غربا باتجاه الشرق

أحاديث الأدب وقلة الأدب (1)

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

------------------------------------------

 

(1)

التقيت الأديب والسياسي والسفير والإعلامي الراحل الدكتور علي أبوسن مرة واحدة في حياتي (أفضِّل استخدام لقب الدكتور في الإشارة إليه برغم عدم ثبوت حصوله على درجة الدكتوراه. وفي كتابه موضوع المقال يرد عنوان رسالة الدكتوراه التي شرع في إعدادها بجامعة لندن وهو "العلاقات السودانية الاثيوبية في عهد الدولة المهدية"، بيد أنه ليس هناك ما يؤيد أنه أنجزها فعلاً). كان لقاءً عابراً غير ذي أثر أوجبته المصادفة المحضة. وقتها لم يكن الرجل في ذهني شيئاً مذكورا. لم أكن حتى قد سمعت باسمه، وإن كان وجوده في المكان الذي رأيته فيه دلّني على انه ربما كان من ذوي الهيئات. غير أنني تنبهت الى عبارة تناهت الى مسمعي عرضاً، صدرت عن وكيل وزارة الخارجية آنذاك، ميرغني سليمان خليل، إذ قال لبعض مجالسيه من الدبلوماسيين السودانيين: (إذا كان دكتور علي أبوسن قد أشاد بخطاب رئيس الوزراء أمام المؤتمر فلا بد انه كان خطاباً استثنائيا). واستنتجت من التعليق، ومن لغة الوجوه والأجساد، أن علي أبوسن هذا من الذين لا يعجبهم العجب، ولا الصيام في رجب. كل ما عَلَق بذهني عن الرجل بعد أن وقعت عيناي عليه انه كان بهيّ الطلعة، على درجة عالية من الوسامة.  كان "منظرانياً جميل المنظر". (العبارة الأخيرة استخدمها الراحل البروفيسور عبد الله الطيب في كلمةٍ له يرثي فيها الراحل الآخر محمد عبد الحي).

(2)

الزمان: يونيو من العام  1986م، والمكان أديس أبابا. كنت ضمن آخرين جلوساً ووقوفاً في إحدى أبهاء القاعة الكبرى التي انعقد فيها مؤتمر القمة الإفريقي ذلك العام. لم يكن لي علم بالصفة التي أتت بعلي أبي سن الى هناك، ولا بالدور الذي نهض اليه، وأكبر الظن أنه دورٌ ذو واشجة بإحدى المنظمات الإقليمية أو الدولية التي كان الكثير من قادتها وكادراتها يصولون - مثل الطواويس - في حللهم الفاخرة بين القاعات والأبهاء والغرف المغلقة. غير أن الزمان  دار دورته بعد ذلك فعرفت من هو الدكتور علي أبوسن. قرأت له وقرأت عنه. أعجبت به وتعجبت منه. ثمّنت بعض بضاعته فاشتريتها، وبخّست بعضها الآخر فرددتها. ولا ضرر ولا ضرار. تلك هي الحياة وذلك هو قانونها (‏ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) 'البقرة 251'.

ينتمي الرجل أصلاً وأرومة الى أسرة أبي سن ذات الصيت والصدى. وبيت السنّاب، كما قد علم الناس، هو البيت القائد في قبيلة الشكرية العتيدة التي تضمها أكناف البطانة بين النيل الأزرق ونهر العطبرة . تخرَّج في كلية دار العلوم بمصر في العام 1958م ثم التحق مباشرة بهيئة الإذاعة البريطانية حيث عمل ردحاً من الزمان، تزامل خلاله مع بعضٍ من بني جلدته، ومن هؤلاء الراحلين الطيب صالح، وصلاح أحمد محمد صالح، وأحمد قبانى. وذلك قبل أن تستقطبه في سلكها الدبلوماسي وزارة الخارجية السودانية حيث كان عطاؤه ومعاشه سنين عددا، ألحقها بسنواتٍ أخريات عمل خلالها خبيراً بجامعة الدول العربية. ولما شارف على الربع الأخير من حياته، هبط بشمال الوادي، حيث معشوقته مصر، ونشط هناك في دوائر العمل السياسي الحزبي المناوئ لنظام الإنقاذ، فكانت داره بشارع فوزي رماح بمدينة المهندسين بالقاهرة خليةً نشطة من خلايا حركة المقاومة السياسية. ثم ألقى عصا التسيار بثغر مصر الشمالي الذي اختاره مستقراً ومقاماً ثاب اليه في خواتيم عهده بالدنيا التي فارقها متوسداً ثرى مقبرة المنيرة بالإسكندرية في منتصف أغسطس من العام 2004م. وقد كانت لصاحبنا في دنياه الفانية طموحاتٌ كبار، سياسية وأدبية ومهنية، أدرك بعضها فأصابه، واستعصى عليه بعضها الآخر فأخطأه. وذلك أيضاً منصوص عليه في قانون الدنيا ولوائحها.

(3)

هل سمعت، أعزك الله، بالحوار الذي دار، ذات يوم من أيام الديمقراطية الثالثة، بين الراحل الكاتب الصحافي الإسلاموي محمد طه محمد أحمد والسيد الصادق المهدي؟ كان محمد طه يملأ الدنيا بكتاباته السياسية التي تشبه القنابل العنقودية، وتتساقط بغير احتراس أو تمييز فوق رؤوس كثير من السياسيين والناشطين في العمل العام، ولكنه كان في ذات الوقت يُعنى ببعض جوانب الأدب والثقافة فيكتب عن أدب نجيب محفوظ وروايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي وما أشبه. ويبدو أن السيد الصادق المهدي كان مطلعاً على بعض هذه الكتابات. وقد تصادف أن التقى المرحوم محمد طه بالسيد الصادق على حفافي مناسبة اجتماعية، فقال له السيد الصادق: (يا محمد كتاباتك في مجال الأدب كويسة جدا، حقو تركز على الأدب وتخلي الحاجات التانية). لم يخف على محمد طه بطبيعة الحال المعنى والمضمون الماكر القابع في عبارة المهدي، وقد كان رحمه الله ذكياً لمّاحاً حاضر البديهة، فسارع على الفور بالرد: (يا سيد الصادق كتّر خيرك. لكن خليني أكلمك النصيحة. أنا الأدب ما بخليهو، وقلة الأدب ما بخليها).

كانت عبارات الراحل العزيز في حواره الطريف الساخر مع حفيد المهدي هي أول ما تبادر الى ذهني وأنا أقلّب صفحات كتاب الدكتور علي أبوسن (المجذوب والذكريات: أحاديث الأدب والسياسة)، الذي لا يحمل أية إشارة الى الدار التي أصدرته، إذ إنه طبع ونشر، فيما يبدو، على نفقة المؤلف ووزعت منه نسخ محدودة، ثم لم يُعد طبعه. ولعل ندرة النسخ المتداولة من هذا الكتاب هي التي حدت بالصديق المهندس حاتم شريف، الذي بعث الي بنسختيه من الجزأين الأول والثاني، فجاءتا تتهاديان فوق سماوات الدنيا الجديدة، من صحارى تكساس الى سهول منيسوتا، هي التي حدت به الى ان يأخذ عليّ العهود المُحكمة والمواثيق الغلاظ بأن أرد له كتابه، بعد أن أفلفله، وأحسن فلفلته، دون مماطلة أو التواء.

وقد نظرت في كتاب أبي سن فوجدته يجمع بين الأدب وقلته، تماماً مثلما جمعت مقالات الراحل محمد طه محمد أحمد بين القيمتين. أوقفنا المؤلف على قدراته الأدبية الرفيعة، كما أشهدنا في ذات الوقت على "قلّة أدبه". تجد بيد دفتي الكتاب الكثير من العلم النافع والمعارف الخصيبة التي تحرك العقل وتغذي الوجدان وتستثير الخيال. ولكنك تقف عند أجزاء اخرى منه فتحتار ويحتار دليلك. وتسأل نفسك: أجدٌّ هذا أم هزْل؟ هل طالعت فعلاً ما تراءى لي انني طالعته، أم هي التهيؤات والخيالات والهلاوس؟! ولكنني عدتُ بعد ذلك الى مقالٍ قديم تناول فيه الناقد المُفلق عبد المنعم عجب الفيا ذات الكتاب تحت عنوان "علي أبو سن ومصطفى سعيد" (2003م)، فوجدته قد كتب: (أما عنصر الإثارة في الكتاب فيأتي من الصراحة التي تصل الى حد التجريح، والحديث عن الذات باعتداد وثقة غير مألوفة، والكشف عن جوانب لم تكن معروفة في حياة المشاهير من رموز التاريخ والسياسة والأدب). ثم أضاف: (وأظن أن هذه الجرأة وهذه الصراحة المتناهية في الحديث عن الذات والآخرين هي الثغرة التي ستنفذ منها سهام النقد والهجوم على المؤلف). ولن أخيّب للناقد عجب الفيا رجاءه ولن أبطل توقعه، بل أنفذ من خلال "الثغرة" المزعومة لأتعامل مع ما يسميه هو "الجرأة والصراحة المتناهية"، وأميل أنا الى تسميته "قلة الأدب".

(4)

بين دفتي دفتر أبي سن من الكلام ما لا يشك أحد في أن المسؤولين عن تحرير الصحف عندما يقعون على مثله فإنهم يؤشرون عليه بالقلم الأحمر بلا تردد وبغير إبطاء: (لا يصلح للنشر). ولكن أبا سن رآه صالحاً. هذا شأنه، وكل شاةٍ معلَّقة من عرقوبها. وما كنا لنرى في الأمر غضاضة، وكثيرٌ منه يهون لو أنه كان محض رأي المؤلف ومحصول فكره. ولكنه غير ذلك. فالرجل يبذل في كتابه رسائل خاصة بعث بها اليه في مراحل باكرة من حياته رجالٌ من ذوي الشارات في سوحنا السياسية والاجتماعية والثقافية. رسائل من ذلك الصنف الذي يتبادله الصديقان الحميمان، وسر واحدهما وحماقاته وسقطاته وخطاياه عند الآخر. تجد بين نثيرها بعضاً مما لو قيل باللسان قيل همساً، وفي البال أن السُترة مطلوبة، و(الحيطان لها آذان).

ما قولك - أعزك الله - في رسالة تبعث بها الى رفيق صباك، وكاتم سرك، وانت في صهوة الشباب، تكتب له عن حوار دار بينك وبين فتاة عرفتها، تصفها لصاحبك بأنها "فنانة" و"مثقفة"، تقرأ لها شيئاً من إنتاجك الثقافي، وأنت نفسك تصف بعض جوانب ذلك الإنتاج بالخروج عن نسق القيم المألوفة في حيواتنا الاجتماعية، فتقول في خطابك ان الفتاة انفعلت بما سمعت فهتفت لا إرادياً "أحَّي"، فأبديت استغرابك للفتاة كونها مثقفة وتقول "أحّى"، فاستدركت الفتاة وقالت "سجمي"! ما قولك لو أن العمر امتد بك، بعد ذلك، عبر فورات الشباب الى مدارج الكهولة ثم الى مهاوي الشيخوخة، ثم فوق آلة حدباء الى مثواك الأخير، ثم أتاك منكر ونكير وأنت في هدأة القبر، ينبئانك أن رسالتك إياها أودعها صاحبك في كتابٍ منشور وأشاعها بين الخلق؟! واسمع صاحبي فلان يقول (ويعني شنو؟). يعني شنو؟ إذن فخذ هذه: يكتب الصديق للصديق عن حبشية عرفها في الخرطوم وافتتن بها. يصف جسدها وصفاً حسياً، ثم يتغزل في روحها من مدخل الجسد (من خلال جسدها الصافي رأيت روحها الصافية). ويشيد بكونها تنتقي فلا تدخل اليها كل من هب ودب، شأن الاثيوبيات اللائي عرفتهن الخرطوم في الزمن الذي مضى (إنها تعشق ولا تدخل إلا من يروق)! ويغضب الصاحب لأن الحكومة رحّلت الحبشيات ومنعت البغاء، ويقسم أن من منعوا البغاء هم الداعرون (أجاعوا الشعب وأبأسوه، ولم يعطوا إلا قبحاً، ورموا قبحهم ودعارتهم على أمثال مجدلينة، وأقسم بالواحد الأحد أن عانة مجدلينة أفضل وأزكي من لحى هؤلاء)!

تقرأ في الرسائل كلاماً كثيراً عن علاقات الرجلين النسائية. خاصةً في حالة أبي سن الذي يطرح نفسه على انه دونجوان زمانه وكازانوفا عصره. بل إنه مضى قدماً لا يلوي على شئ فزعم أنه هو نفسه الذي عناه غارسيا ماركيزنا، الطيب صالح، عندما كتب عن شخصية مصطفى سعيد، مؤكداً أن الطيب صالح ذكر ذلك بعظمة لسانه له ولبعض خاصة أصدقائه. ولكن ما ذنب الآخرين الذين لا يد لهم ولا كراع في مهرجان الفضائح هذا. لا سيما إن كان هؤلاء الآخرون من قادتنا ورموزنا القومية في مضامير السياسة والثقافة؟ في إحدى الرسائل سؤال عن امرأة إنجليزية، اسمها كاثلين، كانت موضع اهتمام المؤلف وصاحبه. ولكن في معرض التعريف بهذه المرأة  ترد الإشارة من غير داعٍ وبلا مسوّغ مفهوم الى انها كانت في الأصل صديقة للسيد سر الختم الخليفة رئيس الوزراء والسفير الأسبق إبان وجوده في لندن، ثم بعد عودة الأخير الى السودان وانقطاع العلاقة، اتخذها السفير جمال محمد أحمد صديقة له هو أيضاً! (يا ترى هل كانت سليلة السكسون هذه متعهدة للسفارة السودانية، أم ماذا؟). أما عن رسائل المجذوب الى رفيقته الإنجليزية روزميري، التي نشرها أبو سن بذباباتها، فحدّث ولا حرج.

وقد حيّرني حيرةً جاوزت المدى أن أبا سن ترخّص ترخصاً لا رشد بعده، فلم يجد حرجاً من أي نوع في أن يجاهر بإعجابه بل وافتتانه بجمال القائدة الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم، في عهد شبابه وشبابها. ولم يجد بأساً من الإقرار بأنه حاول أن "يشاغلها" فردته رداً غير لطيف (حدجتني بنظرة إهمال وصمت ارتجت لهما أعماقي). يقول: (كنت أخفي افتتاني بعذوبة جمالها الساحر). ويمضي قُدُما فيربط ذلك الجمال بمنطقة رفاعة التي اشتهرت نساؤها بالجمال، أو كما قال: (.. بنات رفاعة هن أجمل الكائنات)!

(5)

كتب شيخنا الدكتور عبد الله علي إبراهيم أن السجن المايوي تطاول عليه وعلى أصحابه الشيوعيين في حقبة السبعينيات، فكان هناك صاحب له مسجون يناديه الى كنبة متطرفة في باحة السجن اعتاد أن يثوب اليها في ساعات العصاري قائلاً: "يا عبد الله تعال أقعد معاي نتمحّن"! وها أنا أناديك أنت - أيها الأعز الأكرم - لنتمحن معاً في جانب آخر من جوانب الرسائل. ولنترك غراميات أبي سن والمجذوب المذاعة على الملأ وسنعود إليها لاحقاً لو نسأ المولى في آجالنا. نعرف من الرسائل المتبادلة أن الأستاذ محمد المهدي المجذوب ورفيقه علي أبوسن كانا عضوين في لجنة النصوص بالإذاعة. وعندما غادر أبو سن ليعمل بسفارة السودان بلندن كان من الطبيعي أن تكون ذكريات لجنة النصوص مادة من مواد الرسائل المتداولة. ومن بدائه الأشياء أن ترد في هذه الرسائل ملاحظات وتعليقات وخاطرات حول الشخوص والمواقف والأحداث. ومن الطبيعي أيضاً أن تكون بعض هذه التعليقات والملاحظات سالبة في مضمونها الاجتماعي، مما يدخل في ذلك الباب الواسع العريض الذي تعرفه شعوب الأرض قاطبة باسم "النميمة". غفر الله للصديقين الراحلين أبي سن والمجذوب، ولنا جميعا، فكلنا نمّامون. وخير النمّامين التوابون. واخوتنا في شمال الوادي يجعلون للنميمة مفرداً فيقولون عن القطعة الواحدة من النميمة "نمّاية"، فتجد الواحد منهم يحدث الآخر: (تعال أسمع النمّاية دي).

اسمع يا هداك الله، هذه "النمّاية" كما وردت في إحدى رسائل المجذوب الخاصة التي لم يتورع صاحبه عن إذاعتها. ومحور الحديث هنا هو الأديب السوداني الفذ الراحل حسن نجيلة، وكان عضواً في لجنة النصوص الى جانب المجذوب وأبي سن: (حسن نجيلة مغرور، عميق الغرور، متحذلق ومعجب بنفسه. يتحدث بكلام خارم بارم، هو ثقيل، هل رأيت أثقل منه؟). ثم وعلى مذهب "الأعور الجنبك" كتب: (وهل رأيت أسمج من الولد بدر الدين سكرتير لجنة النصوص)؟ وخذ هذه النمّاية عن الشاعر الضخم الراحل إبراهيم العبادي (العبادي رجل جلف، سكران، نرجسي، قبيح. النرجسية أصلها - كما أزعم - للجمال، ولكن نرجسية العبادي للقبح). أما الشاعران الكبيران الدكتور الزين عباس عمارة وصديق مدثر فهذا هو نصيبهما من النميمة: (تركيبة تشوبها السطحية وعدم الفصاحة، وينقصها الفن).

وأحاديث الأدب والسياسة، وقلة الأدب والكياسة عند أبي سن تطول.  [ نواصل]

 

نقلاً عن صحيفة "الاحداث" - 26/05/2010

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal