غربا باتجاه الشرق
نساوين لاهاى ورجاجيل الخرطوم!
مصطفى عبد العزيز البطل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
النساوين هنَّ: القاضية سيلفيا شتاينر عضو محكمة الإستئناف العليا في البرازيل، والقاضية أكوا كيوينهيا عميد كلية القانون في جامعة أكرا بجمهورية غانا،  والقاضية أنيتا يوساكا رئيسُ الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بجمهورية لاتفيا. ويشكل ثلاثتهنَّ مجتمعات السلطة القانونية في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، التي أصدرت في بداية الشهر الحالي قرار توقيف رئيس الجمهورية المشيرعمر البشير. وقد سبق للأستاذ محمد الحسن الأمين، نائب رئيس المجلس الوطني، الذي اشتهر خلال حقبة الديمقراطية الثالثة بلقب (نقطة نظام)، في تصريحات صحفية نشرتها الصحف قبل ثلاثة أسابيع، أنَّ وصفَ القاضيات الثلاث بأنهنَّ (نساوين)، وأضافَ بأنَّ مستقبلَ السودان لا يمكن أنْ تحدده ( ثلاث نساوين). وقد جرّتْ تصريحات الأستاذ محمد الحسن الأمين عليه بعض الزوابع الرعدية والرياح الساخنة، إذ تصدَّى لتصريحاته بالنقد المكثَّف بعض كبار الكتاب الصحافيين، كما تسببت تصريحاته في هبَّة احتجاجية عارمة تصدَّرتها بعض أخوات نسيبة من الناشطات في مجال حقوق المرأة، بمن فيهنَّ بعض عضوات حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
ولعلنا – لوجه الله ولوجه العدل – نثبّت هنا لمصلحة البرلماني الكبير حقيقة أوَّليَّة لا تقبل جدالاً ولا فصالاً، وهي أنَّ مفردة ( نساوين) فضلاً عن كونها لفظة سودانية عامية مُبرئة للذِمَّة اللغويَّة وصالحة للتداول اليومي، فإنَّ لها في ذات الوقت أصل ثابت في العربية الفصحى، إذ جاء في معجم لسان العرب: (والنسوان جمع المرأة من غير لفظه). ولا أرى فارقاً يُذْكَر بين ( نسوان) في الفصحى و( نساوين) في العامية.  كما لا ينتطح عنزان في أنَّ المفردة – عاميَّة وفصحى - لا تستبطن أيَّة حمولة جندرية قمعية أو شحنة معنوية سالبة من أي نوع، كما توحي ردَّاتُ الفعل المشار إليها. و( نساوين) في ظني تمثِّلُ – على الاقل من وجهة السجع - المقابلَ اللغويّ لمفردة (رجاجيل)، المستخدمةُ في بعض مناطق السودان بدلاً عن (رجال)، وفي معتقدي أنَّ الاخيرة  من العامية المطلقة، وإنْ كنت قد رأيت في الموسوعة الحرة ما يوحي بعرق لها هي أيضاً في الفصحى. تقول الموسوعة: (رجاجيل جمع رجّال، وهي الرجل في اللهجة النَّجديَّة، واللهجةُ النَّجديةُ تحمل في أبنيتها كثيراً من خصائص العربية الفصحى).
وأما تصريحُ نائبِ رئيس البرلمان وتأكيدِه على أنَّ مستقبلَ السودان لا يمكن أنْ يكون رهناً بقرار يصدر عن ثلاث نساوين، فلا غبار عليه أيضاً، إذ هو مستقيمٌ ومتسقٌ وصحيح تماماً من الوجهةِ التقريرية المحضة. وأنا لا أعرف من أهل السودان من يزعم بأنَّ مستقبلَ بلادنا يتوقفُ على قرار من نساوين لاهاي. السودان كوطن وتاريخ وأمة أجَلُّ من ذلك وأعظمُ شأنا. مستقبلُ السودان إنما يحدده نساوينه الماجدات ورجاجيله النشامى، دون غيرهم من أهل الأرض. ثم أن ذات التصريح، الذي أثار غضب الصحافيين والناشطات، كان يمكن أن يستقيم تماماً وأن يوافي عين المعنى الذي أراده القياديُّ البرلمانيُّ الموَقَّر لو أنه استبدل كلمة ( نساوين) في تصريحه بلفظة (رجاجيل)، فقال: (إنَّ مستقبل السودان لا يمكن أن يكون رهناً بقرار ثلاثة رجاجيل). هل يا ترى كان واحداً من أولئك الصحافيين سيثيرون مثل الغبار الذي أثاروه واستثاروا معه ناشطات النساوين دون مسوِّغ من منطق أو حجة؟ لا أظن. محورُ المشكلة إذن ليست المفردة التي استخدمها نائب رئيس البرلمان، محورها يتمثل فى حقيقة أنَّ القضاة الثلاثة للمحكمة الدولية نساوين فعلاً. ذلك هو الأمر الواقع، فماذا يفعل نائب رئيس البرلمان.. وما ذنبه والحال كهذا؟ يا إلهى، ما أشدَّ ظلم الإنسان السودانى الصحفيِّ لأخيه الإنسان السودانى البرلماني!
وما دمنا عند محطة لاهاي ونساوينها وقراراتها وتداعيات أحداثها على السودان، فلا بأس من وقفةٍ عابرةٍ أتناولُ فيها نُتفاً مما أهَمَّني وأغمَّني وأنا أشاهدُ بعضَ عروض القناة الفضائية السودانية.  والحق أنَّ قضية المحكمة الدولية في أصلها كانت شأناً تحاشيته وتحاميته، بل وعقدتُ العزمَ على ألا أحوم حوله أو ألج الى حظيرته، لا تنائياً بنفسي عن المحنة التي ألمَّتْ ببلدي وشعبي، ولكنْ لقلة بضاعتي وضعف محصولي وضمور المخيخ من يافوخي وكملان فهمى في أمر هذه الرزيّة المنكرة. وإخوتنا في شمالى وادى النيل إذا تصدَّر للأمور الكبار من لا يُحسن قالوا له: ( نقطنا بسُكاتك!). وكنت أود – أيها الأعزُّ الأكرم - أنْ أنقطك بسُكاتي  لولا اليمانى الأمريكي مهدي هادى الذى دق المسامير فى رويسة دارى وأوصل جهاز التلفاز في غرفة نومى بطبق فضائي أتاني بالقناة السودانية من بين طيات السحاب، فاقتحمت حياتى كما اقتحم صلاح الدين عكا، وكنت قبلها فى أمن وأمان مع يسرا ونانسى عجرم وجوليا روبرتس!
شاهدتُ ضمن ما شاهدت من مظاهر التأيِّيد والمناصرة الشعبية للرئيس البشير رجل من قادة مؤسسات الحكم الشعبي يقفُ متحدثاً الى جمعٍ غفيرٍ بكلمات قوية معبرة، ولكن الرجل في تحول مفاجئ استدار ليوجِّه خطابه الى العالم الخارجي فصاح: (نقول لكم إن الرئيس البشير برئ). ثم وبصوت متَهَدِّج ومؤثر كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً: (برئ.. برئ.. برئ). فى البدء لم اصدق ما شاهدت عيناى وسمعت أذناى، ولم اعرف هل أضحك مما أرى ام أبكى. أعاد المشهد الى ذهني شيئين: الأولُ تصاوير درامية من زمان قديم لشكري سرحان وفريد شوقي وكمال الشناوي وأكفائهم من أبطال الأفلام المصرية القديمة وهم فى قاعات المحاكم، يتشبثون  بقضبان قفص الاتهام الحديدي، ويصرخون فى حُرقة بعد أن تتناهى الى أسماعهم الأحكام الظالمة: (أنا برئ.. برئ.. برئ)، ثم تأتى فاتن حمامة، أو غيرها من الحبيبات، فتتشبث هى أيضا بالقضبان وتجهش بالبكاء مؤكدةً للحبيب المظلوم، والسجانون يقتادونه الى مصيره، انها ستنتظره حتى آخر العمر! والثانية مقال قرأته للمحلل السياسي ضياء الدين بلال قبل عدة أشهر، عند بدايات المشوار الادعائى للمستر لويس مورينو أوكامبو وإسقاطاته على المشهد السودانى. وكان ضياء قد أبدى استغرابه من بعض ممارسات شهدتها سوح العمل العام، تصدَّر لها وتولَّى كِبَرها نفرٌ من الرافضين للتدخل الدولي، ظاهرها التعاطف مع الرئيس البشير والتعبير عن مؤازرته فى مواجهة الهجمة الأوكامبية، وباطنها الغباء المستحكم والجهالة المطبقة، من حيث انها كانت في واقع الأمر تظهر الرئيس البشير فى ضوء سالب وكأنه فى حالة بئيسة مزرية ومحنة وكرْب عظيمين. وياله من تعاطف، ذلك التى يهدر هيبة رأس الدولة ويجعل منه محلا للشفقة والرثاء!
ومما تبدّى لى – الى ذلك - أنَّ بعض المناصرين للرئيس البشير، وبصفة خاصة ممن يشغلون في ظل رئاسته وظائف قيادية في أجهزة الحكم، تفارقهم أحياناً – في ثورة الحماسة الطاغية والرغبة المندفعة في إظهار التأييد – بعض الصفات النوعية الاشتراطية المقتضاة لرجال الدولة، مثل الحنكة والبصارة والحصافة السياسية والوعى بحقائق المحيط الوطنى العام. ولا أعرف ما هو أسطع وأنصع في تبيان ذلك النقصان من مثال معتمد عاصمتنا التاريخية أم درمان، الذي خاطب الحشد الهادر قبيل أيام قلائل فى حضور رئيس الجمهورية ففتح نيرانه في كل اتجاه على ( الصليبية اللعينة ) و( الصليبيين الكفرة )، وهدَّد بأننا في السودان على أتم الجاهزية لقتال الصليبيين؛ بينما كان يجلس على بعد مترين منه، في الصف الأول حيث مقاعد كبار الضيوف، الأنبا صرابامون اسقف كنيسة ام درمان، والصليب يتدلَّى من على رقبته! وكان الاسقف قد حرص على الحضور من قبيل تأكيد تلاحم طائفته واندغامها في النسيج الوطنى، بل انه – قبلها بدقائق – كان قد القى كلمة رصينة تركزت على قيم المحبة ومعانى التسامح. ثم ذلك القيادى الكبير الذى خاطب الرئيس أمام الجمع فقال: ( ان الله سبحانه وتعالى قد استجاب لتكبيراتك سيدى الرئيس فأحبك، وكلم جبريل عليه السلام ليحبك الناس، فأحبوك)!!
فى اللغة الانجليزية مثل يقول: ( مع أصدقاء كهؤلاء من يحتاج الى أعداء؟). ويخيل الىّ أن الرئيس البشير قد أضحى فى مسيس الحاجة لأن يولى أمر ( أصدقائه ) هؤلاء شيئا من إهتمامه، لا سيما بعد أن اطمأنت قلوبنا الى أنه - بمدد من الله -  كفيل بأمر أعدائه الذين تناسلوا مثل النباتات الفطرية فى أركان الدنيا الأربعة.
سيادة الرئيس، نقولها لك، تعضيدا لنهج الشورى وتأدية لما فرضه الله علينا من واجب النصيحة: لو كان نظائر محمد سعيد الصحاف هؤلاء ينفعون لنفع الصحاف صاحبه.
ويا أصدقاء البشير وحلفائه: من شهد منكم مواكب المناصرة فليدخل مع الداخلين، ومن وجد - فى زحامها - بين راحتيه مايكروفونا فليستنصحنّ عقله ثم ليستعقلنّ لسانه، فإن لم يستطع فعليه بالصمت فإنه له وجاء!
اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.
عن صحيفة ( الأحداث )
 مقالات سابقة:
http://www.sudanile.com/arabic/index.php?option=com_content&view=category&id=61:2008-12-04-08-34-48&Itemid=55&layout=default