غربا باتجاه الشرق

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

------------------------------------------

 

(1)

كنا قد أغلقنا ملف الراحل علي أبوسن وتركناه من ورائنا ظِهريَّا، ثم انصرفنا الى جديدٍ من أمرنا. وما أن فعلنا حتى برزَ لنا من بين الصفوف، من حيث لم نحتسب، فارسٌ من فرسان بيت أبي سن العتيد، أرادنا، من حيث لم نرد، أن نعود معادنا، وأن نرجع مرجعنا، فنضرب في بيداء الطيش والسفه المسمّاة "أحاديث الأدب"، وما هي من الأدب في شيء. كتَبَ السموأل أبوسن، يحُثني على استئناف سلسلة "الأدب وقلته": (لو أن الأمر بيدي لأثنيته بشدة عن قراره، ولشجعته لينشر ما حجبه). وأنا أقول لأبي الفوارس: "غالي والطلب رخيص". أمثلك يُرد له طلب؟ بل يُرد الآخرون عن بكرة أبيهم، وتكون الغَلَبةُ لأمرك يا سيّد البطانة. آمرنا فنطيع!

ثم إنني أرحّب بحوار أبي الفوارس السموأل وأحتفي به أيَّما احتفاء، وأتفهّمُ دوافعه ومنطلقاته وأُقدِّرُها حقَّ قدْرِها. وكنتُ في سويداء قلبي أتمنى لو أنه جاءني متمهلاً مترفقاً، فلم يركب الى مضاربي حصان الغرور، ولم يعتمر في ساحتي عمامة الصلف، ولم يتَّخذ الى ملاقاتي طريقاً وعْراً محفوفاً بالمكاره، هو طريقُ المعانَفة والمجانفة والمهاترة والمكابرة، ولكن الله غالبٌ على أمره.

هجمني الفارس المغوار - من خلال مقالين متتاليين - هجمةً كاد ينخلع لها فؤادي. ما تَرَك من المقذعات في نعتي ولا أبقى، فلم يبخل عليّ، أعزّه الله، من قاموس النكال بشيء. لم يقع على صفةٍ - ابتداءً من الضلال وانتهاءً بالجهل - إلا وبرّني بها. ثم، وكأن ذلك كله لا يكفيني، دَهَمني ابن الأكرمين بنبأ حزين، أطار من رأسي شعاع الوهم وأراني مُقامي بين الورى وأنزلني إياه محسوراً مدحورا، إذ قرَّر وقطع بأنني ثمرة من ثمرات "الجدب الثقافي والادقاع المعرفي الذي ضرب السودان خلال عشرين عاماً من عصر الإنقاذ البئيس". فالحمد لله الذي لا يُحمدُ على جدبٍ وإدقاعٍ سواه، ثم الحمد لله، وأشهد ألا إله إلاّ الله. (لم نشْرُف بعد بالتعرف على شاتمنا، ولكن من عرفوه أكدوا لنا أنه ثمرة من ثمرات عصر التنوير الذى انجب فولتير ومونتسكيو.. والسموأل أبوسن).

(2)

أسّس أبو الفوارس أطروحةً كاملة حول استشهاد لي بعبارة للراحل محمد المهدي المجذوب جاء فيها: (أنا أزعم بأن سبب الفوضى في السودان هو جهلُ الناس بالتاريخ، وقد زاد جهلهم به حين كتب عنه شبيكة). وذلك في مقال لي بعنوان (منصور خالد لا يرقص الكمبلا) نُشر في يوليو 2009م. وجوهر أطروحة أبي الفوارس هي أنني دلّست على القارئ فزعمت له أنني لم أطّلع على الكتاب إلا مؤخراً، بينما الحقيقة هي أنني قرأته قبل أكثر من عشرة أشهر بدليل أنني استشهدت به وقتها. ثم إنني، بحسب أبي الفوارس أيضاً، أشَدْتُ بالكتاب والكاتب. لماذا إذن صددتُ عائداً بعد عشرة أشهر لأتناول الكتاب بالنقد بعد سابق الثناء عليه وعلى مؤلفه؟ الإجابة حاضرة عند ابن الأكرمين، وهي أنني بدّلتُ موقف الثناء بموقف النقد في إطار دورٍ معين أضطلع به بإيعاز وتحريض من آخرين، حيث انني، والقول ما قال أبو الفوارس، أخوض (حرباً بالوكالة) نيابة عن هؤلاء. وقد صنفهم صاحبي تحت لافتة (المتضررين من الكتاب)، وهم (الذين أزعجهم التسرب المزعج للكتاب رويداً رويدا، واتّساعُ رقعة تبادله بين الناس، فأوحوا للبطل لينال من صاحب الذكريات ببعض سهامهم). وأخيراً أنعم علينا أبو الفوارس ببعض الإضاءات حول من عساها أن تكون تلك الجهات المتضررة التي تقف من ورائي فتحرضني، والتي بأمرها يأتمر قلمي، فأورد في هذا الصدد عبارةً جرَت على قلم عمه الراحل علي أبوسن يشير فيها الى الدكتور منصور خالد.

وقد عجبت أولاً من عبارة "المتضررين من الكتاب" التي كررها السموأل في مقاله غير مرة، فهذه هي السانحة الأولى التي يتنامى فيها الى علمي أن للكتب مستفيدون ومتضررون. وفي معتقدي أن الكتب إنما تُؤلف لأغراض إشاعة الوعي والمعرفة، لا الإضرار بالناس. ولكنَّ صاحبي محقٌ على أية حال في وصفه لكتاب عمه، فإنما كتب الراحل علي أبوسن أغلب ما كتب لا لشيء إلا للانتقام ممن أذلوه ونغّصوا عليه عيشه ونزعوا عنه أرديةَ العز التي آمن بأن الله أراد له أن يكتسيها. ولهذا صدر أبوسن في كتاب ذكرياته عن فؤادٍ مقهور ونفسٍ موتورة. لم يرعَ حرمة الموت، فلاحق الموتى ونبش قبورهم، وأنشأ يمزق أكفانهم وينزع عن أجساد المقبورين أكبادها، فيلوكها كما لاكت هند كبد حمزة. لم يكن لأي من هؤلاء الراحلين كتبٌ وآثار إبداعية تُعرض للنقد، وإنما لاحقهم هُم، في أشخاصهم وذواتهم، ورماهم بكل رزية دون أن يطرف له جفن. ثم نهضَ الى الأحياء فما ترك في حقهم ولا أبقى، فصرّح وأوحى، وجاهر وخافت. لم يوفّرهم حتى من تهمات العنّة والعجز والضعف الجنسي، لكأنه كان حاضراً في غرف النوم يرصد درجات الانتصاب.

(3)

لم أستغرب لزعم أبي الفوارس أنني أكتبُ بأقلام المتضررين من كتاب عمه لا بقلمي. وكنت قد تساءلت بعد أن فرغت من كتاب أبي سن بجزأيه: لماذا أطلق عليه اسم "المجذوب والذكريات"؟ فالأقوم والأسلم والأكثر تعبيراً عن دوافع الكتاب وواقعه أن يكون العنوان "المنصور والذكريات". إذ إن من أبرز الغايات التي تغيّاها تصفية حسابات المؤلف القديمة مع الدكتور منصور خالد، الذي ترى اسمه يتقافز كالعفريت  بين الأوراق،  وقد أنعم عليه الكتاب بلقب "نخاس التخنث المياسي الدولي". لقد طمح أبو سن في دنياه أن يكون وكيلاً لوزارة الشباب في حكومة القاضي الإنقلابي بابكر عوض الله، عهدَ أنْ كان للمناصب رحيقها وبريقها، وتاقَ الى أن يرى نجمه يسطع بعد ذلك في بلاط السلطان المايوي. وحلم بأن يكون سفيراً في كبريات العواصم، وسعى حتى حفيت قدماه لأن يكون أميناً من أمناء الأمانات المتخصصة في تنظيم الاتحاد الاشتراكي على عهد النميري السالف التالف. وقد تحطمت كل أحلام أبي سن وطموحاته عند حجر المنصور الأسود. لا غرو إذن ان صار مقت المنصور وكراهيته ديناً اعتنقه الرجل وتبتل في محاريبه آناء الليل وأطراف النهار. وسنأتيك - أيها الأعز الأكرم - الى أمر الدكتور منصور خالد والراحل علي أبوسن، وستسمع منا حين نمحّص التاريخ تمحيصا، ونميط عن وجهه زبد الأساطير وعجين الخزعبلات التي حَشَا بها أبوسن الكبير كتابه، ثم نقود خطاك بعد ذلك الى المصادر والوثائق والشهود العدول. فانظرنا واصطبر، وما صبرك إلا بالله.

والحق أنني لم أرَ كتاب الراحل أبو سن بعيني رأسي، ولم أطّلع على سطرٍ واحد منه، إلا عندما تسلمته من دائرة البريد الشهر الماضي، ولكنني كنت مطلعاً قبلها من مصدر ثانوي على عبارة المجذوب في شأن البروفيسور مكي شبيكة. وعندما خطر لي أن أوظّف تلك العبارة في مقالي المشار اليه بعثتُ بها الى أستاذنا الدكتور النور حمد - المحاضر بجامعة قطر - الذي أكد لي سلامة العبارة وصحة نسبتها، وقام عني مشكوراً  بمهمة توثيق ما أردت الاستشهاد به وفقاً للأصول العلمية لتدوين المصادر، حيث انه يحوز نسخةً من  الكتاب. والنور، إن لم تكن تعلم، من الثقات.

وواضحٌ لمن قرأ استشهادي بتلك العبارة وتعقيبي عليها آنذاك انني لم أكن قد استوعبتها على وجهها الصحيح، بدليل انني كتبت بعدها مباشرة: (وأحسب أن صاحب "الشرافة والهجرة" لم يقصد بعبارته تلك التطفيف من أعمال المؤرخ الكبير مكي شبيكة بقدر ما أراد أن يعبِّر عن أسفه لواقع جهل السودانيين بالتاريخ). وكل من قرأ الكتاب بعد ذلك يعرف أنني أخطأتُ التفسير وأحسنت الظن في غير محل الإحسان، وان الأمر في حقيقته هو غير ما ظننت. فالمجذوب إنما قصد فعلاً التطفيف من قدر البروفيسور مكي شبيكة والحط من قدر عطائه العلمي. والعبارات التالية لتلك التي استشهدت بها، والتي أوردها أبوسن، كما قرأتها حين أتاني الكتاب، تحملُ قدحاً مقذعاً ومهيناً للعالم والمؤرخ الكبير، وتمسح الأرض بمقدراته الأكاديمية المختبرة وعطائه العلمي الباذخ، وتفتئت على الرجل، وتصفه بأنه لا يصلح لشيء غير "التشاشة" و"بيع اللوبيا والبصل"!

ثم إن نقل عبارات معينة من مصادر أولية أو ثانوية وإيرادها ضمن المواد الأكاديمية أو الصحافية، بغرض الاستدلال بمضموناتها، لا تعني بأي حال من الأحوال أن من أورد النص المستشهد به يشيد بالكتاب أو يزكِّي مؤلفه. ولو نقلت – يا هداك الله - عبارة ما من كتاب "رأس المال" لكارل ماركس، أو نصاً من إنجيل برنابا، ثم استخدمته لأغراض أكاديمية أو صحافية، فإن ذلك لا يعني أنك تشيد بكارل ماركس وكتابه، أو تستحسن إنجيل برنابا وتعتنقه. صحيحٌ أنني "ثمرة من ثمرات الجدب الثقافي والإدقاع المعرفي الذي ضرب السودان خلال العشرين عاماً الأخيرة"، كما وصمني صاحبي، ولكن الجدب والإدقاع لم يصلا بي الى حد أن يسكن يافوخي مثل هذا الاعتقاد الفطير. وأنا لا أعلم من أين أتى السموأل بهذا الفهم العجيب فأخذ يبهتني، ويا له من بهتان، لمجرد أنني أوردتُ نصاً وقَعْتُ عليه في مصدر ثانوي، فيردد على الملأ، ويشيع بين الخلق أنني أشَدْتُ بعمّه وزكيت كتابه قبل عشرة أشهر، ثم نكصتُ على عقبي بعد ذلك ائتماراً بأوامر "المتضررين"! 

وقد بدا لي عندما وقفت عند تحليل السموأل لما قدّر هو أنها دوافعي ومنطلقاتي الشخصية؛ والأسانيد التي أوردها في صدد إثبات انغماسي في ما يسميه حرب الوكالة ضد الراحل علي أبوسن، ثم ما رأيت من ولوغه حتى أذنيه في بحيرة "نظريات المؤامرة" وأوهامها، بدا لي أنَّ هناك "جينات" قوية تربط أبا الفوارس بعمه أوثقَ رباط. وربما جادت دراسة  حالة "البارانويا" والانسياق وراء التوهمات والوساوس عند الراحل وابن اخيه إلى فتح جديد في علم الوراثة وهندسة الجينات. وآية ذلك أن المطلع على كتاب "المجذوب والذكريات" تكاد تصدمه شدة ميل المؤلف وركونه الى الأوهام ونظريات المؤامرة، وكثرة ترديده في هذا الصدد لروايات ما أنزل الله بها من سلطان، مثل تتبع أجهزة المخابرات العالمية له، ورصدها لحركاته وسكناته وهو لا يزال موظفاً حكومياً صغيرا. وقد كتب ابوسن فى مذكراته حول قرار نقله، وهو فى درجة سكرتير ثانى، من سفارة السودان فى باريس الى رئاسة وزارة الخارجية بالخرطوم، ان زوجة اريك رولو، صديق الرئيس الفرنسى فرانسوا ميتران ورئيس تحرير "لوموند"، أخبرته شخصياً ان قرار نقله الى الخرطوم دبرته وتقف من ورائه المخابرات الامريكية والفرنسية معاً!

(4)

 في مقاله الثاني الذي اختار له عنوان "نسبية الحكم الأخلاقي وموضوعية النقد"، عمَدَ أبو الفوارس الى تنويرنا عن مفاهيم النقد الأدبي، وتوقف فاستفاض عند مفهوم النقد الأخلاقي، وهو صنف من أصناف النقد الأدبي الذي تفضَّل فأدرج ما كتبنا تحت مظلته. ولكننا لا ندخر وقتاً فنقول أولاً بأن ما سطّرناه لم يكن نقداً أدبياً بأية حال من الأحوال وما ينبغي له، فللنقد الأدبي مناهجه وأساليبه وأدواته. ثم نقول ثانياً بأن ما كتبه الراحل علي أبوسن لا يمكن تصنيفه في خانة الأدب، ونحمد للرجل انه لم يزعم ذلك ابتداءً. يقع الكتاب ضمن تصنيف المذكرات (Memoirs)، وذلك ضربٌ من الكتابة (Genre) له حضوره وقرّاؤه ومحققوه. وهو يتناول سيرة أناس بالأسماء والصفات مما لا سبيل إلى التعامل معه كنص أدبي وفق شروط النقد الأدبي المجرد ككلٍ متكامل بعيداً عن الحقائق التاريخية أو الأفكار الأخلاقية المتعلقة سواء بسيرة المؤلف ذاته، أو من شملهم الكتاب بالذكر، وأي ذكر! بل هو سردٌ تأريخي فضائحي موثق في بعضه ومرسل في بعضه الآخر، لذا فقد أطلقنا عليه اسم (قلّة أدب)، ورأينا أن نعيد قراءته في سياق المنظومة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي أفرزته، وتلك التي اتخذها فضاءً لنشره وترويجه. (لو كنا قد نظرنا الى الكتاب كأثر إبداعي والتمسنا اليه طرق النقد الأدبي لرأيتنا، أعزك الله، وقد عجمنا كنانة بني ثقيف فتخيرنا لمقالنا هذا عنواناً من شاكلة "شقشقات النوارس في هرطقات أبي الفوارس").

ثم ينسب إلينا صاحبنا في مقاله المار ذكره أننا نزعنا الأشياء من سياقها التاريخي والاجتماعي وزرعناها في سياقات مغايرة، وحاكمنا بمعايير يومنا البئيس نصوصاً كُتبت لزمانٍ غير زماننا وسياقٍ غير سياقنا. وقد هالنا أنه يضع عمه وكتابه في سرجٍ واحد مع المفكرين التنويريين من أمثال الأستاذ محمود محمد طه، صاحب "الرسالة الثانية"، والشيخ علي عبد الرازق مؤلف "الإسلام وأصول الحكم"، وسوامق الأدباء العرب مثل نجيب محفوظ، كاتب "أولاد حارتنا". وكما جار على هؤلاء وعلى أعمالهم الإبداعية "الجدب الثقافي والإدقاع المعرفي" الذي ضرب زماننا، كذلك كان حال أبي سن الكبير وكتابه الذي يتجاوز زماننا وفهومنا. ولم ينسَ أبوالفوارس، جزاه الله خيراً، أن ينبهنا في هذا الصدد الى (التراجع الكبير الذي حدث لمجتمعاتنا بما يشبه الردة الحضارية وضمور الوعي الجمعي)، فالأكثرية الغالبة في مجتمعنا اليوم تتقاصر مداركها عن استيعاب المعاني الفذة التي اشتملت عليها مذكرات العم، أو كما قال!

ونحن نعلم أن الأستاذ محمود محمد طه جاء بطروحاتٍ فكريةٍ ودينية اهتزت لها المشارق والمغارب واستعصت على كثيرٍ من العقول. وفي وعينا أن الشيخ علي عبد الرازق استهدف عرش الملك فؤاد، وسفّه طموحه ومخططات مشايعيه لتنصيبه خليفة للمسلمين، فكتب في العام 1926م أطروحة زلزلت العالم الإسلامي من أدناه الى أقصاه حين جاهر بأن الخلافة ليست أصلاً في الإسلام. فأما "أولاد حارتنا" فإنها كرواية، وبإجماع  كثير من المهتمين بالثقافة العربية، تشكل أثراً من الآثار الأدبية العميقة المثيرة للجدل الفلسفي والديني. فأين كتاب أبي سن، الذي يفترض أنه كتاب "ذكريات" من كل ذلك؟ أين الفكرة، وأين النظرية، وأين الآثار الإبداعية التي تستغلق علينا وتندُّ عن فهوم مجتمعاتنا فلا تدركها لأنها "كتبت لزمان غير زماننا"؟!

(5)

بخلاف رسائل المجذوب اليه، التي رصّها رصاً كما هي بذباباتها، ثم تناول بعض سطورها بتعليقات مرتجلة هنا وهناك على نحو يتكلف في بعض الأحيان الصبغة الأدبية، وسنعود الى هذه الرسائل ونتناول أمرها لاحقاً، فإن أبا سن يستعرض في الكتاب حياته ومغامراته في عدد من بلدان العالم. وتدور حياة الرجل كما طرحها حول محاور معينة، منها النساء والحب والجنس، ومنها طموحاته الشخصية في التقدم المهني والتطلع للعب أدوار بارزة في الحياة العامة، وما أصاب في ذلك المضمار من نجاحات وخيبات، ومنها صراعاته مع البشر في كل موقع وطئه بقدمه فوق أرض المعمورة، وهي في مجملها صراعات حول الأدوار والمواقع والتطلعات.

ومن أقوى الملامح بروزاً في شخصية الرجل، كما تعكس المذكرات، النرجسية المفرطة وحب الذات والاعتزاز بالنسب الرفيع، وهو أمرٌ يقترن عنده بتحقير الآخرين والزراية بهم بقرينة أصولهم الوضيعة المفترضة. تقرأ في المذكرات أصنافاً من عبارات الإطراء التي يشعر كثير من الناس بالحياء عندما يرددها الآخرون أمام مسامعهم، ولكنّ أبا سن لا يعرف الحياء الى نفسه باباً، فهو يحب الإطراء حباً لا مزيد عليه. والإطراء الذي يحتفي به أبوسن ينقسم الى أنواع منها إطراء الرجال على حسبه ونسبه وعلو كعبه، ومنها إطراءُ النساء على جبروته الذكوري وقدراته الاستثنائية على الفتنة (من بين من وقعنَ تحت فتنته الأميرة مارغريت شقيقة ملكة بريطانيا، ولا فخر)، ومنها الإطراء على قدراته النوعية الثقافية والعلمية، وغير ذلك كثير.

(6)

ذكرنا من قبل أن المؤلف نسب الى الراحل الطيب صالح قوله أن مصطفى سعيد الذي ورد في رواية "موسم الهجرة الى الشمال" هو نفسه علي أبوسن، وأن الطيب أسرّ له بذلك ثم صرَّح به لآخرين. وأنا أعرف بطبيعة الحال انك - أعزك الله - لم تقرأ مثل هذا الزعم عند أيٍ ممن تناولوا أدب الطيب صالح، بالرغم من الجدل المحتدم حول تلك الشخصية الأسطورية. والسبب في ذلك هينٌ ويسير، وهو أن أحداً من هؤلاء النقاد لم يصدق هذا الزعم أو يحمله على محمل الجد، وانهم أدركوا بغير كثير عناء أنه محض ادّعاء يندرجُ تحت بند النفخ والنفش (لأبي سن ادّعاءٌ آخر عن الطيب صالح، وهو أن الأخير كان يردد المقولة التالية: "نحن في السودان نصدر ثلاثة أشياء: القطن والصمغ العربي، وعلي أبوسن")!

يحدثنا أبوسن في مذكراته عن حياته النسائية وعمق فتنته وتأثيره على الفتيات الأوربيات إبان حياته في لندن وباريس، فيصف نفسه بأنه "صاحب الحبال والحيل" وأن النساء كنّ يتعثرنَ بين حِيَله وحباله. ويقول إن الإعلامية اللبنانية الشهيرة ليلى طنوس كانت تُطلقُ عليه لقب (أبوعيون جريئة). كما أن نساء الإنجليز المأخوذات بسحره كنّ يتساءلن تساؤلات خلّدها هو في إحدى قصائده (كم يماشي هذا الشقي.. مستر أبوسن؟/ عشرين؟ لا.. أظن صاحباته خمسين)! ويعرفنا دونجوان زمانه عن بعض علاقاته النسائية المميزة، ومن بينها (تلك العلاقة التي حطَّمت أساطير كثيرة، ثم خلقت أساطير أكثر في جامعة لندن). ونعرف من المذكرات أن واحدة من صديقاته الكثر في لندن قالت له محتجة: (أنت تثير غيرة الرجال بمجرد وجودك وذلك يحرمني من الاقتراب منك)، وسألته أخرى: (أنا أريد أن أعرف ما هو السر الذي يجعل جميع الفتيات يتحدثن عنك)؟ ولقد ذكرنا لك عَرَضاً أن الأميرة مارغريت شخصيا، شقيقة ملكة بريطانيا، افتتنت بأبي سن وهي في عز مجدها وجمالها (يوم أن كانت مدار العيون ومستراح النظر، وحديث المجتمعات والصحافة في أوربا). وعندما التقى صاحبنا الأميرة ظلَّ ينظر اليها (بكل النيران التي أججتها الصحراء في ميراثي)، وانها تجاوبت وابتسمت وفهمت نظراته فرددتُ عليها (بجرأة واضحة ومباشرة). وأخبرنا أن زوجته لاحظت افتتان الأميرة به، وأن ذلك تسبب له في بعض المتاعب.

وقد أفاض أبوسن وهو يحدثنا عن صديقته جيني هاريسون التي عاشَ معها أجمل أيام حياته في منطقة البحيرات بالنمسا. وقد استقل أبوسن وجيني في رحلتهما سيارة (داخلها بار كامل وجردل ملئ بمكعبات الثلج، بداخله زجاجتان نضّاحتان تمدان رأسيهما فوق الثلج كأنهما طائرا بطريق). وعلى ذكر الصهباء، فقد أكد لنا أبوسن انه كان يحتسي فقط الخمور المعتقة الراقية التي يحتسيها الملوك والأمراء وأغنى أغنياء المعمورة، وأنه زار منطقة "تل الحمار" في ألمانيا التي تنتجُ أعظم نبيذ في العالم، واقتنى مع إحدى صديقاته تسع زجاجات من النبيذ الفاخر. غير أنّ عشيقات أبي سن المفتونات لم يكنّ كلّهنّ أوربيات، بل كان في جمعهن بعض السودانيات من بنات الأُسر التي دأبت على إرسال بناتها الى إنجلترا. وقد جاء في وصف واحدة من عشيقاته السودانيات، وهي "تنتمي الى أسرة طيبة موسرة": (تنظر اليها فتشعر بملمس نعومة بشرتها في عينيك، تتحدث اليها فتشعر بنعومة روحها في أحشائك، تنظر اليك فتشعر بنعومة حالك في أوصالك، تتحدث اليك فتتذوق حديثها بلسانك. إذا كانت الأنوثة الكاملة ممكنة فقد تجسدت فيها، وسالت منها كأنهار النار من البراكين). وأكد لنا بأن هذه السيدة السودانية (كانت تعرف معنى المشاعر الجارفة منبعاً وتدفقاً ومصبّات). ثم أفادنا، افاده الله، بأنه قضى وطره من هذه المرأة، حيث كتب: (وكنت أنهلُ منها وأروى ظمأ عزوبتى)!

(7)

ولأن الأسرّة، بتشديد الراء، ومفردها سرير، تأخذ مكاناً جوهرياً في حياة المؤلف، فقد اهتم عند انتقاله للقاهرة بغرفة النوم وسريرها. وكان له سرير نحاسي ضخم أمتعنا بالحديث عنه، بفخرٍ شديد، على مدى أربع صفحات كاملة، اشتملت على نحوٍ من ألف وثمانمائة كلمة من كلمات مذكراته. وصفوة القول عن هذا السرير أنه لم يكن سريراً عاديا، فابن أبي سن لا ينامُ مثل عامة الناس فوق أي سرير. يقول المؤلف إنه اشترى من دكانٍ في وكالة البلح بامبابة سريراً نحاسياً، أخبره البائع المصري انه نفس السرير الذي ضاجعَ عليه الخديوي إسماعيل الإمبراطورة يوجيني إمبراطورة فرنسا وزوجة نابليون الثالث عند زيارتها لمصر لحضور احتفالات افتتاح قناة السويس في العام 1869م. وقد اقتنع صاحبنا اقتناعاً كاملاً بما ذكره له البائع المصري واشترى السرير على هذا الأساس. وكتب انه عندما دفع الثمن واستلم بضاعته أخذه صاحب المحل جانباً وذكّره بأنه أصبح المالك لهذا السرير الذي ضاجع فيه الخديوي إمبراطورة فرنسا، وأن عليه أن يحفظ لهذا السرير هيبته وكرامته وأن يتخير النساء اللائي سيضاجعهنّ فوقه. وقد هززتُ رأسى وضربت كفاً بكف عندما أكملتُ قراءة ذلك الجانب من المذكرات، وقلت لنفسي: لقد سمعت بالصعيدي المصري الذي باعوه الترام في ميدان العتبة، ولكني لم أكن قد علمت حتى قراءة ذلك الجزء من المذكرات عن الدبلوماسي السوداني الذي باعَه بنو بمبة فى وكالة البلح سرير الإمبراطورة يوجيني زوجة نابليون!

غير ان الذي أدهشنى حقاً في محور النساء والحب والجنس من مذكرات أبي سن هو انه مع كل فتوحاته النسائية في الشرق والغرب انتاش بكلمات جارحة وحادة وزيراً سودانياً لأنه مارس الجنس مع امرأة إنجليزية أثناء زيارة له للندن، واتهمه بالإساءة لسمعة السودان. وقد أورد أبوسن اسم ذلك الوزير الثلاثي كاملاً، وذكر انه وبعض مساعديه أقاموا في دار السفير، وان الوزير استجلب الى دار السفير نساءً وضاجعهن. وقد استعصى عليّ أن أفهم سبب غضبة أبي سن على الوزير وتقريعه إياه، طالما انه هو نفسه كان يعيش حياته بالطول والعرض، دون ضابط ولا رابط. ثم إنني تذكرت أنه كان قد عاير وزيراً آخر في مكان مختلف من المذكرات بكونه - حسب ادّعاء أبي سن - عاجزٌ جنسياً. وقد أشفقت على وزراء السودان إشفاقاً شديداً بعد ذلك.  ولا بدّ أنّ هؤلاء الوزراء قد حاروا وحار دليلهم مع أبي سن وتقلباته. فإذا استحصن الوزير وتمنّع عن النساء اتهمه بالعجز، وإذا انتفض وأتى بالنساء وبسطهن على الأسرّة واعتلاهن، اتهمه بالإساءة لسمعة السودان، فما يدري الوزير من هؤلاء الى مرضاة أبي سن سبيلاً!

(8)

وفي مسألة الاعتزاز بالأنساب الشريفة يلتقي أبوسن وصديقه المجذوب، ولا عجب إذن انهما يخاطبان بعضيهما بألقاب مثل "ابن سادات البشر".  يقول ابوسن إن البريطانيين الذين يعرفون السودان، كانوا إبان حياته بين ظهرانيهم، لا ينادونه إلا بلقب "السير علي أبوسن"، باعتبار أنهم كانوا يعرفون انه من أسرة أبوسن ذات الحسب الرفيع. وهناك روايات للرجل حول معرفة الناس حول العالم لأسرته ونسبها وحقها في حكم السودان. من ذلك انه عندما ذهب لزيارة قبر جده أحمد باشا أبوسن المدفون في المقابر الملكية بالقاهرة التقى شخصية مصرية انفعلت به انفعالاً شديداً عندما علمت بنسبه وان تلك الشخصية قالت له: (أين أنتم؟ أين أنتم؟ أين أنتم؟ من هو إسماعيل الأزهري الذي أصبح حاكماً؟ ومن هو الميرغني؟ ومن هو المهدي؟ البلد دي حقتكم انتو. مالكم؟ ماذا دهاكم؟) والشخصية المصرية هنا تبدى استغرابها كيف أن حكم السودان آل الى آخرين، بينما المؤلف وأسرته هم الأحق بالحكم. وأبو سن يحتفي بتلك المقولة ويضمنها مذكراته ويشيد بالرجل. وكاتب المذكرات شديد الإيمان بنسبه القرشي، وليس من عادته أن يترك فرصة لإثبات قرشيته تمر دون أن يهتبلها، ولا ضير في ذلك بطبيعة الحال. وقد توسل الى اثبات نسبه القرشى بحديثٍ للزعيم إسماعيل الأزهري، فقال انه حدث الزعيم ذات يوم بأن والده كان يرسم على الرمال بـ"الحدّاثة"، فردّ عليه الأزهري: (هل تدرى أن "حداثة" السنّاب من صولجان قريش؟ اسمها المحجن، وهي عصا منحنية الرأس كالصولجان كان يستخدمها زعماء قريش). وبهذا الكشف المدوى فإن النسب القرشى الشريف يتحقق أيضاً وبصورة تلقائية لكل منسوبي قبائل البجا في السودان، والبشاريين في مصر، والبني عامر في إرتريا،  بقرينة أن عادة الرسم بالعصا على الرمال أثناء الحديث في الملتقيات الخاصة والعامة هى من الصفات الراكزة والشائعة عند هذه القبائل.  [ نواصل].

 

نقلاً عن صحيفة "الأحداث" 16/06/2010