غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 (1)

فى مساحته التحريرية بصحيفة (الحقيقة) الاسبوع الماضى قدم الصحافى المقيم بواشنطن، الاستاذ صلاح شعيب، مادة غنية بعنوان (محمد على صالح: صحافى عتيق بجلباب مجاهد). وقد أبرزت الصحيفة ضمن المساحة التى خصصتها للمادة صورة كبيرة، سبق ان نشرتها صحف امريكية، يظهر فيها الصحافى السودانى الامريكى المعروف الاستاذ محمد على محمد صالح، الذى كان قد بدأ حياته المهنية فى السبعينات محرراً بجريدة "الصحافة" السودانية، مرتدياً اللباس الاوربى الكامل وهو يقف أمام البيت الابيض حاملاً لافتة كبيرة كتب عليها باللغة الانجليزية وبخط عريض:( ما هو الاسلام؟)، ثم بخط أصغر عبارة اخرى تُقرأ: (هدفى هو تحسين سمعة الاسلام والمسلمين فى امريكا. سأبقى واقفاً فى هذا المكان الى ان أموت). وكان صالح قد اعتاد ان يذهب فى يومى السبت والاحد من كل اسبوع ليرابط امام البيت الابيض فى واشنطن رافعاً ذات اللافتة فى وجه ساكن البيت وزواره والسائحين من حوله. كتب شعيب: (قرر الرجل ان يقود بهذه اللافتة ما أسماه "الجهاد الصامت"، يعنى ان يكون هناك واقفاً أمام البيت الابيض كل يوم سبت وأحد الى ان يتوفاه الله).

البعض - بحسب شعيب - عدّ خطوته هذه ضرباً من المغامرة الذكية، حتى يعيد الامريكيون، شعباً وقيادة، النظر فى جوهر الاسلام ومعانيه، بدلاً من وسمه بأنه دين الارهاب. بينما وصف البعض الآخر هذه الخطوة بأنها غير ذات جدوى ما دام هذا الصحافى والكاتب المقتدر، بالعربية والانجليزية، يستطيع ان يُقيم الحجة لصالح قضيته عبر كتاب يوضح فيه لساكنى البيت الابيض والشعب الامريكى معنى الاسلام. ومن بين الفئة الثانية رئيس صالح السابق فى العمل، الاستاذ عبد الرحمن الراشد، مدير قناة العربية، ورئيس التحرير السابق لصحيفة " الشرق الاوسط". ومعلوم ان صالح عمل لسنوات طويلة مديراً لمكتب "الشرق الاوسط" بالعاصمة الامريكية، ويشغل حالياً وظيفة كبير محررى "الشرق الاوسط" بواشنطن، وهى المدينة التى يقيم بها اقامة دائمة فى معية زوجته الامريكية وابنائه الثلاثة. وقد سخر عبد الرحمن الراشد فى عموده اليومى بذات الصحيفة من خطوة صالح سخريةً مريرة وشكك فى جدواها، وان كان قد أمّن على احترامه الكبير له فى المستويين الشخصى والمهنى.

(2)

وكانت خطوة الصحافى السودانى الامريكى المخضرم محمد على محمد صالح غير المسبوقة قد وجدت تغطية اعلامية مقدرة عند بدايتها فى الوسائط الامريكية والعربية. بيد اننى حسبت بعد ذلك ان صالح اصابه التعب وادركه النَصَب فأقلع عن عادة الذهاب الى البيت الابيض كل سبت وأحد لممارسة طقوس الغيرة على الاسلام، والاحتجاج على سوء الفهم والاساءات المفترضه ضده. ولكن مادة الصحافى صلاح شعيب اكدت لى ان الحقيقة هى غير ما حسبت، وأن الرجل جادٌ جداً فى قوله بأنه سيثابر على المرابطة امام البيت الابيض والتعبير عن موقفه "حتى يتوفاه الله"، كما جاء فى افادته المكتوبة.

وكنت، من جانبى، ومنذ ان شرع الاستاذ محمد على صالح فى ممارسة شعائره الاسبوعية أمام البيت الابيض، وتناقلت انباءها الوسائط الامريكية والعربية، قد بدأت مسيرةً تأملية فى حال العلاقات الامريكية الاسلامية ومآلها. هل صحيح ان الاسلام فى امريكا مستهدف وأن هناك مؤامرات خفية تريد به شراً؟ وعلى أحسن الفروض، هل هناك سوء فهم مستطرد ومستدام يشترك فيه مسلمو الدنيا الجديدة فيظهرهم للعيان بغير مخبرهم، ويبرزهم، وهم الأحمال الوديعة، فى صورة الجوارح الكاسرة؟ هل هناك فى الولايات المتحدة توجّه منتظم ومثابِر يتخذ شكل الظاهرة يترصّد المسلمين ويتقصّدهم ويتربص بهم؟! الايجاب بالقطع هو الاجابة عند الصحافى المخضرم صاحب لافتة البيت الابيض، والا لما شرع فى تنفيذ مشروعه الاحتجاجى ذى الابعاد الدرامية. ودوره كمسلم - كما يراه - هو ان يحرك ساكنه زوداً عن بيضة الدين، وحميةً للاسلام واهله فيرابط، حتى يأتيه اليقين، أمام المبنى رقم 1600 بشارع بنسيلفانيا بواشنطن كلما أهلت عطلة نهاية الاسبوع. ولكن الاجابة عندى تختلف اختلافاً بيّناً اذ لا أجد نفسى على ذات الضفة مع الصحافى المخضرم.

(3)

الولايات المتحدة دولة مدنية علمانية، والتفرقة بين الدين والدولة ركيزة أساسية من ركائز الفلسفة الكلية التى يستقيم على قاعدتها ويتأطر حولها المجتمع الامريكى. وبامكانك ان تعيش فى الولايات المتحدة خمسين عاماً فلا تسمع كلمة "دين" ولا مرة واحدة. ووثيقة الدستور الامريكى لا تحتوى على اى ذكر لكلمة "الله" او "المسيحية"، وقد وردت الاشارة الى كلمة "دين" فى الدستور فقط للتأكيد على عدم التمييز بين المواطنين على اساس العقيدة. ويحظر الدستور الامريكى على الكونغرس تشريع اى قانون على اساس دينى. والفقرة السادسة من الدستور تنص على تجريم إجراء اختبار ديني لأي شخص يرغب في شغل وظيفة حكومية. ويحظر القانون تدريس الدين للاطفال فى المدارس الحكومية، كما تمنع القوانين الوحدات الحكومية منعاً تاماً من تخصيص اى اعتمادات مالية فيدرالية لدعم اى منظمة ذات طبيعة او توجه دينى، بما فيها المنظمات التى تعمل فى مجال العون الانسانى. والغالب على شعوب هذا الركن من أركان المعمورة انهم لا يعرفون شيئاً عن الاسلام ولا يكترثون له. وهم فى ذات الوقت لا يعرفون شيئاً عن الأديان الاخرى، غير الاسلام، ولا يهتمون بها، وربما بالكاد عرفت قطاعات محدودة منهم شيئاً قليلاً عن المسيحية بحكم انها ديانة الآباء والاجداد. وقد كنت أعجب دائماً عندما استمع الى بعض المتحدثين باسم الاسلام فى برامج الراديو والتلفاز والمحاضرات العامة وهم يرددون المقولة الغبية: ( المواطن الامريكى لا يفهم الاسلام ولا يعرف عنه شيئاً، وتلك هى المشكلة). هم أحرار يا أخى، يهتمون بما يهتمون ويهملون ما يهملون! ومثل هذه المقولات تفترض لزوماً ان ابناء المسلمين فى الدول الاسلامية يدرسون ويفهمون الاديان الاخرى، وليس ذلك صحيحاً بطبيعة الحال. كاتب هذه الكلمات يصنف وفقاً للمعايير المعتمدة بانه ذو تعليم عال، ومع ذلك فقد عشت فى السودان غالب سنى حياتى ولم يعرّفنى فرد، ولم تطلعنى مؤسسة تعليمية على ألف باء المسيحية، بالرغم من انها ديانة قطاعات مقدرة من شعب السودان. ما الذى يحمل هؤلاء على الاعتقاد بأنه يتعين على غير المسلمين من شعوب الولايات المتحدة ان تدرس الاسلام وان تعرفه وان وتفهمه، فان لم تفعل كانت مقصرة ومرتكسة وناقصة عقل، ويصبح الأمر بالتالى معضلة تثار على الملأ فى شكل اسئلة استنكارية؟!

(4)

وحديثنا هنا ينصب بطبيعة الحال على دعاوى الجهل الامريكى بالاسلام التى تناثرت وجرى التعويل عليها فى مقام تحليل العوامل المحيطة بردود فعل الاوساط الرسمية والشعبية الامريكية تجاه ظواهر الاسلام السياسى المتطرف المقترن بعمليات العنف المسلح والتفجيرات التى تفاحشت داخل الاراضى الامريكية خلال العقدين الماضيين. ولكننا بالقطع لا نجهل مشروعات الدعوة الاسلامية المنظمة التى حمل لواءها كثير من العرب - وغير العرب - من المسلمين، وكان من مؤداها تحول كثير من الامريكيين الى الدين الاسلامى طوعاً عبر مسارات التربية الدعوية السلمية. وقد بلغ السودان والسودانيون شأواً كبيراً فى هذا المضمار. ومن ابرز الدعاة التاريخيين الذين وطأت لهم الولايات المتحدة اكنافها وحصدت مجهوداتهم الدعوية جوائزها الباهرة، عدد من الشخصيات السودانية فى طليعتها الشيخ الاشهر ساتى ماجد سوار الدهب، المولود فى العام 1881م بقرية الغدار بالولاية الشمالية، والذي أسس جمعيات التبشير بالاسلام فى انجلترا فى مطالع القرن العشرين، ثم انتقل الى الولايات المتحدة وعاش فيها خلال الفترة 1904 الى 1929 متفرغاً للدعوة الاسلامية، واشتهر بلقب "شيخ الاسلام فى امريكا الشمالية". وتبعه فى هذا الطريق فى مراحل لاحقة آخرون منهم الداعية السودانى الشيخ احمد حسون الذى جعل منه القائد الاسلامى الامريكى مالكوم اكس (1925-1965) واحداً من أقرب مستشاريه. ومنهم الدكتور احمد صديق عثمان وغيره ممّن تتسع قائمتهم وتطول.

ولكن ذلك ليس هو جوهر حديثنا وغايته. القضية الأولى بالطرح هنا - كما سبقت الاشارة- هى: هل هناك بالفعل حملة مضادة للاسلام فى الولايات المتحدة، وما هى دوافعها ومنطلقاتها، وما هى اهدافها؟ فى الدنيا الجديدة حركات عنصرية متطرفة تضم فى عضويتها جماعات من الموتورين تكره اليهود واهل الاديان الاخرى، ومنها الاسلام، فضلاً عن ذوى البشرات الملونة من افارقة وآسيويين وغيرهم. ولا اعتقد ان اهل الغيرة المستحدثة على الاسلام يعنون هذه الجماعات، لسبب بسيط هو ان  هذه الجماعات وجدت وظلت تمارس انشطتها فى هذه البلاد منذ تأسيسها فى النصف الثانى من القرن العشرين، قبل ان يكون على ظهرها اسلام ومسلمون.  وهى على اية حال جماعات رمزية لا وزن لها ولا قيمة، ولا تمارس وجوداً فعلياً فى مجرى الحياة العامة. لكننا نعلم بطبيعة الحال ان مدار الامر وجوهره هو ردة فعل بعض الدوائر الامريكية تجاه ظواهر الاسلام السياسى المتطرف التى ظلت تقض مضاجع الامريكيين خلال ربع القرن الماضى. هل سمع احد عن "استهداف للاسلام والمسلمين" قبل ان تسكن بذرة الجماعات الاسلامية المتعصبة فى تربة نيوجيرسى وكونيكتيكت ونيويورك وفيرجينيا وفلوريدا وغيرها؟ لا أظن.

(5)

ما يسمى بظاهرة الخوف من المسلمين أو (الاسلاموفوبيا)، وما استتبعتها من اشارات وافرازات وتداعيات سالبة فى حياة المسلمين داخل الولايات المتحدة لم تكن بالقطع نباتاً أمريكياً عشوائياً، وانما هى ثمرة ناضجة من ثمار جهد دؤوب ومتصل للجماعات الارهابية الاسلامية داخل الولايات المتحدة وخارجها. عندما تشع التحديات الأمنية من بجدة مجموعة عرقية او دينية بعينها، فى اى بلد من بلدان العالم، يكون طبيعياً ان تُصوب الانظار باتجاه هذه المجموعة. وعندما يكون جميع المدانين والمتهمين والمشتبهين فى حوادث ومؤامرات تفجير الطائرات والمبانى وزرع المتفجرات فى انفاق القطارات ومحطات البصات وملاعب كرة القدم هم من المسلمين فان المنطق البسيط يجعل من الاجهزة الامنية والرقابية والمواطن العادى قبل ذلك يتوجسون خيفة من أبناء هذه الملة دون غيرها. ولا غرو ان أعين مفتشى حراسة المطارات تنفتح على اتساعها عندما يكون الراكب المتجه الى الطائرة مسلماً فيدققون ويحققّون، أما اذا كان الراكب مكسيكياً أو هندياً أحمراً او قوقازياً أبيض تراخت أجفانهم وهدأت انفاسهم وخفت حركة أيديهم. وهو نفسه ما يجعل المنظمات الحقوقية تشكو من التمييز ضد الامريكيين من أصول شرق اوسطية وشمال افريقية وباكستانية. وهى شكوى فى محلها. تماماً مثلما ان شكوك حراس المطارات وتوجساتهم الامنية هى ايضاً فى محلها.

هل تستغل اسرائيل ولوبياتها الامريكية هذا الواقع وتوظفه لصالحها؟  نعم. هل تجند عناصرها ونشطاءها فى الاجهزة التشريعية والتنفيذية والصحافة والاعلام والسينما والحياة العامة اجمالاً للكيد للعرب والمسلمين؟ بالتأكيد. ولكن من المهم جداً ان نحرص على التوصيف الصحيح للظاهرة  فلا نتجاوزه، ومقتضى التوصيف الصحيح هو ان اسرائيل ولوبياتها "تستغل" الواقع فقط، ولكنها لم تصنعه. الذى صنعه هو الجماعات الارهابية الاسلامية، والمتعاطفون معها من العرب والمسلمين. ومن هؤلاء من فروا من حياة الذل والفاقة والمسغبة، فهاجروا بعيونهم الغائرة وبطونهم الطاوية الى الغرب الامريكى، حيث الارز واللحم والخبز واللبن، فاذا قيل للواحد منهم ان مسلمين هاجموا مبنى التجارة الدولى بالطائرات وقتلوا اربعة الاف مدنى تجشأ وتمطى ثم هتف: الله أكبر! من فى تمام عقله وسلامة وجدانه يلوم اهل الولايات المتحدة ان هم توجسوا خيفة من المسلمين، وهم يرون فى شاشات التلفاز، كلما طالعوها فى صباحاتهم وآنسوا اليها فى مساءاتهم، صور واخبار المسلمين الضالعين فى قضايا القتل والارهاب والتفجير؟!

(6)

 قبل اسبوعين فقط كشفت السلطات الامنية فى مدينة نيويورك النقاب عن عربة محملة بشحنات هائلة من المتفجرات، تم تجهيزها بعدّاد خاص يهيئوها للتفجير الذاتى فى ساعة الذروة. وقد تم وضع العربة فى أشهر أماكن التجمعات البشرية فى قلب نيويورك وهو تايمز اسكوير. وقد شاءت اقدار الله الا تنفجر السيارة وان تتمكن الجهات الامنية من تفكيك القنبلة. وقد تم القبض على مدبر المحاولة، وهو الباكستانى المسلم الحاصل على الجنسية الامريكية، فيصل شاهزاد، بعد ان استقل احدى الطائرات وهو يحاول الهرب الى دولة الامارات العربية. وقد اعترف شاهزاد اعترافاً تفصيلياً، وفقا لتصريحات مسئولى وكالة التحقيقات الفيدرالية بجريمته النكراء، وتكشفت اعترافاته عن صلات له مع احدى التنظيمات الاسلامية. وفى ديسمبر الماضى والعام 2009 يلفظ انفاسه الاخيرة، والفرنجة فى ذروة احتفالاتهم بأعياد الميلاد، نهض الفتى النيجيرى المسلم المغوار عمر الفاروق عبد المطلب بمهمة انتحارية سعى من خلالها الى تفجير طائرة مكتظة بالركاب تابعة لشركة نورث ويست وهى تستعد للهبوط فى مطار ديترويت. وقد شاءت اقدار الله الا تنفجر القنبلة التى كان يخفيها بين طيات سرواله الداخلى، وانما احدثت دوياً مسموعاً وحريقاً محدوداً لم تتجاوز آثاره اتلاف العضو التناسلى للمسلم النيجيرى، الذى اعترف لاحقاً بان تنظيم القاعدة جنده للمهمة الجليلة. وقبلها بأسابيع معدودة، وتحديداً فى نوفمبر 2009 قام المسلم الأردنى نضال حسن (يا للاسم: نضال!!) بفتح النار على عدد من الامريكيين فى كافيتريا قاعدة فورت هود بولاية تكساس فقتل اربعة اربعة عشر شخصاً وجرح ما يربو على الاربعين.

فى الولايات المتحدة لا يمر شهر الا وتطالعك الاخبار بأن فرداً اومجموعة من المسلمين تم القبض عليهم بتهمة التآمر لتفجير مبنى او نفق قطارات او طائرات. والمسلسل يمتد عبر حقبة زمانية طويلة، كما أسلفنا، تصل الى ربع قرن من التفكير والتدبير الاسلامى الارهابى داخل الولايات المتحدة. من ألمع الذين بذروا بذرة هذا النوع من النشاط التعصبى فى الولايات المتحدة، بحسبانه جهاداً يحث عليه الاسلام، الشيخ المصرى الضرير عمر عبد الرحمن. و كان الشيخ عمر قد افتى مجموعة من الشباب المسلم، ومن ضمنهم سودانيان، بضرورة الجهاد داخل الولايات المتحدة من خلال تفجير المبانى والانفاق والطائرات. وقد تم القاء القبض على افراد المجموعة متلبسين وهم يقومون باعداد المتفجرات وقد اعترفوا جميعا بحضور محاميهم بانهم كانوا يخططون لتدمير نفق لنكولن وبعض معالم نيويورك الاخرى. وهناك اعداد لا بأس بها من الشباب المسلم الذين يتم القبض عليهم فى الولايات المختلفة، بصور شبه دورية، بتهمة الانتماء الى تنظيمات تدبر للقيام بأعمال عنف ضد المرافق العامة فى الولايات المتحدة، ففى مدينة سياتل تم توقيف خلية ثبت أنها على علاقة وطيدة بتنظيم يتبع للارهابى المقيم بلندن ابو حمزة المصرى. وكان افراد هذه الخلية قد شرعوا فى شراء عقارات ومزارع فى مناطق بعيدة بولاية اوريغون بغرض تخصيصها للتدريب العسكرى. وقد احتلت شبكة اخرى من المتطرفين تطلق على نفسها اسم "جماعة الفقراء" فى السنوات الاخيرة مبانٍ فى مناطق ريفية نائية فى عدد من الولايات مما لفت انتباه الشرطة المحلية فى تلك المناطق، واتضح عند القبض على افراد الجماعة انهم يتبعون لتنظيم ارهابى موحّد أسسه رجل دين باكستانى متطرف اسمه مبارك على جيلانى. وذلك فضلا عن المحاولات التى تم ضبطها بوساطة وكالة التحقيقات الفيدرالية لنسف مطار اورلاندو بفلوريدا فى العام 2008 بوساطة مسلمين من اصول باكستانية.

والعملية الاولى لتفجير جزء من برج التجارة الدولى فى عام 1993 التى ترتب عليها مقتل عدد كبير من الموظفين ورجال الاعمال الامريكيين، وما تلاها بعد ذلك من تفجير البرجين بكاملهما بوساطة عدد من الشباب المسلم بتدبير من تنظيم القاعدة فى العام 2001 ، والذى انتهى الى مذبحة شنيعة راح ضحيتها ما بين ثلاثة آلاف الى اربعة آلاف من الابرياء، تظلان من المعالم البارزة فى الذاكرة الجمعية الامريكية التى تعيش وتنعى همٌ الارهاب الاسلامى. والذاكرة الامريكية تحفظ بذات القدر أسماء الامريكيين من أصول عربية الذين قاموا بقتل الامريكيين خارج الولايات المتحدة، وهم كثر، وفى طليعتهم ابن ولاية تكساس وديع الحاج، الذى كانت له اليد الطولى فى تفجير السفارتين الامريكيتين بدار السلام ونيروبى عام 1998، والتى قتل فيها مائتان واربعة واربعون فرداً وجرح اكثر من خمسة آلاف. وعن جرائم القتل المنسوبة للمسلمين فى عدد من الولايات الامريكية، والتى جرى فيها اغتيال عدد من الشباب الامريكى من ذوى الاصول العربية، الذين اشتركوا فى الحملة العسكرية ضد العراق خلال السنوات الاخيرة، بناء على فتاوى صدرت من علماء مسلمين فى القاهرة والدوحة تجيز قتل هؤلاء، حدث ولا حرج. والذي يحير الامريكيين ويزيدهم بلبالاً هو تغلغل الجماعات الاسلامية المتطرفة فى النسيج المجتمعى لعدد من المدن الامريكية ونجاحها فى تجنيد امريكيين بيض من اصول قوقازية ولاتينية، وآخرون من اصل افريقي للعمل لصالح الاجندة الارهابية والانخراط فى تنظيماتها. ومن أشهر هؤلاء جون ووكر لند، ورودنى هابتون، وخوزيه باديلا، وكيلفين رافيل هولت، وهيرام توروس، وكولين لاروز الشهيرة بفاطمة لاروز، والقائمة تطول. وقد حمل كل هؤلاء القنبلة والبندقية وقدموا انفسهم قرباناً على مذبح التعصب الدينى.

(7)

القضية اذن ليست قضية معرفة وجهل. ولب الامر ليس هو ان الامريكيين، شعباً وحكومة، لا يعرفون الاسلام ولا يفهمونه. واجبار الامريكيين على معرفة الاسلام وفهمه لا يعنى زوال الازمة. السواد الاعظم من الامريكيين لا يعرفون شيئاً عن الديانة البوذية، ومع ذلك فانك لا تجد فى الولايات المتحدة نظرات عدائية ضد عشرات الملايين من الآسيويين من اهل البوذية. كما ان العلم بالاسلام، من قبل الآخرين، لايمنع التعصب ضد معتنقيه على اية حال. بل ان من شأن ذلك العلم، ان تم التشجيع عليه بدون ولاية دعوية محكمة، ان يؤدى الى كراهية الاسلام والتعصب ضده. وقد كاد مالكوم اكس بجلال قدره ان ينقلب على الاسلام ويرتد عنه فى ساعة غضب، بعد ان أعطاه احدهم ترجمة للقرآن، فوجد فى متنه الآية 99 من سورة طه التى تقول عن المجرمين (يوم ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقا)، فظن الامريكى الاسود المستجد على الاسلام ان القرآن يحتقر اللون الاسود، اذ فهم من معنى الآية انها تعنى ان الكفار والمجرمين من اصحاب اللون الابيض سيتحولون يوم القيامة الى اللون الاسود. وان القرآن يطرح عملية التحول من اللون الاصلى الى اللون الاسود كنوع من العقاب والتشهير الذى يقع علي هؤلاء! وعلى طول سنى اقامتى الممتدة فى الولايات المتحدة فاننى كثيراً ما التقيت ببعض الامريكيين ممن حاولوا قراءة القرآن من خلال النسخ المترجمة، التى تتولى مهمة توزيعها بكرم حاتمى المكاتب الاسلامية التابعة للدول الخليجية والمنتشرة انتشاراً عشوائياً فى المدن الامريكية المختلفة. وقد جبهنى هؤلاء فى أحيان كثيرة بأسئلة عجيبة عن ظلم الاسلام وقسوته وميله الى العنف وغيرها من الافكار التى يظنون انهم توصلوا اليها عبر قراءتهم لتلك النسخ المترجمة، دون ارشاد دعوى يفصح ويشرح ويبيّن ويلقى بالاضواء الكاشفة.

يا استاذنا محمد على صالح: اسمعنا نحدثك ضحىً، مسعاك المثابر لتنبيه الامريكيين لضرورة التعرف على الاسلام كدين سماوى وعقيدة سمحاء على العين والرأس. ونسأل الله ان يكتب صنيعك هذا فى كتاب اعمالك الصالحات، ويثيبك عنه اجزل المثوبة. ولكن ذلك المنهج فى الفهم والتقدير اذا كانت غايته التصدى للازمة الراهنة التى تواجه المسلمين فى الولايات المتحدة فيؤسفنى ان اقول لك انه منهج مُفارق ومعتل لا يتصل بأسباب الواقع ولا يتفاعل مع حقائقه. وكل ما استطيع ان اقوله عن سؤالك المركزى "ماهو الاسلام؟" الذى تضعه على لافتتك التى ترفعها امام البيت الابيض هو انه "اوف بوينت". الامريكيون لا يكرهون الاسلام ولا يحقدون على المسلمين. وليست قضيتهم معرفة الاسلام او عدم معرفته. الامريكيون يحبون الدنيا وبهرجها ويعشقون الحياة وطيباتها، ويمقتون من يفسد عليهم بهجة أيامهم. الامريكى يريد ان يموت على سريره، بكامل جسده، بعد ان يشارف على المائة. وهو يتهيّب اولئك الذين يجاهدون لارساله الى العالم الآخر، أشلاءً متناثرة، بينما هو فى كامل عافيته وعنفوانه. الامريكى لا يمقت المسلم. هو فقط يحاول ان يتخذ موقفاً، وان يعبر عنه، ضد من يزرع المتفجرات فى طائرته او مكان عمله او المبنى الذى يستقل منه القاطرة او السيارة الى حيث يشاء، لافرق عنده ان يكون ذلك الارهابى مسلماً اومسيحياً او يهودياً او بوذياً او لا دينياً.

(8)

يا استاذنا وابن بلدنا وضريب عقيدتنا محمد على محمد صالح. لعلك تستهدى بالله وتسمع نصحنا: اقلع عن شعيرة الذهاب الى البيت الابيض فى عطلة نهاية الاسبوع، وتخلّ عن طقس رفع اللافتة الشهيرة فى وجوه أهل البيت وزواره، واتخذ بدلاً عن ذلك كله موقفاً صادعاً صادحاً ضد الارهاب الدينى الأعمى الذى ملأ حياتنا همّاً وغمّا، وأحال حياة الشعوب من حولنا الى بؤسٍ مقيم. مثلك من الصحافيين المخضرمين من أهل العطاء المذكور والبلاء الحسن أجدر بأن يرفدوا شعوبهم - فى دروب الوعى - بالحرف الساطع والكلمة الوضيئة التى تنفذ الى قلب الحقيقة فتخترقها. أشعل شمعة ضد فكر التطرف الذى قادنا وقاد مسلمى امريكا الى اتون هذه الازمة الفاجرة، وستجدنا ان شاء الله معك وعلى يمينك، فى الصف الاول.

 

نقلاً عن صحيفة "الاحداث" - 19/05/2010