غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
دلفت عبارة ( وقفة مع الصديق ) الى قاموس المصطلح السياسى العربى فى أوائل السبعينات، بعد أن صكها الرئيس الراحل أنور السادات ووظفها فى وصف الخطوة الدرامية الصاعقة التى  كان قد اتخذها عهدئذٍ بطرد الخبراء السوفيت من بلاده، بدعوى تقاعس موسكو عن الاستجابة لطلبات الاسلحة المصرية. كان السادات كاذبا فلم يكن أمره ذاك أمر وقفة مع صديق، بل كان تدبيرا مدروسا محروسا فى مسار تحول استراتيجى منظم نقل مصر، بقضها وقضيضها، من الظل الشرقى السوفيتى الى الظل الغربى الأمريكي. وليست وقفتى اليوم، مع الصحافى المعتق والخبير الاعلامى المتميز الاستاذ فيصل محمد صالح، من جنس تلك الوقفة الساداتية الثعلبية الملتبسة، وما ينبغى لها. بل هى وقفة الصديق الحق مع الصديق الحق. وللصديق على الصديق أن يُحسن نصرته، ويديم نصيحته، ويرشد ضالته، ويقيل عثرته، ويغفر زلته.
(2)
سطر الاستاذ فيصل محمد صالح، فى صدد التعقيب على سلسلة مقالات كتبتها مؤخرا فى زاويتى الاسبوعية تحت عنوان ( نحن والتهريج )، تعقيبا مطولا نشره على مدى ثلاث أيام، وذلك فى عموده المقروء (أفق جديد) بصحيفة ( الأخبار ).  وقد جاءت حلقات فيصل الثلاث تحت عنوان ( تراجيديا البطل )، وياله من عنوان! قال فيصل لقرائه أن هناك منهجا معروفا فى الكتابة والتأليف إسمه منهج صناعة الخصم: ( فبدلا من أن تصارع خصما بمواصفات خاصة به، تصنع أنت خصما بمقاسات معينة يسهل عليك دحره وهزيمته، ثم تنهال عليه منطقا وجدالا حتى تقضى عليه ). ويقول أن أول تعرفه على هذا المنهج كان عندما قرأ فى زمن قديم كتاب مصطفى محمود الشهير (حوار مع صديقى الملحد )، والذى صنع فيه المؤلف (خصما تافها وسطحيا، لا منطق له ولا حجة، ثم أنهال عليه ضربا وتقتيلا حتى قضى عليه، ثم صاح صيحة المنتصر ). والمقابلة هنا واضحة، فأنا - فى الحالة التى  بين يدينا - هو من سار بسيرة  المهرج مصطفى محمود فى منهج صناعة الخصم، فخلقت خصما تافها وسطحيا، هو رجب طيب اردوغان، ثم قضيت عليه بالضربة القاضية الفنية. عظيم. هلا احتفظت بهذا التوظيف البارع والتوصيف المعبر فى مؤخرة رأسك – أيها الأعز الأكرم – إذ أننى عائد اليه لا محالة عند سدرة منتهى هذا القرطاس. فأنت – يا رعاك الله – من سيحكم بينى وبين صاحبى بالقسط: أينا (صنع) و (اختلق) واستزاد من الخيال، وأينا لزم صراط (الموضوعية) المستقيم، الذى أفاد أهل الذكر أن حبله ينفتل من خيطين: الدقة فى العرض والانصاف فى التناول.
لم يعجبنى من فيصل قوله فى وارد الاشارة الى بعض ما جاء فى مادتى: ( ليس تحت يدى ما يدلل على معلوماته أو يدحضها، لذلك سأبتدئ بقبولها ). هو إذن يقبلها مرتابا ويناقشها على مضض، أو لعله يقبلها كيفما اتفق ولكنه يشفع قبوله بالمَنْ. ومقامى فى عين نفسى – أعزّ من ذلك قليلا وأقوم قيلا. لماذ لا يتحقق صاحبى أولا، حتى إذا إحتج بعد ذلك إحتج عن هدى وبصيرة؟ فالمعلومات التى يتحدث عنها ليست من قبيل العلم اللدنى، الذى خص الله به طائفة من عباده دون آخرين. ليتنى كنت من هؤلاء، يأخذ قلبى عن ربى، وأستلهم العلم كفاحا، فيتصاعد بعد ذلك من رأسى أبخرةً أبخرة. تلك أمانى، وفى قول إمام المتقين على ابن أبى طالب: ( الأمانى مركب الحمقى). المعلومات التى سطرتها لا تعدو أن تكون بيانات عامة تسوح وتجوح فى فضاء ثورة المعلومات الكونية المفتوح، يتغيّاها من أبتغاها من ولد آدم فى مظانها. ومحركات البحث الالكترونى فى يومنا هذا يلعب فى  بطونها الصبية فى البوادى لعب الصوالج بالأكر، علم الاولين والآخرين منهم على مرمى نقرة من فأر الحاسوب يمتاحون من بئره بغير حساب، فما بال فيصل لا يستنطق حواسيبه ويستجوبها، فيمحص ويحصحص، ويستعمق ويستوثق، وهو الذى يجلس على رأس مؤسسة فتية عفية تتخصص فى حقل التدريب والتنمية الاعلامية؟!
كتب صاحبى: ( صور البطل عملية انسحاب اردوغان باعتبارها تصرفا غوغائيا لا تقره الممارسات المتحضرة).  ثم مضى قدما فكتب: ( نبدأ بالانسحاب كموقف وسلوك احتجاجى. وهو سلوك محترم ويستخدم بكثرة فى الثقافة الغربية  كواحد من أساليب التعبير عن الرأى، وهو لا يعتبر علامة على الهزيمة أو الهمجية أو عدم احترام الخصوم. عندما زار عرفات نيويورك مرة للحديث أمام الجمعية العامة للامم المتحدة إنسحب عمدة نيويورك من حفل عشاء حضره عرفات، وكان تبريره أن بلاده لا تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية وتعتبرها منظمه إرهابية..... ) ثم أفاض فاستعرض عددا من الأمثلة الاخرى عن إنسحاب افراد وجماعات من محافل غربية دعما لحجته فى أن الانسحاب سلوك متمدن وليس ممارسة همجية . وفى مبحث فيصل تخليط وتزيّد لا يصف الحقيقة، فقد وردت الاشارة الى واقعة إنسحاب اردوغان من جلسة المنتدى فى دافوس عدة مرات فى مقالى، ولكنها وردت فى صياغات خبرية منسوبة الى مصادر محددة كشبكة البى بى سى البريطانية وتصريحات أردوغان نفسه فى مؤتمره الصحفى المرتجل أمام مبنى المنتدى كما نقلتها الصحف والشبكات التلفزيونية العالمية، وبطبيعة الحال فان النقولات الخبرية لا تتضمن حكما قيميا أو رأيا شخصيا فى قرار اردوغان وممارسته لعملية الانسحاب، فذلك مما يمتنع عرفا. ولكن كلماتى عن الواقعة جاءت فى مرة واحدة فقط على النحو التالى: ( المهم أن اردوغان خرج، كما هو فى علم الكافة، فى مشهد درامى صاخب إحتجاجا على قرار مدير الجلسة بعدم منحه وقتا إضافيا ). ومؤكد ان صاحبى لا يخالفنى الرأى فى ان المشهد كان بالفعل دراميا صاخبا. ولكن أين وجد فيصل فى مقالى وصفا للانسحاب بأنه ( سلوك غوغائى ) او أنه علامة على ( الهمجية )، وغير ذلك مما استكتبنى واستقولنى، ثم جهد فى إثبات عكسه! لا وجود لزعم كهذا فى نص مقالى، والسبب هين وهو أن ذلك لم يكن قط رأيا ارتأيته أو حكما تبنيته، وكيف أتبنى ما ليس فى عقيدتى، فأنا لا أؤمن قط – ناهيك عن أن اكتب - بأن الانسحاب من محفل من المحافل لسبب مشروع، أو حتى غير مشروع، يشكل قضية فى حد ذاته. هذه الموجة العالية التى ركبها فيصل لا تعدو ان تكون تعسفا فى الاستنتاج، وتجاوزا فى استكناه ما  بين السطور. ما طرحته فى مشهد اردوغان، لا علاقة له بمبدأ الانسحاب ولا بممارسة القائد التركى له على نحو ما فعل، فقد تمحورت معالجتى تحديدا حول التفاف الرجل على الحقائق المعلومة من أمر الانسحاب، وانتحاله للمواقف ومداورتها فى مسلك انتهازى فاضح فى محاولة لا مبدئية لاستثمار الظرف بغرض تسويق شخصيته وترويج قيادته فى العالم الاسلامى.  ومع أننى – والحال كذلك – لست معنيا بالأمثلة التى تفضل محاورنا فقدمها للتدليل على أن الانسحاب من المحافل سمة حضارية، الا أنه ليس ثمة مانع عندى من أن أخرج قليلا عن مسارى فألفت انتباه فيصل، وقراء صحيفته الغراء، الى أن الرواية التى برّنا بها حول انسحاب عمدة نيويورك من حفل حضره الزعيم الراحل ياسر عرفات، رواية (مضروبة ) كما يقول الأحبة فى شمال الوادى، بل أنها مقلوبة رأسا على عقب. إذ لم يحدث قط ان إنسحب عمدة نيويورك من حفل حضره عرفات. الذى حدث هو العكس تماما. حضر عرفات متمنطقا مسدسه الى حفل أقامه عمدة نيويورك السابق رودى جوليانى عام ١٩٩٥ تكريما لرؤساء الوفود المشاركة فى إحياء الذكرى الخمسين لإنشاء هيئة الامم المتحدة، فحدثت فى بداية الأمر شبه مشادة بينه وبين مدير الشرطة الذى طلب اليه تسليم مسدسه قبل الدخول فرفض القائد الفلسطينى. ثم  وبعد دقائق من دخوله وافاه جوليانى برسول يطلب اليه مغادرة الحفل باعتباره شخصا غير مرغوب فيه، فخرج عرفات مطرودا! ولا تثريب على فيصل إذ ماعت فى ذهنه الحادثات وندّت عن فكره الواقعات، وهو يحتطبها من ذاكرته إحتطابا. كلنا ذلك الرجل. فقد ولت عهود الشباب وجاءت عهود ( الهباب). تلك عقابيل منتصف العمر، وما بعده آت لا ريب فيه، (وقد خلقكم أطوارا).
خصص فيصل عمودا كاملا لمناقشة الاحكام والضوابط التى جرى اتباعها لتنظيم وادارة جلسة  الحوار فى منتدى دافوس، وذكر بأنه لم يسمع بهذا " الاسلوب " فى ادارة حوارات المنتدى من قبل. وأنا اصدقه. وبحسب فيصل فإنه: ( عادة ما يتم تقسيم المتحدثين إما على أساس شخصى او على اساس الكتل الجغرافية والقارية أو السياسية التى ينتمون اليها). ثم قدم مرافعة ثرية مؤداها أن المعايير والضوابط التى تم اتباعها فى هذا الحوار بالذات تفتقر الى المنطق وتجافى روح العدالة والموضوعية. وأنا لا مانع لدى البتة فى أن أؤمن على طروحات صاحبى هذه وأبصم عليها بعشرة من أصابعى لو ان فى ذلك ما يثمر لاحدنا شجرا أو يقضى له وطرا. غير أننى أحس بنفسى غريبا فى شعاب هذه الغابة التى ادخلنى فيها فيصل. مالى أنا أساسا بالاحكام والضوابط التى كان يستخدمها – أو لا يستخدمها - هذا المنتدى أو غيره من المنتديات فى السابق؟ فى الحالة الخصوصية التى بين أيدينا فإن سكرتارية المنتدى ذكرت بأنها كلفت ديفيد اغناتيوس المحرر السياسى لصحيفة الواشنطون بوست بادارة الجلسة، وأنه هو الذى وضع احكامها وضوابطها بموافقة المشاركين. ثم أن ديفيد اغناتيوس بلحمه وشحمه ظهر أمام كاميرات التلفزيون وخاطب الدنيا والعالمين، بلسان امريكى مبين، وقال بأنه وضع للحوار معايير وضوابط معينة، هى التى عرضتها فى مقالى نقلا عنه، ثم أضاف أغناتيوس بأن إقرار هذه الاحكام والضوابط تم بحضور ومشاركة ممثلى المتحاورين الاربعة الذين تداولوا حولها ووافقوا عليها بعد إطلاع المشاركين الاصليين عليها. حتى اردوغان نفسه كان مطلعا ومباركا. هكذا قال اغناتيوس فى آذان الملايين ولم يكذبه أحد. هذا اذن هو الجمل وذلك هو الجمال.  فيم الجلبة يا صاح؟ إذا كان سيد الحق – فى الأصل - راضيا ما بال قاضينا فيصل يزايد عليه؟  لعله كان يجدر بصاحبى والحال كذلك أن يتوجه بمرافعته تلك الى الرئيس اردوغان نفسه، وليس الى شخصى الضعيف، فلست أنا من علم بالضوابط والاحكام مقدما وقبل بها وباركها، ثم عندما لم تطب نتائجها أنكرها ولعنها وخرج يدلس على الناس و يدعى تكلفا وتكذبا انه لم يكن على علم بها!
ومن قبيل ما استغربت من تخليط صاحبى تكبده المشاق بغير مسوغ لتأكيد أن اردوغان كان بالفعل غاضبا من حديث بيريز فى المنتدى، وكأننى انكرت عليه ذلك ونفيته، وكيف انكر ما ملأ خبره الدنيا وشغل الناس؟ تلك من ثوابت الحقائق لا ينكرها الا مجاحد او ذى عقل عليل. جوهر ما استند اليه مقالى أن الرجل إهتبل الفرصة إهتبالا لا اخلاقيا، واستلذ الهالة البطولية التى أحاطتها به الشعوب البائسة اليائسة وصورت إنسحابه وكأنه هزيمة لاسرائيل، وليس أدل على ذلك مما صرح به هو نفسه – تبذلا لمشاعر الغوغاء –  مما نقلته وكالة الاناضول والوسائط الاخرى عن أن بيريز قد إعتذر له هاتفيا، وأنه يملك نسخة من شريط التسجيل، وهو الادعاء الذى استبان زيفه بعد أن القى الناطق الرسمى باسم الرئيس الاسرائيلى بعصاه امام ممثلى الصحافة فاستحالت ثعبانا، وظهر أن موسانا كان مهرجا لا نبيا.
ولكننى حمدت الله حمدا كثيرا طيبا ان فيصل وجد ما يوافقنى عليه فى سلسلة (نحن والتهريج)، إذ انه فاجأنى من حيث لم احتسب بالثناء على تحليلى لنموذج هوغو شافيز وباركه. ولكنه - وكأنه يستكثر علىّ درجة المرور فى مادة شافيز –  لم يتركنى أهنأ بتقريظه برهة، فعاد من فوره ليتهمنى بأننى ما ذكرت شافيز الا لأننى أضمرت الاساءة الى اردوغان. وقد أعاد الى ذهنى تعسف صاحبى واصراره على تفتيش خويصة قلبى صفحة حفظتها عن الطاهر الرضى، أخ الشريف الرضى، الذى أمر بطرد أبى العلاء المعرى من مجلسه. وكان الرضى قد قدح فى المتنبى وشعره، فرد أبى العلاء المعرى بأنه لو لم يكن للمتنبئ من شعر غير بيته ( لك يا منازل فى القلوب منازل /  أقفرت انت وهن منك أواهل ) لكفاه. فلما سئل الرضى عن طرده للمعرى اجاب: ( ذكر الاعمى ذلك البيت وهو يضمر فى صدره بيتا غيره فى ذات القصيدة. إنما قصدنى بالبيت الاخر الذى يقول: وإذا اتتك مذمتى من ناقص / فهى الشهادة لى بأنى كامل )! عاد فيصل الى اطروحة صناعة الخصم وتحدث عن رغبتى ( فى صنع خصم ضعيف – هو اردوغان – عبر ربطه بنموذج مهزوز ومشكوك فى قدراته والتزامه بالديمقراطيه وميله للتهريج – هو شافيز- حتى يتم دمغه بنفس الصفات). والحق أنه ليس ثمة رابط بين اردوغان وشافيز، صحيح أن كلاهما مسجلين فى كتبى باعتبارهما مهرجين، ولكن اردوغان مهرج هاو، وربما كانت سقطته تلك نفثة من نفثات الشيطان صادفته على غير وضوء. أما شافيز  فمهرج محترف مخضرم يصدر فى تهريجه عن أصالة نفسه وفرادة معدنه، لا عن مناهزة إصطفائية لخراج السُحب العابرة.
(3)
بسط صاحبى رؤية للمسرح الاعلامى العربى تخالف رؤيتى. ولا ضير، مع انه هنا ايضا لا يعفينى من تهمة ( صناعة الخصم )، فبحسب تحليله فان الدكتور فيصل القاسم صاحب ( الاتجاه المعاكس ) بقناة الجزيرة لا يمثل شيئا مذكورا وسط البرامج الحوارية العربية ولا يصلح القياس عليه، وأنما صنعته أنا صنعا وعمدته تعميدا، حتى اذا تم لى ذلك هجمت عليه وبطحته ارضا. ولا تعقيب لى قط على هذا المقولة لسبب أراه وجيها وهو أن مادتها وعناصرها متاحة للكافة، فمن يقرأون (الاحداث) و (الاخبار)، يشاهدون كذلك الفضائيات والارضيات من قنوات التلفاز، وبوسع هؤلاء أن يقرروا لانفسهم عما اذا كان فيصل القاسم يمثل فى فضاء الاعلام العربى شيئا مذكورا، أم أنه لا يعدو ان  يكون نكرا محقورا.
ومع أن صاحبى لا يقيم لسميّه فيصل القاسم وزنا ولا يرى له سهما فى بورصة الفضائيات، الا أنه من قبيل العدل والانصاف أراد ان يوضح لنا بأن نموذج برنامج (الاتجاه المعاكس) الذى يقدمه القاسم هو فى الاصل فكرة أمريكية، وأنها تشبه فى شكلها ومضمونها برامج (حوارية) غربية معروفة. كتب صاحبى: ( يمثل برنامج الاتجاه المعاكس انموذجا للبرامج الحوارية الصدامية والاستفزازية المعروفة بكثرة فى الاعلام الامريكى والغربى عموما، ويصل فيها الضيوف حد التشاجر والضرب. انظر لبرنامج جيرى سبرنغر على شبكة ان بى سى والقنوات الامريكية المحلية. اذن هو نموذج امريكى غربى استورده القاسم ليقدمه كاسلوب جديد لم يكن الاعلام العربى يعرفه من قبل ). ولا اخفيك – أيها الاعز الاكرم – أن هذه الفقرة أهمتنى بعض الشئ، إذ رأيت جواد صاحبى يكبو كبوة كادت تدق لها عنقه، مع انه - علم الله - جواد عربى ( قومى ) أصيل. اسمع منى يا هذا اكلمك ضحىً: ليست هناك فى الولايات المتحدة ( برامج حوارية يصل فيها الضيوف حد التشاجر والضرب). البرامج الحوارية الامريكية يحترم فيها المشاركون بعضهم البعض غاية الاحترام، ويلتزمون قواعد معيارية راقية ومتحضرة للحوار. والواضح ان صاحبى يقصد نوعية مختلفة تماما من البرامج، وهى التى يطلق عليها بنو العم سام تسمية ( تابلويد شوز )، التى ذكر مثالا لها برنامج جيرى سبرنغر على شبكة ان بى سى. ولم اسمع من قبل من سمى التابلويد شوز بالبرامج الحوارية. ولو كان الدكتور فيصل القاسم قد استورد فعلا فكرة برنامجه (الاتجاه المعاكس) من تابلويد جيرى سبرنغر على أساس انه برنامج حوارى ليقدمه ( كاسلوب جديد لم يكن الاعلام العربى يعرفه من قبل) يتشاجر الناس فيه ويضربون بعضهم بعضا، كما يقول صاحبى لكانت تلك الطامة الكبرى. ولكننى اشهد للقاسم أنه برئ، فقد قرأت حوارا معه فى مجلة عربية ذكر فيه أن فكرة برنامجه مستمدة من برنامج عريق فى شبكة سى ان ان، التى تحظى باحترام دولى واسع، اسمه كروس فايار، وهو برنامج حوارى يتناول القضايا الراهنة ويستضيف ممثلين لرأيين او مدرستين متعارضتين سياسيا. فيصل القاسم مهرج نعم، ولكنه ليس على هذه الدرجة من التواضع التى ارادها له سميّه. أما برنامج جيرى سبرنغر المسمى ( سبرنغر شو ) وما شاكله من برامج التابلويد السوقية، والتى يطلق عليها اصطلاحا (برامج القمامة التلفزيونية) فهى ظاهرة اعلامية اجتماعية قديمة تلبى إحتياجات قطاعات متدنية فى أسافل المجتمعات الغربية. وتقوم هذه البرامج على تقديم روايات فضائحية لاشخاص لا مانع لديهم من اذاعة اسرارهم القذرة وهتك ستور أقاربهم واصدقائهم وفضح رغباتهم الخفية غير المشروعة، وكشف امور لا تصدق عن ما يعرفونه عن الاخرين. وتتخلل هذه البرامج مواقف درامية مفتعلة وصرخات مصطنعة وضرب بالاحذية على الرؤوس وسقوط ضحايا. وتكفى عناوين الحلقات للتدليل على مضامينها. من ذلك: ( حبيبى انى امارس البغاء )، ( انا حبلى من زوجك )، (اختى الصغيرة مثلية وأنا كذلك)!
(4)
أرأيت – أيها الأعز الاكرم – كيف أن فيصل أعطانى صفرا كبيرا فى مواد لم اجلس للامتحان فيها أصلا؟ أرأيت كيف استعان علىّ بالتخليط والتحليلات الموكوسة والروايات (المضروبة) المعكوسة؟! وكيف ان صاحبى صب الكلمات فى فمى كما يصب الدواء فى حلق الرضيع، ثم اراد ان يحاسبنى على الكلمات حساب الملكين. أرأيت كيف استنبط من حروفى ما لم يكن ليستنبطه اهل النصفة، ثم فتش فى قلبى تفتيشا – بدون اذن من النيابة العمومية – بحثا عن الممنوعات، وحرمنى، بعد ذلك – مما قررته القوانين السماوية والوضعية من درء الشبهات وتفسير الشكوك لمصلحة الظنين. شكوته لله واليك. ولكن لماذا يفعل بى صاحبى ذلك وسيرته بين الناس تقول أنه من أرجحهم عقلا واوفرهم علما وأكثرهم فضلا وإحسانا وبرا؟ أظنها تباريح الهوى. أظنها النوستالجيا. ( القومجية ) من شاكلة صاحبى لا تكاد تفارقهم أشواق العهود الزاهيات، المدوية بطبول الامة الواحدة الفتية، ورنين أبواقها العازفة: عندما كان عبد الناصر يقف كالطود يقول لامريكا أن تشرب من البحر الاحمر فان لم يعجبها فلتشرب من البحر الابيض. رأى صاحبى –  كما رأى كثير من رفاقه ممن خلطوا دقيق  القومية العربية بالزيت الاسلاموى –  فى رجب طيب اردوغان، وهو يشتعل ويثور فى وجوه ظلمة بنى صهيون شعاعا من تلك الاقباس الثورية، فاشتعلت فى دواخلهم جذوة الوجد المبرح ( وذو الشوق القديم وان تعزى / مشوق حين يلقى العاشقينا ). والله يعلم ان اردوغان نبى كاذب. والانبياء الكذبة أشر على الامة وأكثر وبالا من الطاعون الأسود. ولكن من يقنع الديك؟!
عن صحيفة ( الأحداث )
 مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal