غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

كنت قد زوّدت "الاحداث" بمقال من ثلاث حلقات بعنوان (أحاديث فى الادب وقلِّة الادب)، ثم تهيأت للانصراف الى عطلتى السنوية التى اقضيها هذا العام، بعيدا عن لوحة مفاتيح الحاسوب وشاشته، متنقلاً بين سان فرانسيسكو، عاصمة الجماعة إياهم الذين دعا عليهم الشيخ عبد العزيز بن باز المولى عزّ وجل أن يخسف بهم أرض الساحل الغربى للولايات المتحدة، وبين تورنتو القرية الدولية متعددة الاصول والاعراق وزهرة مدائن كندا. ولكن خابت خطتى وطاش سهم التدبير الذى دبرته لزاويتى الاسبوعية اذ وجدت نفسى على حين غرة بغير مادة لزاوية هذا الاسبوع والاسبوع الذي يليه. الأمر وما فيه - أعزك الله - أننى تفكرت وتأملت، ثم عزمت وتوكلت، ثم قررت الامتناع عن نشر الحلقتين الثانية والثالثة من سلسلة "الأدب وقلّته". وأنا افعل ذلك على غير رغبةٍ منى، ولكننى انما استجيب بنفسٍ راضية وروحٍ طيبة لرجاء ثلةٍ كريمة من أصدقائى، لهم عندى معزةٌ خاصة، أثمّن نصحهم، وأقدر مشاعرهم واحملها فى سويداء القلب، ولا أرد لهم رجاءً.

ولست- على أية حال - اول من أعدّ سلسلة مقالات فى التعقيب على كتاب الراحل على ابوسن (المجذوب والذكريات: أحاديث الأدب والسياسة)، ونشر الحلقة الاولى منها، ثم عاد فبدل موقفه وامتنع عن نشر الاجزاء الاخرى. سبقنى الى ذلك من هم أفضل منى، منهم عالمٌ جليل وأديبٌ فطحل ذى قلمٍ رصين، هو شيخنا الدكتور عبدالله حمدنا الله، الذى استفزته مادة الكتاب فكتب قطعة نقدية محكمة الجودة بالغة الثراء ثم شرع فى النشر.  ولكنه عرّج على دار جريدة "الصحافة" بعد ذلك فانتزع منها بقية الحلقات. وفى مراسلات خاصة بينى وبين شيخنا حمدنا الله استفسرته عن سبب توقفه عن مواصلة نشر مادته، فكانت اجابته:( عندما كتبت تلك الحلقات كنت موقناً بأن لعلى ابوسن قلماً يستطيع ان يرد الصاع صاعين، وكنت متهيئاً لذلك. ولكننى ما كنت اعلم انه كان وقتها طريح المستشفى يعانى آلام المرض. ومن عادتى الا اقارع الضعفاء والذين لا يستطيعون ان يدافعوا عن انفسهم). وقد قدرت للعالم الجليل موقفه ذاك حق قدره، غير انه كان من رأيى ان يستأنف شيخنا نشر الحلقات بعد وفاة ابى سن، على أساس ان الكتاب منشور ومطروح فى الاسواق بقاهرة المعز وعدد من المدن العربية، وان غياب المؤلفين عن مسرح الحياة لا ينبغى أن يقف حائلا دون عرض آثارهم مما ما اودعوه فى كتبهم امام موازين النقد. ولو كانت وفاة المؤلفين سبباً للامتناع عن تقويم الآثار المنشورة ونقدها لفسدت سماءُ العلم وافتقرت أرض الثقافة. 

(2)

ويبدو ان الله كتب فى لوحه المحفوظ على ناقدى كل مؤلفات ابى سن، لا ذلك الكتاب وحده، ان يشرعوا فى النقد ثم يرتدوا على أعقابهم بعد ان يخطوا فى ذلك السبيل خطوتهم الاولى. فقد سبق ان قام ابو سن بنشر كتاب آخر، أطلق عليه عنوان "مراسلات الترابى"، ضمّنه مكاتيب دارت فى الزمن القديم بينه وبين الدكتور حسن الترابى. والاحتفاظ برسائل الاصدقاء الشخصية ثم نشرها فى القراطيس واذاعتها على الناس سنةُ ماضية فى حياة ابى سن أبطلها الموت. ثم الحق أبوسن كتابه بمقال شهير اشتمل على "رسالة مفتوحة للترابى". وعند نشر الكتاب والرسالة المفتوحة قام االكاتب الاسلاموى المعروف الدكتور محمد وقيع الله، باعداد سلسلة حلقات يرد فيها على أبى سن رداً صارماً عنيفاً. وفور نشر الحلقة الاولى من تلك السلسلة، فى صيف العام 1988 بصحيفة "الراية" الناطقة آنذاك بلسان حزب الجبهة القومية الاسلامية، تلقى وقيع الله توجيهاً من الدكتور حسن الترابى شخصياً، عبر قناة من قنوات التنظيم الاسلاموى، يلزمه بالتوقف عن النشر. فانصاع الرجل لأمر شيخه وقائده، وامتنع عن تزويد الصحيفة بالحلقتين المتبقيتين. وكان الترابى الذى شغل وقتها منصب النائب العام قد مارس نفوذه مباشرةً وقام بحظر الكتاب عن التداول داخل السودان، كما تولت جهاتٌ - لا يصعب استكناه هويتها - مهمة الطواف على الاسواق وشراء واعدام العدد المحدود من النسخ التي كانت قد وجدت طريقها بالفعل الى مراكز التوزيع.

وكتاب "مراسلات الترابى" لعلى ابي سن قصيدة أولها ايمان وآخرها كفر. جاء فى مقدمته:( صاحب هذه الرسائل شق طريقه الى القيادة بتفوقه الفكرى وبمقدرته الفائقة على توقيت المبادرات. وبهذا التفوق الفكرى والتكتيكى استطاع ان يبنى تنظيماً محكماً وضع به قدماً راسخة داخل الحياة السياسية السودانية). ولكن نشر ابى سن للرسائل الخاصة التى بعث بها اليه الترابى فى فترات باكرة من حياته (سنلقى فى مقالنا القادم ان شاء الله ببعض الاضاءات حول الظروف والمسوغات التى قامت فى كنفها تلك الصداقة التى ربطت بين الرجلين فى خمسينيات وستينات القرن المنصرم)، نقول ان مبادرة ابى سن بنشر تلك الرسائل الحقت بالشيخ الترابى أفدح الاضرار اذ القت بظلال سالبة على مصداقيته الشخصية وكفاءته الخلقية واستقامته الفكرية. وبعض هذه الرسائل تكشف عن شخصية ميكافيللية، لا سيما تلك التى يشرح فيها ويبين مُرامه من كونه اختار جماعة الاخوان المسلمين، مع ضآلة شأنها مجالاً لحركته التنظيمية وفضاءً لطموحه السياسى عقب عودته من فرنسا فى النصف الاول من الستينات، خلافاً لغيره من شباب المثقفين من أنداده الذين اختاروا الانضمام الى الاحزاب الوطنية الكبرى. وقد اصاب الترابى عين الثور، كما يقول الفرنجة، وهو يسطر بعض تحليلاته واستنتاجاته ورؤاه لما عسى ان تنداح عنه عجلة الزمان ، اذ صدقته الايام وكان محقاً تماماً فى غالب ما ذهب اليه، لكأنه كان - وهو يكتب تلك الرسائل- يحدق بعينيه داخل كرة المستقبل البلورية. بيد ان مصدر الازعاج الوحيد هنا هو ان ما جاد به الترابى فى بعض رسائله لصديق شبابه، على حدة ذكائه وبراعته، يعكس فى جوهره حالةً ذهنية متمركزة حول الذات، تطغى عليها روح الأنا، وتدور فى مدار التطلع الشخصى والطموح الذاتى الانتهازى المحض، فتنحسر عنه  "الفكرة" ويغيب عنه "المبدأ". لا غرو اذن ان الشيخ أجفل واضطرب اذ علم بوجود الرسائل وبأنها وجدت طريقها الى دفتى ذلك الكتاب الذى مارس فيه صديق الشباب ابو سن شغبه الأثيم وهوايته المرذولة فى هتك الستور وحرق الجسور.

وكنت اود ان انقل اليك - ايها العزيز الأكرم - بعض نماذج مما ورد فى فقرات الكتاب، خاصة وقد أصبحت النسخ المتداولة منه فى يومنا هذا أندر من لبن الطير، غير اننى لم اعثر علي  نسختى ضمن الكتب الموجودة بدارى فى منيابوليس. ولكننى ارجو ان يهدى الله صديقنا الدكتور محمد وقيع الله فيرعى حقوق الزمالة، وقد عملنا معاً - محمد وأنا - محاضرين بكلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بجامعة ام درمان الاسلامية،  فيعيرنى نسخته من الكتاب، أو يهدينى اياها قولاً واحدا. لا سيما وانه نقض عهد شيخه السابق وقلب عليه ظهر المجن، بعد ان شبّ عن الطوق واحتاز هو نفسه من الالقاب ما يضارع به الشيخ ويبزه. وقد أجرت صحيفة "الميثاق" اليمنية مؤخراً حواراً نقلته عنها صحيفة "الرائد"، الناطقة بلسان الحزب الحاكم مع الدكتور وقيع الله أسبغت عليه فيه صفة "المفكر العربى"، فجاء العنوان الرئيس (حوار مع المفكر العربى محمد وقيع الله). وقد سارعت من فورى بتهنئة زميلى السابق باللقب الجديد، وابلغته بأننى على أكمل استعداد لمبايعته مفكراً عربياً لو انه وافقنى على تخصيص صفة "المفكر الافريقى" وقصرها على صديقى الأثير، وصديقه اللدود، الدكتور عبد الوهاب الافندى.

(3)

وهذا النوع من السلوك السلطوى والممارسة الوصائية على المجتمع، أعنى جمع الكتب من الاسواق واعدامها بغية محاصرة المعلومات المكنونة فى بطونها والتحكم فى حركة تدفقها - كما جرت الوقائع فى حالة كتاب "رسائل الترابى" لابى سن - ليست من الممارسات المستجدة على الواقع السودانى. ففى زمنٍ مضى تضافرت رؤوس بعض الاسر السودانية فقامت بتمويل حملة جمعت من الاسواق ومراكز التوزيع كتاب "الفلاتة الفولانيون فى السودان" الصادر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة فى العام 1996، ومؤلفه الدكتور محمد أحمد بدين، حتى لم تبق منه نسخة واحدة فى مكتبات الخرطوم. والكتاب فى أصله عبارة عن بحث أكاديمى كان الدكتور بدين قد أعده باللغة الانجليزية لنيل درجة علمية معينة من مؤسسة اكاديمية، وقد تمت ترجمته لاحقاً الى العربية. ذكر المؤلف ان دافعه لنشر الكتاب بالعربية هو رفع الضيم عن قبيلة الفلاتة السودانية، التى يعتقد انها ضحية لسوء فهم واسع اذ يجهل  الكثيرون جذورها ودورها فى تاريخ السودان وواقعها الحاضر وامتداداتها داخل التشكيل الاجتماعى الماثل. ولم يتسنّ لى شخصيا ان احصل على نسخة من ذلك الكتاب الذى وصفه لى بعض من اطلعوا عليه بأنه ذو قيمة ثقافية وعلمية عالية. وقد تناهى الىّ مما ذكر هؤلاء ان المؤلف أشار فى مبحثه ذاك الى ان هناك عدداً كبيراً من الاسر ذات الصيت فى المجتمعات المدينية السودانية تمتد اصولها وتنتسب عرقيا لقبيلة الفلاتة، وسمّى بعضها بأسمائها. غير أن تلك الأسر التى سبق لها ان زعمت لنفسها أنساباً اخرى تمتد الى الجزيرة العربية وأشرافها واستركنت الى تلك المزاعم واستأنست بها، لم ترض عن الكتاب، اذ لم يوافق هواها ما اورده المؤلف، وهو من زمرة العلماء وأهل الذكر فى هذا المضمار، من استخلاصات ونتائج وادلة. ولا عجب، فأنساب الجزيرة العربية تشكل الهوى الغالب عند قطاعات واسعة من أهل السودان.

(4)

لم يكن مقصدنا قط ونحن نكتب الثلاثية التى حجبناها عن النشر، ان نسىء الى بعض رموزنا السياسية والثقافية والاجتماعية، وان نبشّع بها، كما تراءى للبعض. وانما اردنا أن نُفصح عن عقيدتنا، وأن نسندها بالبراهين الناطقة والحجج الناهضة على أن ابا سن أخفق اخفاقا مزرياً فى عرضه للثروة المهولة التى وجدها بين يديه، من رسائل المجذوب اليه والى السيدة الانجليزية روزميرى، وان معالجته لامر هذه الرسائل اتسم بالفجاجة والركاكة وضعف الحساسية، ولا نقول الخبث. بل ان تدبيره الذى خرج علينا به فى شأن هذه الرسائل يقرب - فى زعمنا - الى ان يكون فتحاً فى "أدب الخيانة" منه الى "أدب الرسائل". ثم اردنا بعد ذلك ان نمضى قدماً فنبين ملاحظاتنا ومآخذنا على شخصية ابى سن نفسه، ونتناول بالتقويم عطاءه السياسى والثقافى، ونمحص فى ذلك تمحيصاً نميز فيه بين الحقائق الراسخة، والتخاليط والاوهام.

كان فى عزمنا أن نتطرق الى "أدب الرسائل"، هو بابٌ قائم بذاته فى الآداب العالمية، وتنقسم فى التراث العربى الى أصناف ثلاثة: الرسائل الديوانية والرسائل الاخوانية والرسائل الادبية. ويشكل هذا المورد من الادب رافداً غنياً يكشف عن زوايا باهرة من مناطق التراث الانسانى العالمى بوجه الاجمال، وربما ساهم فى كشف بعض جوانب تلك الزوايا فى التراث العربى والتراث السودانى بوجه التخصيص. وقد حفظ الادب العالمى بمداد من ذهب الرسائل المتبادلة بين شوبان والاديبة أمانتين دوبان المعروفة في الأوساط الأدبية والثقافية  باسمها المستعار (جورج ساند)، وتلك المتبادلة بين الشاعر ريلكا ومعشوقته سالومى. كما خلد التراث العربى جانباً من ذلك الادب، لعل من اشهره فى تاريخنا المعاصر رسائل عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعى الى مي زيادة، ورسائل الشاعرة فدوى طوقان والناقد انور المعدّاوى، ورسائل مروان كنفانى وغادة السمان، وكثيرٌ غيرها. وهو بلا بغير شك من الأدوات الجادة التى يمكن ان تكون خير معين للاجيال الطالعة على الالمام بجوانب محورية من حياة العمالقة من اهل الابداع.

(5)

من كُتاب السودان الذين اهتموا بأدب الرسائل مؤخرا الشاعر والروائى السفير جمال محمد ابراهيم، اذ كتب فى هذا المضمار مقالاً مستفيضاً متميزاً نشرته "الاحداث" فى سبتمبر من العام الماضى، استهله بهذه العبارة المتسائلة: (لماذا يرتبط أدب الرسائل عندنا فى العالم العربى بالفضائحية، او ينظر اليه وكأنه نوع من أدب الاعترافات الشخصية؟) وقد عالج جمال فى مقاله ذاك أمر رسائل الراحل محمد المهدى المجذوب الى القاصة والكاتبة العراقية ديزى الأمير، ورسائل آخرين غيره من المبدعين العرب الى نساءٍ مبدعات اخريات، معالجةً اتسمت بالحيوية والخصب والثراء. ولعل "الاحداث" تصنع معروفاً للمهتمين بهذا الشأن من شئون الثقافة فتعيد نشر ذلك المقال.

ونحن نعلم مما ذكرته السيدة ديزى الامير نفسها ان هناك باقات من الادب الرفيع ضاعت هباءً منثورا، تمثلها الرسائل التى كان الراحل الاستاذ محمد المهدى المجذوب يبعث بها اليها بصورة راتبة، بعد ان تعرف اليها فى احدى المؤتمرات الثقافية التى شارك فيها ممثلاً السودان. وهى رسائل كثيرة العدد - بحسب الاديبة العراقية - التى فصلت فى أمر تلك الرسائل تفصيلا، وذلك فى مقال لها نشرته صحيفة "الناقد" اللبنانية فى ديسمبر 1994 (الشكر أجزله للاستاذ يوسف ادريس، بجامعة الدول العربية الذى مدنى بنسخة مصورة من المقال). وكانت صديقة المجذوب العراقية قد جنحت، باسلوبٍ راقٍ شفيف يتسم بالتثبّت المنهجى، الى محاولة تحليل شخصية المجذوب من وحى ما قرأت فى رسائله المستفيضة اليها. ثم كشفت فى مقالها ذاك للمرة الاولى ان الناقد المصرى الشهير الراحل رجاء النقاش كان قد الحّ عليها فى الحصول على تلك الرسائل الحاحاً جاوز المدى، فوافقت السيدة ديزى بعد طول تمنّع وبادرت فمدته بها فى مظاريف ثمينة سميكة. وقد نظر فيها النقاش ثم شرع فى اعدادها للنشر. ولكن المنية عاجلته فغاب عن الحياة، فاختفت الرسائل ولم يعرف احد بعد ذلك اليها سبيلا.

[ نغيب الاربعاء القادمة فى عطلتنا الصيفية، ونواصل الجزء الثانى من هذا المقال الاربعاء التالية ان شاء الله].