ذروتها، اختار الشيخ حسن البنا، الاب المؤسس للجماعة، الا ينضم للثائرين، بل قام بالتفاوض والتنسيق مع القصر الملكى بإنشاء حركة مضادة باسم "اللجنة القومية"، وذلك فى مقابل بعض المكاسب والامتيازات التى انعم بها القصر الملكى والحكومة على الكيان الاخوانى)! وتلك خصلة سياسية يتفق فيها اسلامويو مصر مع اسلامويى السودان. عندما سأل الصحافى اللبنانى فؤاد مطر الشيخ حسن الترابى، الذى كان أول الخارجين على تنظيم الجبهة الوطنية المعارض لنظام مايو، واول المتحالفين مع الرئيس السابق جعفر نميرى، فى حقبة السبعينات، عن مسوغات ذلك الاندفاع المفاجئ والارتماء فى احضان النظام المايوي رد الترابى بأن: (الاخوان المسلمين ليسوا على خلاف مبدئي مع النظام كما يظن البعض، فاذا سمحت مايو لنا بحرية النشاط والحركة فليس لنا ان نحاربها. كل ما نريده هو ان يسمح النظام لطاقاتنا الاسلامية بالانطلاق دون قيود)! وقد كان الترابى محقاً تماماً، ومصيباً بغير شك، اذ صدقت الايام رؤاه، فبعد ذلك التاريخ بسنوات قلائل كان اخوان السودان قد شيدوا لانفسهم هياكل اقتصادية جبارة، وبنيات تنظيمية ضاربة، وكادرات سياسية وعسكرية مدربة وفاعلة، مكنتها من وراثة نظام مايو برمته، وابتلاع الدولة بقضها وقضيصها.
(3)
بعض الحقائق تضيع دائماً وسط الدخان والضباب الكثيف. من الحقائق التى يبدو انها ضاعت او جرى تغبيشها خلال الاسبوعين الماضيين هو أن تنظيم الاخوان المسلمين فى مصر كان قد أعلن رسمياً رفضه وامتناعه عن المشاركة فى التظاهرات التى دعا لها شبيبة الفيسبوك يوم الخامس والعشرين من يناير. وجاء فى تسبيب الرفض وفقاً للتصريح المنسوب الى واحد من أبرز قيادييها، الاستاذ عبد المنعم ابوالفتوح، "إن الجماعة تعترض على مبدأ التظاهر فى يوم مناسبة وطنية، وهو عيد الشرطة"! ولكن التظاهرات اندلعت على اية حال، فخرج مئات الآلاف الى ميدان التحرير. وقد شارك، الى جانب الشبيبة، فى اليوم الاول أحزاب التجمع والوفد والغد والناصرى، حيث شوهد عدد من قياداتها فى الميدان. كذلك امتنع الاخوان المسلمون رسمياً عن المشاركة فى تظاهرات "جمعة الغضب" الذى شارك فيه مليون متظاهر، وان كانت عناصر من الشباب المحسوبين على التنظيم شاركت بصفتها الشخصية كما جرى الاعلان لاحقاً.  غير أنّ موقف الجماعة شهد - كما هو فى علم الكافة - إلتفافاً مفاجئاً وكليا، بمقدار مائة وثمانين درجة، وهو التفاف استراتيجي فرضته تداعيات الاحداث ومآلاتها. وقد بلغ  التغيير فى الموقف الاخوانى مبلغاً ارتقت معه الجماعة مرتقي مكّن كوادرها التي كانت تسيطر على المنصة الرئيسية يوم "جمعة النصر" الماضية بقيادة النائب البرلمانى الاخوانى الذى أشار اليه الاستاذ حسنين هيكل، من ان تمنع ممثل الشبيبة ورمز الانتفاضة، وائل غنيم، من الصعود الى المنصة والقاء كلمة، كما أوردت العديد من الوسائط الاعلامية الورقية والالكترونية!
ماذا كان الاخوان يصنعون خلال الفترة التى احتجبوا فيها وامتنعوا عن المشاركة فى فعاليات الثورة؟! كان قادة التنظيم بحسب صحيفة "الشروق" المستقلة - وأكثر الصحف احتراماً فى مصر اليوم - غارقين حتى آذانهم فى حوارات مطولة مع اللواء عمر سليمان. وبخلاف ما هو معلن، فقد التقى الاخوان بنائب الرئيس سليمان عدة لقاءات خاصة، قبل مشاركتهم فى الحوار الجماعي الذى نقلته وسائل الاعلام لاحقاً. ذكرت "الشروق" فى عددها الصادر فى السابع من فبراير 2011 أن هناك صفقة عقدت بين اللواء عمر سليمان وممثلى التنظيم، من ابرز بنودها ان يتعهد الاخوان بعدم الانضمام بثقلهم الى التظاهرات، ومساعدة الحكومة على تحجيمها، وذلك مقابل المصادقة للاخوان بإنشاء حزب سياسى علنى، واطلاق سراح المعتقلين من الاخوان ووقف الملاحقات الامنية لكوادرهم. هذه المعلومة وجدت طريقها الى الاعلام العالمى فى لمح البصر، وتخطفها على الفور الاعلامى الامريكى - الهندى الاصل - فريد زكريا، مدير تحرير مجلة نيوزويك - فأوردها وعالجها اكثر من مرة فى برنامجه الذائع جي بي اس. كما تناولها بالتحليل الدكتور فؤاد عجمى، الذى تستضيفه القنوات الرئيسية فى الولايات المتحدة باعتباره خبيراً فى الشئون العربية والاسلامية، وغيرهم كثير. أتصور ان الاعلام المصرى والعربى أيضاً أعاد تدوير الخبر، ومع ذلك فقد ادهشنى ان جماعة الاخوان لم تهتم حتى الآن بالتعليق على المعلومة ولو بكلمة واحدة، نفياً او تأكيداً، بل آثرت ان تتبع المثل المصرى القديم: "إكفى ع الخبر ماجور"!
(4)
واضح تماماً ان "تقدير الموقف الاستراتيجي" الابتدائي الذى اجرته الجماعة قادها الى ان انتفاضة الشباب ستكون لها أثار وتداعيات سياسية محدودة، فسعت كما هو دأبها وتاريخها لاستثمار الحدث بغرض استحلاب اكبر قدر من المكاسب. ولم يخطر ببالها قط ان الانتفاضة ستتخذ المسار الذي اتخذته وان النظام المباركي سينهار! ولعل هذا يفسر ما تناقلته المصادر عن قيادات الاخوان المسلمين يوم "جمعة الغضب" فى الاسكندرية، الذين خاطبوا الجموع الحاشدة فى المدينة وحيوا انتفاضتها، ثم ناشدوا المتظاهرين بالانصراف الى منازلهم واعمالهم. ذات الشئ تكرر فى مدينة السويس حين تصدى الزعيم الشيخ حافظ سلامة، احد ابطال المقاومة التاريخيين،  لقيادات الاخوان المسلمين التى دعت المتظاهرين للانصراف، وطالبهم بأن يخلّوا بين الجماهير ورغائبها!
ولكن الجماعة انطلقت بسرعة البرق لتلحق بقطار الثورة بعد ان بلغ القطار منتصف الطريق، وظهرت ملامح محطة النهاية، فدفعت بثقلها الجماهيرى الى بؤر الحراك العام بصورة ظاهرة. ثم أطلقت فى ذات الوقت قياداتها فى شكل مهرجانات من الخطابة والانتشار الاعلامي، توزع التصريحات والاعلانات يمنة ويسرة تؤكد حضور الاخوان المسلمين ومشاركتهم بقوة وثبات فى مسار الثورة. وبلغت فانتازيا التصريحات حد ان الاستاذ مهدى عاكف، المرشد العام السابق، صرح لمندوبى عدد من القنوات العربية والعالمية من داخل احد مقرات الاخوان فى منطقة مصر القديمة، دون ان يطرف له جفن: "نحن الاخوان المسلمين نفخر بأننا كنا الرائدين في التظاهر"!!
بلغ التناقض والغموض الظاهرى - وتأثير المعامل الانتهازي كمكوّن من مكونات صياغة السياسات والمواقف - مبلغاً دفع بالكاتب الاسلاموي فهمى هويدي، المحسوب على الجماعة (والده من القيادات التاريخية للاخوان، كما انه عرف فى مصر بكونه التلميذ النجيب للعالم الاخوانى الفذ الشيخ محمد الغزالى)، الى أن يندد بموقف الاخوان المسلمين صراحةً للمرة الاولى، في مبادرة لا سابق لها. كتب هويدي ضمن مقاله بصحيفة "السفير" اللبنانية، بتاريخ التاسع من فبراير 2011 متسائلا:( كيف التبس موقف الاخوان المسلمين فلم نعرف على وجه الدقة اين يقفون، مع ميدان التحرير ام ميدان لاظوغلى)؟!  وميدان لاظوغلى - ان لم تكن تعلم - هو الميدان الذى يرتبط فى الذهن العام المصرى بجهاز مباحث أمن الدولة الاخطبوطى الذى يطل مبناه على ذلك الميدان. وحين يأتى الاتهام لاخوان المحروسة، من مفكر اسلاموي عريق، محسوب على تيار الاسلام السياسي، بأن موقفهم من الثورة ملتبس بين أشواق الشبيبة فى ميدان التحرير، وأوراق وفواتير الحسابات التنظيمية الحساسة مع أجهزة الدولة الامنية، بحيث ان التنظيم يحتاج الى التفكير مرتين والموازنة بين خيار الثورة على النظام، وخيار التواطوء معه مقابل مكاسب سياسية يتم التفاوض عليها، فاننا لا نملك الا ان نضع نقطة فى آخر السطر، ونمضى فى سبيلنا مرددين قول الفرنجة:  Case closed!
(5)
كنت اتوقع ان يتطرق الاستاذ محمد حسنين هيكل - وقد تطرق بالفعل - ضمن حديثه المطول مع الاعلامى محمود سعد،  الى قرار المجلس الاعلى للقوات المسلحة بتشكيل لجنة لمراجعة واعادة صياغة الدستور المصري، فقد أصبح أمر القرار واللجنة حدثاً مدوياً ثارت له دوائر عديدة فى بر المحروسة. وقد شعرت قبلها بالأسى والاشفاق على الاستاذين الدكتور رفعت السعيد وحسين عبد الرازق،من قيادات حزب التجمع اليساري، وهما يتحدثان بمرارة، حتى بح صوتيهما، عن قرار المجلس العسكرى المجحف الذى أناط أمر تعديل الدستور بشخصية اسلاموية معروفة، هو الدكتور طارق البشري، يعاونه قلة من اعضاء تعد على اصابع اليد الواحدة، من ضمنهم عضو نشط فى تنظيم الاخوان المسلمين، ونائب عنهم فى البرلمان المحلول! كيف تسند القوات المسلحة أمرا مصيرياً كأمر الدستور الى عناصر اسلاموية ذات انتماءات معلنة، دون ان تضم اللجنة فى عضويتها ممثل واحد للاتجاهات والقوى الاخرى؟! هو ذات السؤال الذى طرحه هيكل وقال انه يحيره، ويثير قلقه، ولكنه لا يملك الاجابة عليه! هل يعيد هذا الموقف الى الاذهان تجارب تاريخية مماثلة فى السودان؟ هل هي مجرد ترتيبات قدرية ان الجيش عندما يستولى على السلطة باسم الشعب فى أيٍ من قطري وادى النيل ينحاز تلقائيا الى المعسكر الاسلاموى؟ الله ورسوله اعلم!
زاد الأمر غرابة ان إثنين من القيادات الاسلاموية المعروفة، الاستاذ عصام العريان والاستاذ محمد سليم العوا، خرجا على الرأى العام مؤخراً بتصريحات متطابقة أعلنا فيها ان المادة الثانية فى الدستور المصرى التى تقرر ان الشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيس للتشريع خط أحمر، وانها لن تمس، انها غير معروضة للتعديل الدستورى (عرضت مسودة هذا المقال على الدكتور محمد وقيع الله فعلق على هذا الجزء بالآتى: "ليس هذا هو رأيهما وحدهما وإنما هذا هو رأي الشعب المصري الذي أصبح يتحمس للإسلام أكثر من الإخوان، وهذا أكبر دليل على نجاح دعوة الإخوان في تحويل الفكر والمزاج المصري نحو الولاء للإسلام السياسي والدستور الإسلامي"). الثقة التى يتحدث بها القياديان الاسلامويان، وذلك فضلاً عن توسيد المجلس العسكرى لأمر الدستور الى عناصر فاضحة الانتماء الى المعسكر الاسلاموى، تشير الى حقيقة واحدة لا سبيل الى تجاوزها وهى ان الاخوان المسلمون فى مصر يمسكون فعلياً - وبوجه من الوجوه - بخيوط صناعة السياسات العامة، حتى قبل ان تتم الدعوة للانتخابات العامة!
(6)
الدكتور طارق البشرى، الذى يطلق عليه فى الاعلام العربى صفة المفكر الاسلامي، شخصية معروفة بتبنيها للطروحات الاسلاموية خاصة فيما يتعلق بالدعوة الى تطبيق الشريعة الاسلامية، كما ان له مواقف واضحة فى ازدراء العلمانية ومبدأ فصل الدين عن الدولة. أذا اردت - أعزك الله - ان تعرف المزيد عن الدكتور طارق البشري، الذى اختاره المجلس الاعلى للقوات المسلحة لمعالجة تعديلات الدستور المصري، دوناً عن مئات وآلاف المصريين المتخصيين فى الفقه الدستوري، فإن افضل من يعرفك به هو صديقي وزميلى السابق فى هيئة التدريس بجامعة ام درمان الاسلامية الدكتور محمد وقيع الله. فإن لم تعثر على وقيع الله فدونك الاستاذ المحبوب عبد السلام، فانك لا بد واجد بغيتك عنده. ما هو السر - يا تري - ان جميع من يعرفون طارق البشرى فى السودان هم من الاسلامويين؟! وما هو السر فى ابتهاج صديقنا وقيع الله، وانشراح قلبه، واحتفائه الشديد بقرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى مصر تعيين الدكتور طارق البشرى رئيساً للجنة التعديلات الدستورية؟!
فى مقال، من ثلاثة اجزاء، بعنوان "من هو طارق البشري؟"، نشرته عدد من الوسائط الاسبوع الماضى، كتب الدكتور محمد وقيع الله: (التقيت المستشار الجليل طارق البِشري بداره بمصر قبل نحو ربع قرن، ولا اذكر أني التقيت بمصر من هو مثله فى تواضعه وصدقه ورقة قلبه وكثافة علمه. وأذكر أني أخبرت بذلك صديقي السابق الأستاذ المحبوب عبد السلام عندما سالني كيف وجدت البشري، فأمن على ما قلته له بالحرف، وقد كانت له معرفة وثيقة به). ومضى وقيع الله قدماً فكتب: (وقد عرف الناس الأستاذ طارق البشري، واحدا  من أعلام القانونيين العرب ، وهذه هي الصفة التي اختير بها أخيرا ليرأس اللجنة التي نيط بها تعديل الدستور المصري. وقد قوبل هذا الاختيار بالترحيب الغامر من جل أقطاب المجتمع المصري وأطيافه. فأكثر هؤلاء يقدرون للبشري اعتداله واتساع أفقه واستيعابه لكل ما صح من المنقول والمعقول).
وفى تقديم وقيع الله خطاب دينى ظاهر، يتجلى فى وصفه الدكتور طارق البشرى بأنه ( يستوعب "كل ما صح من المنقول والمعقول"). وهو مؤهل قد لا يتوفر عند كثير من رجال ونساء القانون المصريين. ولو كان ذلك المؤهل شرطاً من شروط المشاركة فى وضع الدستور، فأغلب الظن انها ستحجب عن ممارسة هذا الدور الوطنى قطاعاً مقدراً من المسلمين، بالاضافة الى جميع المسيحيين الاقباط. ( تعليق د. وقيع الله على المسودة: إنت مالك ومال النصارى الأقباط .. قالوا ليك تعال ساعدنا؟.. إن هذه لشنشنة علمانية نعرفها من أخزمكم، ومن أولكم لآخركم!). ولكننى وقفت متأملاً زعم صديقى أن اختيار طارق البشرى "قوبل بالترحيب الغامر من جل أقطاب المجتمع وأطيافه". ثم تذكرت قطبى التجمع اليسارى، الدكتور رفعت السعيد والاستاذ حسين عبد الرازق، وهما يبكيان ودموعهما تنهمر عبر شاشة التلفاز، يندبان حظ القوى الوطنية المصرية غير الاسلاموية، التي فرض عليها المجلس العسكرى طارق البشري، ومساعده الآخر، البرلمانى الاخوانى السابق، ليقوما بمهمة تعديل الدستور، دون ان يكون للقوى السياسية الاخرى صوت. لا بد اذن ان رفعت السعيد وحسين عبد الرازق وغيرهما من المتحفظين على تعيين البشرى ليسا من "أقطاب المجتمع" ( تعليق د. وقيع الله: هذان ليسا في العير ولا في الحمير!).  وهكذا صاحبى وقيع الله وزمرته، كما علمتنا التجارب والتاريخ: "يتمسكنون" فى دروب المعارضة، حتى اذا جاءتهم السلطة منقادة تجرجر اذيالها تفرعنوا، وتمددوا، وانبسطوا على ظهر الارض، وهتفوا، لا يلوون على شي: لنا الصدر دون العالمين او القبر! (تعليق د. وقيع الله: وانت عندك شك في دي؟! القرآن نفسه قال : وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
ضمن المادة الغنية، جيدة الاعداد والعرض، التى بذلها صاحبي، والتى تتخذ شكل حوارات جرت بينه بين الدكتور طارق البشرى،  نقف على آراء ومواقف صريحة للدكتور البشري يبخّس فيها مبدأ فصل الدين عن الدولة، ويستهجنه، ويظهر الاحتقار لنصرائه. هاك- أعزك الله - هذا النص مما ورد على لسان طارق البشري: ( المشكلة في ظني ليست بين العروبة والإسلام ، ولكنها بين العلمانية والإسلام . وإذا كانت العروبة تنبني على الفكرة القومية التي وفدت إلينا من الغرب ، إلا أنها في انطباقها على واقعنا تنبني على مواد وعناصر محلية صرف : بالأرض وهي أرضنا ، والتاريخ وهو تاريخنا ، واللغة العربية وهي لغتنا . أما العلمانية فهي نبت وافد وغريب ، وهي متعارضة بذاتها مع الإسلام بحسبانه نظاماً شاملاً للحياة). ويقرر الدكتور طارق البشرى بغير مواربة ان العلمانية ( قامت فى تعارض مع الشريعة الاسلامية التى تدين بها الغالبية، وان الفكر العلمانى فشل فى تقديم الحلول لمشكلاتنا السياسية الحضارية). وتجد عند البشري كلام كثير متدفق عن "الفكر الأصيل" و"الفكر الوافد"، وعن الضمانات الكافية التي يقدمها الاسلام لأهل الذمة، عند تطبيق الشريعة الاسلامية. وللدكتور البشرى رؤى واضحة حول تدرج الجماعة الإسلامية، إبتداءً من مستوى الاسرة الى القرية والمدينة، وصولاً الى الجانب التنظيمى للدولة ونظام الحكم. ولا أزيد!
(7)
قرأت فى بعض ما قال البشرى ضمن أحاديثه التى دونها صديقنا وقيع الله، ما جعلنى أحس بالاشفاق الشديد والتعاطف مع الشاب اللامع وائل غنيم، نجم انتفاضة الفيسبوك، وعدد من رفقائه الثوار، ممن انتجهم النظام التعليمى الغربى، فتلقوا تعليمهم فى المدارس الاجنبية، ثم درسوا وتخرجوا فى الجامعة الامريكية بالقاهرة. مصدر الاشفاق والتعاطف ان للمفكر الاسلاموى الدكتور طارق البشرى، رئيس لجنة التعديلات الدستورية، رأياً بالغ السوء فى مؤسسات التعليم الغربية وانظمتها ومناهجها، التى افرخت بنظره (انفصاماً فكرياً وعقائدياً وحضارياً بين أبناء الوطن الواحد)!
لا بأس. وبكل الحب .. أقول للشاب اللامع وائل غنيم: معليش. تعيش وتاخد غيرها. وعموماً انت عملت اللى عليك. الباقى على ربّنا، ثم على طارق البشرى .. ومحمد وقيع الله!

****************************
كتبنا فى الاصل - قبل التصحيح - "الباقى علي ربنا وعلى طارق البشرى، ومحمد وقيع الله..". فكتب وقيع الله التعليق التالى: (أجعلتنا لله أندادا؟!! .. الصحيح أيها البطل العلمانوي أن تقول: على ربنا ثم على فلان وعلان، فقد روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: اجعلتني لله ندا؟! ما شاء الله وحده. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل أن يقرن مشيئة النبي صلى الله عليه وسلم بمشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما، وجعل ذلك من قبيل اتخاذ الند لله عز وجل واتخاذ الند لله شرك بالله تعالى.  وهذا درس في التوحيد نقدمه لك من قبيل نشر الدعوة!). نشكر للدكتور وقيع الله تصويبه إيانا، والمؤمن مرآة اخيه. كما نحمد له تفضله بتقويم ما كتبنا فى جملته، اذ افادنى - جزاه الله خيرا - بأن مقالى "لا يساوى الحبر الذى كتب به"!

نقلاً عن صحيفة "الاحداث" - 23 فبراير 2011