غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


 

(1)

فرغت لتوي من مطالعة كتاب (الرجل الصائب: إفادة شاهد من داخل البيت الأبيض). مؤلف الكتاب واحد من تلك الطائفة التى يطلق عليها فى التراث العربى " كتبة السلطان"، وهؤلاء هم الذين يكتادون رغيفهم من الكتابة للسلاطين. المؤلف هو ديفيد فرام كاتب خطابات الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن. وقد اشتهر فرام فى عالم الميديا الامريكية بأنه هو الذي سكّ وأضاف إلى خطاب "حالة الاتحاد" ((State of the Union الشهير، الذي ألقاه الرئيس بوش أمام الكونغرس فى يناير 2002 ، عبارة  "محور الشر"(Axis of Evil)  . وهي العبارة التي دخلت بعد ذلك، في زفة معتبرة، إلى قاموس المصطلحات السياسية الدولية حيث طاب لها المقام. وقد عَنَى فرام بمحور الشر كل من عراق صدام قبل الغزو الامريكى، وإيران، وكوريا الشمالية، وذلك تأسيساً على أن هذه الدول تدعم الارهاب وتسعى لامتلاك وتكديس أسلحة الدمار الشامل.

من فضائل هذا الكتاب أنه يعرّي تماماً الصراعات التي كانت تدور بين أركان البيت الأبيض أثناء عُهدة جورج دبليو بوش، مثل الصراع بين مستشار الرئيس الخاص، ذائع الصيت، كارل روف، والمستشارة الرئاسية الأخرى المتخصصة في الاتصالات والعلاقات العامة كارين هيوز، التي جاءت إلى البيت الأبيض من موطنها الأصلي بولاية تكساس في معية الرئيس السابق المنتخب، الذى كان فى الأصل حاكما لولاية تكساس، حيث ربطتها به علاقات وثقى. ومعلوم أن الحرب بين السمكتين الكبيرتين، روف وهيوز، كانت قد وضعت اوزارها بإعلان الاخيرة تخليها عن منصبها في البيت الأبيض وعودتها من حيث أتت في تكساس. ولكن بوش تدخل لاحقاً لتطييب خاطرها وترضيتها فقبلت على مضض منصب نائب وزير الخارجية لشئون الدبلوماسية العامة. ولما لم يكن مؤلف الكتاب المتخصص فى صياغة خطب الرئيس، المستر ديفيد فرام، محصناً ضد مؤامرات القصور السلطانية فقد أحدقت به هو نفسه مصائب الزمان، ففقد منصبه فى اتون واحدة من صراعات القصر المحتدمة قبل عامين من انتهاء حقبة بوش، وذاق ما ذاق غيره من نقص فى الاموال والثمرات ومباهج السلطة، وغادر عرينه فى المبنى رقم ستمائة فى شارع بنسيلفانيا بواشنطن غير مأسوفٍ عليه، وبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام. 

(2)

ويبدو لى ان مؤامرات القصور هى من الشرور التى لا بد منها فى كل الأزمنة والأمكنة الرئاسية عبر التاريخ. هناك المؤامرات السياسية التى يتورط فيها السياسيون وكبار المسئولين بغرض السيطرة والتحكم فى مفاتيح السلطة، كما أن هناك المؤامرات الشخصية التى يكون مدارها الاشخاص والأهواء ورغائب النفس والمصالح المشروعة وغير المشروعة. ومن أمثلة الأخيرة ما تضمنه  الفيلم السينمائى الشهير "راسبوتين"، الحائز على خمس جوائز اوسكار، ويروى ببراعة فنية عالية حياة المؤامرات الشيطانية الجهنمية التى عرفها قصر سانت بطرسبرج فى بداية القرن العشرين على عهد قيصر روسيا نيقولا الثانى، والتى انتهت بمصرع الراهب الماجن راسبوتين، المقرب من زوجة القيصر، على يد بعض أفراد العائلة المالكة الذين تخوفوا من تفاحش نفوذه داخل القصر. وهناك بالطبع مجلدات من القصص المنشورة عن مؤامرات القصور فى أوربا وأنحاء اخرى من العالم، بما فيها عدد من الدول العربية.  وقريباً منا جداً فى مصر الشقيقة كتب الاستاذ محمد حسنين هيكل، ثم لحق به آخرون، عن المؤامرات التى طبَعَت حياة قصور الرئاسة على عهد جمال عبد الناصر وأنور السادات. وقد وقفت متأملاً أمام ما كتبه بعض هؤلاء عن تآمر الراحل أشرف مروان، زوج ابنة جمال عبد الناصر وسكرتير السادات للمعلومات فى بداية السبعينات، لمنع زواج ضابط برتبة رائد فى الحرس الجمهورى بابنة الرئيس السادات،  بالرغم من ان الابنة والضابط كانا يعيشان علاقة حب نقية وراقية، وان الرئيس وزوجته كانا قد رحبا من حيث المبدأ بفكرة ارتباط الحبيبين على سنة الله ورسوله.

وأكثر ما لفت نظرى فى تجربة كاتب خطابات البيت الابيض السابق التشابه الشديد بين التجربتين الامريكية والسودانية فيما يتعلق بالصراعات داخل الدوائر القريبة من مراكز السلطة. اذ كنت قد لاحظت وانا أطالع مؤخراً كتاب الاستاذ المحبوب عبدالسلام، (الحركة الاسلامية: دائرة الضوء وخيوط الظلام)، أمثلة عديدة لمؤامرات حيكت بليل داخل قصرنا الجمهوري، ونتاجاً لتفاعلاتها فقدت بعض العناصر القيادية مناصبها الرفيعة. فقد ألمح المحبوب، بل لعله صرّح، بأن الفريق عبد الرحيم محمد حسين تآمر، إبان توليه وزارة رئاسة الجمهورية فى سنوات العشرية الانقاذوية الاولى، للاطاحة بالمستشار الصحفى لرئيس الجمهورية، ونجح فى إقصائه عن منصبه بسبب خلاف حول اسلوب تنظيم العمل فى مكتب الرئيس. كما أنه تآمر للحيلولة دون اكتمال أجراءات تعيين الدكتور سيف الدين محمد أحمد مستشاراً برئاسة الجمهورية رغم تعليمات الشيخ الترابى فى هذا الصدد. بل أن المحبوب لم يتورع عن تقديم أمثلة لحالات بعينها تآمر فيها نائب الرئيس، الاستاذ على عثمان محمد طه، ضد وزير الحكم الاتحادى الاسبق الدكتور على الحاج. ومن ذلك أنه أوعز للمستشار القانونى السابق بالقصر الجمهورى ورئيس البرلمان الحالى، الاستاذ احمد ابراهيم الطاهر، الذى تربطه بالنائب زمالة دراسة وعلاقة خاصة، بالتباطوء والمماطلة فى صياغة قرارات جمهورية معينة كان الرئيس قد أصدرها بناء على طلب الدكتور على الحاج.

(3)

ولكن اهتمامى باقتناء ومطالعة مذكرات الكاتب السلطانى الامريكى ديفيد فرام لم يكن دافعه الرغبة فى معرفة تقويم الكاتب للاحداث التى صاحبت فترة عمله فى البيت الابيض وحسب. فالحقيقة هى اننى اقتنى كل المطبوعات التى تقع تحت ناظرى مما سطر كتبة السلاطين فى شتى العهود والحقب. والسبب فى ذلك هو اننى عملت ردحاً من الزمن الى جانب هؤلاء الكتبة، بل أننى شخصياً تحولت، فى فترة من فترات حياتى، الى " نجار سلطانى "، أنجر الخطب والبيانات، بعد ان تلقيت تدريبا كافياً على "النجارة" على يد نجارين محترفين مهرة، فى آخر سنى العهد المايوى. والنجارة هى التعبير الكودى المستخدم فى الدواوين الرئاسية  فى السودان للاشارة الى مهمة صياغة الخطب والبيانات. والحق ان التعبير كان قد ظهر ودخل حيز الاستخدام بعد ان تلف نظام مايو وتضعضع وفقد هيبته. ولكننى علمت ممن سبقنى ان مهمة اعداد خطب الرئيس فى سنوات الازدهار كان يقوم بها عدد من الوزراء المقتدرين، الذين درجوا على الاعتكاف والانقطاع للكتابة والصياغة ليوم كامل وليلة، قد تتصل حتى الساعات الاولى من فجر اليوم التالى. ولم يكن ذلك مما يقع موقع الرضا عند مسئولى الامن والمراسم الذين تفرض عليهم مسئولياتهم الوظيفية البقاء مرابطين فى مواقعهم، وقد كان لرجال الامن والمراسم هؤلاء مصطلحاتهم الخاصة، فقد كانوا يطلقون على طقوس تجمّع عدد من الوزراء والسياسيين بمبانى الرئاسة، وعكوفهم لساعات طوال على صياغة الخطب الرئاسية مصطلح (دق الريحة). وتبدو المقارنة هنا ظاهرة بين حالة تجمع عدد من الرجال لصياغة خطاب الرئيس، وحالة تجمع عدد من النساء لدق وتجهيز أرياح وعطور العروس.

كان للرئيس السابق جعفر نميرى عدد من كتبة الخطب الرئاسية، وقد اعتاد، فى غير الاحوال التى يجتمع فيها لكتابة خطاباته بشكل جماعى عدد من المسئولين، ان يكلف فى مناسبات معينة اكثر من شخص من هؤلاء الكتبة منفردين بكتابة نفس الخطاب. ولم يكن ذلك سراً، على الاقل فى دوائر الكتبة انفسهم. وكنت تحس عندما يتقدم الرئيس الى المنصة ليلقى خطاباً بمظاهر التوتر على وجوه الكتبة، والسؤال الصامت يجول فى دواخلهم: ترى من منا سيكون اليوم يوم سعده فيختار السلطان خطابه ليقرأه؟ فاذا بسمل السلطان وحمد الله وشرع فى القراءة، ثم تطلعت فى اتجاه مقاعد الكتبة، رأيت وجوها مستبشرة كأنها من اهل اليمين وقد فتحت لها ابواب المغفرة، ووجوها اخرى كالحة، كأنها حمرٌ مستنفرة فرت من قسورة. 

غير أن مهمة كتابة الخطب والبيانات الرئاسية تراجعت وتدهورت، بتدهور النظام المايوى، حتى آلت الى كبار الموظفين ثم الى صغارهم. ولكن صناعة الخطب السلطانية ذوت واندثرت تماماً بتولى السيد الصادق المهدى لرئاسة الوزراء فى العام ١٩٨٦، اذ كان الرجل يكتب جميع خطبه بنفسه، دون حاجة الى كتبة، فالكلام كله جاهز ومرتّب، إما فى رأس الامام الحبيب أو فى كراسه.

وأفضل كتبة السلطان من الموظفين العموميين قاطبة فى تقديرى هو الدكتور الطاهر عوض الله، والطاهر مثقف راسخ القدم، من قيادات القوميين العرب الذين انخرطوا فى النظام المايوى. وقد تولى مناصب قيادية منها مدير عام مكتب رئيس الوزراء، ومدير عام الشئون السياسية بالرئاسة. وكنت قد عكفت ردحاً من الزمن فى اوائل عهدى بالخدمة على ملفات ضخام تحتوى على الخطب والبيانات التى صاغها الدكتور الطاهر عوض الله، فأسرنى علمه الغزير واسلوبه البديع ولغته الساحرة.  ولكن مؤامرات القصور أحدقت بالرجل وحاصرته واجبرته على الاستقالة والهجرة، وقد سرنى ذلك وقتها سروراً عظيماً، اذ اننى، على اعجابى المعلن بملكات الرجل وقدراته الفذة، كنت فى خويصة أمرى ساخطاً عليه كارهاً لأحشائه، كما يقول الفرنجة، لأسباب لا تصلح للنشر.

(4)

ولكن المرحوم العقيد محمد محجوب سليمان، المستشار الصحفى للرئيس الراحل جعفر نميرى، يظل كاتب السلطان الاول بلا منازع فى تاريخ السودان الحديث. كان الرجل مثقفاً رفيع المستوى صاحب قدرات ومهارات متعددة يرعاها أدبٌ جم وذكاءٌ حاد. وقد كان للرجل بحكم موقعه داخل منظومة القصور الرئاسية دوراً مقدّراً فى لعبة صراعات مراكز القوى، وذلك هو قانون القصور على مدار العصور.

ينتمى محمد محجوب سليمان الى اسرة نوبية محسية تنحدر من جزيرة "أشو". وقد ترعرع  فى مدينة الاسكندرية بمصر، وأكمل دراسته الجامعية بالقاهرة متخصصا فى علم النفس. كانت فترة حياته المتطاولة بمصر فترة خصيبة شكلت فيها عضويته فى التنظيم الشيوعى، الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى، التى كانت قد اتحدت مع التنظيم الآخر "أسكرا" تحت المسمى الموجز "حدتو"، بعض جوانب شخصيته. وكانت للرجل علاقات محدودة فى الاوساط اليسارية بحكم ميوله ونشاطه السياسى، وقد أماط اللثام عن بعض ذلك مقال متميز ومشوّق للناقد المصرى الكبير فاروق عبد القادر نشره فى مجلة "روز اليوسف" المصرية  فى مقام رثاء الصديق للصديق، وذلك عقب رحيل محمد محجوب المأساوى فى النصف الثانى من التسعينات. حيث كتب الناقد المصرى باستفاضة عن بعض جوانب حياة الراحل بمصر أثناء تزاملهما فى مجالات عديدة خلال حقبة الخمسينات.

 أقام صاحبنا عند أول حضوره للسودان فى منزل أحد اقربائه بمنطقة جبل الأولياء، وذلك حتى وفقه الله الى وظيفة اخصائى اجتماعى بمصلحة السجون، ثم استمر ولفترة طويلة مسئولاً عن اصلاحيات الاحداث بالخرطوم. وعقب انقلاب مايو، وبمساعدة من زوج شقيقته اللواء محمد عثمان هاشم رئيس هيئة أركان القوات المسلحة آنذاك، خطا محمد محجوب خطوة اولى فى طريق الصعود الى القمة، حيث تم الحاقه ضابطاً بفرع التوجيه المعنوى بالقوات المسلحة. وعند قيام مجموعة هاشم العطا الشيوعية بانقلابها عام 1971 كان محمد محجوب، برتبة رائد، مسئولا عن تحرير صحيفة (القوات المسلحة)، وقادته مسئوليته عن ما نشرته الصحيفة خلال ايام الانقلاب الثلاثة الى محنة قاسية حيث تم اعتقاله واستجوابه، ولكنه تمكن من عبور المحنة وتجاوزها بسلام. وقد عرف عن الرجل الثقافة العميقة وكثرة الاطلاع، كما عرف عنه إنشاء وتأليف الكثير من الاوراق ذات القيمة النوعية فى مضامير الأدب والفكر، مع زهدٍ شديد فى النشر والاضواء. الا انه خرج عن مساره فى مرة واحدة حين قام في أواخر الستينات، ولفترة قصيرة، باعداد وتقديم برنامج تلفزيونى باسم "الصدى والرنين" تجلت فيه مقدراته الرفيعة في مجال التحليل النفسي.

وقد ظهرت شكيمته الثقافية والفكرية وقدراته السياسية وبرزت الى السطح  إثر تدرجه وبلوغه رتبة العقيد، رئيساً لتحرير صحيفة " القوات المسلحة"، ثم إختياره لتولى منصب السكرتير الصحفى ثم المستشار الاعلامى لرئيس الجمهورية. ولا شك ان افتتاحيات صحيفة "القوات المسلحة" الساحرة اللغة المحكمة الصياغة، والتى دأب على تسطيرها تحت عنوان" ولنا كلمة" كانت مدخله الى عالم المناصب الدستورية والقصور الرئاسية.  وهناك تضاعفت بارانويا الرجل ضد أضواء الاعلام، وتوصل فيما يبدو الى أن أكثر المسالك أماناً فى شعاب القصور واجهزة الدولة ودروبها البالغة التعقيد هو الانزواء والاكتفاء بالظل. الا ان هناك جانباً آخر يتصل بطبيعة شخصية الرجل. فى حوار مع الدكتور اسماعيل الحاج موسى، وزير الاعلام المايوى، تضمنه كتاب الصحافى المخضرم محمد الشيخ حسين "مرفأ الذاكرة السودانية: نحو عصر تدوين جديد"، جاء على لسان اسماعيل فى وصف المرحوم محمد محجوب سليمان انه كان: (لا يحب الاضواء، ويعانى من نمط التوجس الاعلامى، الذى يجعل المسئول يتوجس من الاعلام فيتهرب من أجهزته ويبتعد عن أضوائه، وذلك لعدم المقدرة او عدم الرغبة، او الاثنين معاً، أو لأنه عندما يكون بعيداً عن الأضواء يكون أكثر قدرة على تحريك الأمور). ثم أضاف:(الغموض الذى كان يحيط بالمرحوم يعود الى انه رجل بلا علاقات اجتماعية.. الغموض ناتج عن افتقاره للصداقات والعلاقات الاجتماعية).

(5)

برغم انه كان قد تولى مهام منصبه مستشارا اعلاميا لرئيس الجمهورية قبلها بحوالى العامين، الا ان الانظار تركزت حول محمد محجوب سليمان فى العام 1975   بعد ان تسربت المعلومات أنه هو من قام بصياغة خطاب الرئيس نميرى الذى اطاح، ضربة لازب، بعدد من أبرز واقوى اركان الحكم المايوى وقادته التاريخيين وفى مقدمتهم  الدكتور منصور خالد والراحل الدكتور جعفر محمد على بخيت والراحل العميد (م) عمر الحاج موسى، بعد ان بشّع بهم الخطاب، وكسر شوكتهم، وأهال على رؤوسهم من الشتائم المبطنة ألواناً. اتهم الخطاب الذى وجهه الرئيس الى الشعب عبر الاذاعة والتلفزيون الوزراء الثلاثة بالمبالغة فى تقدير قوتهم السياسية والادعاء فى مجالسهم الخاصة انهم القادة الحقيقيون للنظام وان النميرى لا يبرم أمراً من غير الرجوع اليهم. وقد تجرع هؤلاء الكؤوس المُرّة صاغرين محتسبين، ما عدا الدكتور منصور خالد الذى صبر سنين عدداً حتى أذن الله بموعد لصدور كتابه (السودان داخل النفق المظلم) فكال الصاع صاعين وسوى حسابه مع كاتب السلطان.  وقد جاء ذكر ذلك الخطاب، الذى كتبه صاحبنا، فى تقرير مفصل رفعه السفير الامريكى بالخرطوم بتاريخ السابع والعشرين من يناير 1975 الى رئاسة وزارته فى واشنطن. وقد أماط اللثام عن ذلك التقرير من بين ركام الارشيف القومى الامريكى الصحافى السودانى المعروف محمد على صالح.

والمستشار محمد محجوب سليمان هو الكاتب الشبح (Ghost writer) الذى كتب باسلوبه الباذخ جميع المؤلفات المنسوبة للرئيس جعفر نميرى إبتداء من الكتاب الشهير (النهج الاسلامى لماذا؟) وصولا الى كتاب (السادات: المواقف والمبادئ). ومعلوم ان الكُتّاب الأشباح هم من تولوا صياغة الكتب التى زعم العديد من الرؤساء العرب تأليفها، باستثناء طاغية بغداد صدام حسين، فقد كتب عدداً من الروايات بنفسه، وأشهرها رواية "زبيبة والملك"، و"اخرج منها أيها الملعون). كذلك كتب محمد محجوب الخطب الدورية التى درج جعفر نميرى على توجيهها للشعب تحت مسمى "لقاء المكاشفة الشهرى"، بالاضافة الى عدد الخطب الاخرى. وذلك فضلا عن قيامه بكتابة مقالات طويلة منتظمة فى صحيفتى الايام والصحافة الرسميتين، وهى مقالات كانت تتقدمها عبارة (كتب المحرر السياسى)، دون اشارة الى شخصية الكاتب الحقيقية.

(6)

كان محمد محجوب سليمان يعرف حقائق الأشياء. ومما عرف من حقائقها ان منصب كاتب السلطان هو موقعه الطبيعى الذى يفجر طاقاته ويبرز قدراته ويؤمن له قدرا عالياً من الفعالية السياسية والتأثير على مسرح صياغة الاحداث. وفى العام ١٩٨٢ أجرى الرئيس نميرى تعديلا على مجلس وزرائه. وقد تضمن التعديل تعيين صاحبنا وزيرا للاعلام. ولاول مرة على الاطلاق فوجئ السودانيون بقرار جمهورى يذاع عليهم فى نفس اليوم يقضى باعفاء الوزير الجديد الذى لم يكن قد مضى على اعلان تعيينه ساعات قلائل، ويسمى شخصاً اخر لتولى المنصب. ومشت المدينة فى مجالسها لأيامٍ وليال عقب تلك الواقعة العجيبة تتحدث عنها وتلتمس لها تفسيراً. واصدر الرئيس نميرى بعدها قراراً جمهورياً آخر يعيد محمد محجوب عملياً الى منصبه السابق، مع تحوير بسيط فى تسمية المنصب قصد به معاقبة الرجل، فقد كان مُسمى منصبه الاصلى "المستشار الاعلامى لرئيس الجمهورية"، ولكن الرئيس أعاده الى عمله ولكن تحت مسمى " السكرتير الصحفى لرئيس الجمهورية"، وفارق بين مستشار وسكرتير.

جلست – بعدها باسبوعين - فى رحلة جوية متجهاً من الخرطوم الى القاهرة فى مهمة عمل، مستقلاً طائرة جمعتنى بكاتب السلطان الأول الذى تدنى على حين غرة الى وظيفة سكرتير صحفى، وقد دعانى الرجل لترك مقعدى والجلوس بجواره. شجعتنى دعوته على طرق ذات الموضوع فسألته سؤالاً مباشراً: ما الذى حدث؟ هل صحيح انك اعتذرت عن منصب وزير الاعلام وفضلت ان تبقى فى منصب المستشار الاعلامى؟ صمت الرجل لوهلة قصيرة وقد تغيرت ملامح وجهه بعض الشئ، وظهرت عليه سيماء الجدية والهدوء الشديد، وكان قبلها شديد الحيوية تستغرقه روح الفكاهة والدعابة، لا يترك مضيفة من مضيفات الطائرة تمر الا وطاردها بكلمات الغزل المفضوحة ينثرها فى الهواء بلهجته المصرية المميزة: ( يا حلوة  يا  "أمَر" انتى)! قال الرجل وقد ارتدى على وجهه سمتاً جديدا: ( شوف يا ابنى.. اقول لك كلام حطو حلقة فى ودانك.. فى الدنيا دى ما تقبلش ولا تشتغلش الا الشغل اللى تُحسنو ). ثم قام بتغيير مسار الحديث بشكل مباغت. والعبارة تفسر نفسها فالرجل عرف انه لا يصلح وزيراً للاعلام لذا رفض المنصب، وربما قدّر الرئيس أسباب اعتذار الرجل تفهمها، ولكن كبُر عليه، والكبر من طبعه، ان يرفض شخصٌ ما، اى شخص، منصباً شريفاً يعرضه  له. والواقع ان النميرى لم يكن يعرض المناصب، بل يفرض التعيين فرضاً عبر نشرات الاذاعة والتلفزيون.

(7)

كان محمد محجوب سليمان يدرك انه ميسر لما خلق له. وكان يُحسن "شُغله" غاية الاحسان. وشغله – كما علمته تجربته- ان يكون كاتب سلطان، لا وزيراً بيدقاً فى الجهاز التنفيذى. ولكن تحليلى الخاص قادنى الى تفسيرات اخرى، منها أن الرجل الذى عاش فى مصر أكثر مما عاش فى السودان كان يتحدث بلهجة مصرية صرفة. ولا بد أنه عقل تماماً خطل توليه وزارة الاعلام ومهمة الناطق الرسمى باسم بلد لا يجيد لهجتها، بل ويتكلم بلهجة لا يفهمها قطاع مقدّر من سكانها. ومن الوقائع التى تستدعيها ذاكرتى فتؤشر الى صواب تفكير الرجل ورجاحة عقله فى مسألة اللهجة بالذات، واقعة تناهت الىّ عن محاكمات يوليو 1971 فقد كان رئيس فرع القضاء العسكرى ورئيس المحكمة الرئيسية، العميد احمد محمد الحسن، يتحدث بلهجة مصرية ثقيلة، يفهمها بطبيعة الحال كثير من سكان المدن فى السودان، ولكن قطاعا واسعاً من الجنود، وبصفةٍ خاصة المنتمين منهم الى مناطق غرب السودان وجنوبه، كانوا يجدون صعوبة فى فك رموزها. سأل رئيس المحكمة أحد الجنود المتهمين، بلهجة مصرية مصحوبة بنبرة عالية وعصبية: (قاوب على السؤال: أتَلْتْ ولاَّ ما أتلْتِش؟) فرد الجندى: (تَلْتِش). ورئيس المحكمة هنا يريد ان يعرف هل الجندى شارك فى القتل ام لم يشارك، وربما فهم الجندى معنى السؤال الى حد ما ولكن أعوزته لغة الاجابة، فهو يظن ان لفظة (تلتش) تعنى انه لم يقتل أحدا، على اساس ان البديلين المطروحين هما: أتلت وتلتش!

عاد محمد محجوب سليمان الى مصر المحروسة، بعد ان أذن دوره فى كتابة الخطب السلطانية بانتهاء، وراح منصبه الرفيع فى اعقاب سقوط النظام المايوى نتاجاً للانتفاضة الرجبية فى ابريل 1985 ، ليقيم حيث النشأة ومراتع الصبا والشباب، والعود أحمد. ومن عجب ان ديفيد فرام، كاتب خُطب الرئيس الامريكى جورج بوش الابن، الذى مررنا بمذكراته سالفاً، عاد هو أيضاً بعد ان غادر منصبه مكرهاً، تماما مثل صاحبنا، ليستقر هو واسرته الصغيرة فى كندا، حيث مسقط رأسه وحياته الاولى، مدبراً ظهره للولايات المتحدة وبيوتها البيضاء ومؤامراتها الحمقاء.

ولكننا نزعم ان صاحبنا لم يكن راضياً عن الفصل الأخير فى حياته. فقد اتهمه الرئيس السابق نميرى فى تصريحات صحفية منشورة بأنه حول لمنفعته الشخصية أموالاً تخصه، وذلك بأن قام بتسجيل شقة سكنية فى القاهرة كان الرئيس المعزول – وفقاً لروايته - قد كلفه بشرائها، باسمه هو لا باسم الشارى الاصلى وهو الرئيس نفسه. ولكن النميرى شوهد بعد ذلك وهو يبكى منتحباً على رفيقه القديم فى مأتمه بمسجد عمر مكرم بالقاهرة، ويتلقى فيه عزاء المعزين. مات محمد محجوب سليمان وهو فى كامل عافيته. فقد كان نائماً داخل شقته فى دور علوى باحدى العمائر حين هوى المبنى بكامله وانهار بنيانه، وصار بين طرفة عين وانتباهتها كومةً من تراب، وأصبح رجالٌ كانوا ملء السمع والبصر فى يومهم أسماءً فى ذمة التاريخ. عجبت حين أتانى الخبر، كيف اختار محمد محجوب سليمان، وهو من هو، ان يقيم فى مسكنٍ آيل للسقوط، فيفقد حياته على هذا النحو الأسيف؟ ولكن تناهى الىّ بعدها ان الرجل كان فى واقع الأمر يقيم فى عمارة عفيّة، من أجود وأمتن وأرقى عمائر مدينة نصر بأطراف القاهرة. والذى حدث هو ان احدى البنوك الاجنبية عرضت على صاحب المبنى تأجير جانب من الطابق الأرضى شرط اعادة هيكلته وتصميمه بحيث يوافى احتياجات البنك. فانطلق المالك يزيل الاعمدة الخرسانية يميناً وشمالاً، لا يلوى على شئ، دون مشورة هندسية او اشراف معمارى احترافى. وقد كان من مؤدى ذلك السلوك الجشع الأرعن أن فقد المبنى توازنه وانهار على حين غرة فوق رؤوس ساكنيه.

اللهم يا أكرم من سُئل ويا أوسع من جاد بالعطايا، يا من له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، تقبل عبدك محمد محجوب سليمان فى دارك، دار البقاء. واغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، واجعل له من فضلك ورحمتك وجنتك حظاً ونصيبا. واغفر لنا أجمعين ما قدمنا وما أخرنا وما انت به اعلم منا، انك انت الغفور الرحيم.

 

حول حظر كتاب المحبوب

كنت قد نشرت خلال الاسابيع القليلة الماضية سلسلة من ثلاث حلقات تناولت فيها بالنقد كتاب الاستاذ المحبوب عبد السلام الصادر فى يناير الماضى عن العشرية الاولى للانقاذ. وقد كتبت تلك السلسلة النقدية وفى ظنى أن الكتاب متاح لطالبيه فى السودان. الا أنه تبين لى لاحقاً ان الكتاب محظور من التوزيع داخل الوطن ولكن الدار الناشرة لم تتلق قرار الحظر الا بعد نشر الحلقات. وككاتب صحفى مستقل فاننى أشجب السلوك الذى انتهجته السلطات بحظر الكتاب، وادعوها لمراجعة قرارها المعيب الذى يصدر عن حالة ذهنية وصائية شمولية، ويعبّر عن ضيقٍ بالرأى الآخر لا يتفق وروح التحول الديمقراطى الذى تتطلع اليه أمتنا.

 

 

عن صحيفة "الأحداث" -  11 مارس 2010

 

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal