غربا باتجاه الشرق

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

٭ تصدير هام: هذا المقال للكبار فقط، وتُحظر قراءته على من تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاماً. الرجاء إبراز شهادة الميلاد لبائع الصحف.

 

(1)

لم أتنبه إلا متأخراً جداً للمُعامل الجديد الذي فرض نفسه بصورة مفاجئة على القضية الأكثر حساسية في المشهد السوداني اليوم، وهي قضية الانتخابات النيابية والرئاسية المقرر أن تُجرى في أبريل من العام الحالي. هذا المُعامل هو السكر، بضم السين وتسكين الكاف، إن ابتغيت الفصحى، أو فتحهما معاً إن كنت من أنصار العامية. ويلحق بالسكر تلقائياً الانسطال، ويتبع كليهما – السكر والانسطال - بالضرورة - وبصورة تلقائية - قضية حقوق السكارى والمساطيل في ممارسة واجبهم الانتخابي الدستوري. وقد استجدَّ مُعامل السكر والسكارى والانسطال والمساطيل وانتبذ له مكاناً صدرياً في ساحة الجدل الوطني المُنصَب على قضية الانتخابات في أعقاب لقاء جرى قبل حوالى شهرين بين أحد رموز النظام الحاكم وعدد من أنصاره والقائمين على حملته الانتخابية بضاحية كنور من أعمال محلية بربر بولاية نهر النيل. وقد نهض عدد من معارضي الإنقاذ بين مهاجري أو بالأحرى مكاجري الشتات بترويج وقائع اللقاء عبر شريط فيديو تحصلوا عليه فبذلوه على المواقع الالكترونية السودانية فضلاً عن موقع يو تيوب العالمي، وذلك اهتداءً بنظرية "سهر الجداد ولا نومو". ويُشاهد الرمز الإسلاموي الإنقاذوي، الذي يشغل منصباً دستورياً رفيعاً، ويُسمع في الشريط المسجل وهو يخاطب الحضور من القائمين على حملته الانتخابية قائلاً: (الجايينا بي تبروقتو مرحب بيهو.. والجايينا بي قزازتو مرحب بيهو).

وقد كدت - باعتباري مراقباً سياسياً محترفاً – أن أشرع، بعد وقوفي على وقائع ذلك الشريط، في سك مصطلح جديد يعبر عن طبيعة المرحلة التي بدا لي أننا سنستقبلها من عمر الإنقاذ المديد. وكما خلق الله الإنسان عبر أطوار مختلفة (وخلقناكم أطوارا)، كذلك خلق جلّ ثناه الإنقاذ، فهي تنتقل بإذن ربها من طورٍ الى طور حتى أظلنا طورها الأخير الا وهو "الطور الزجاجي" الذي تأتي فيه الجماهير صوب الانقاذ بزجاجاتها. فطوبى لشعبنا الصابر الذي صبر على أطوار الانقاذ كلها، طوراً طوراً: من المشانق وفرق الإعدام، إلى بيوت الأشباح، والفصل التعسفي، مروراً بأطوار "أمريكا دنا عذابها"، وأمريكا شيكا بيكا، والتمكين، والخصخصة، و"التوالي، و"البيضة والحجر"، و"التلات ورقات"، ونيفاشا، والتحول الديمقراطي، وصولاً إلى الطور الإنقاذوي الإسلاموي الزجاجي الميمون الذي أدركَنا صبحه وأشرقت علينا أنواره.

(2)

وقد جرى تكريس هذا المُعامل السُكري الانسطالي الخطير واعتماده بعد ذلك بصورة رسمية كشأن انتخابي أصيل بعد أن تدخل ليدلي بدلوه في الأمر الجلل السيد رئيس الجمهورية شخصياً، إذ أعلن سيادته ضمن خطاب جماهيري، مصحوب بالرقص الوطني والهز بالعصا، في أعقاب افتتاحه لحملته الانتخابية باستاذ الهلال، إنه لا يرحب بأصوات السكارى. قال السيد الرئيس أصلحه الله وأصلح به: (ما دايرين صوت زول سكران). يعني بذلك انه لا يريد من السكارى أن يدلوا بأصواتهم لصالحه، لأنه إنما يبتغي الفوز بأصوات طاهرة نقية مبرأة من كاسات "العرقي" وأنفاس "البنقو". ولما كان قد عُرف عن المستشار الرئاسي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل التماهي الفوري والتفاعل الثوري مع تصريحات السيد الرئيس فإن المستشار لم يدخر وقتاً فأدلى بتصريح مماثل نشرته صحف عديدة، جاء فيه: (إن حزب المؤتمر الوطني لا يرغب في الحصول على أصوات وسخانة)، وقد رجّحت ان يكون المقصود هنا أصوات السكارى والمساطيل. وبهذا فإن المستشار يضيف معياراً جديداً لفرز الأصوات بين نظيفة ووسخانة. وبلغة أخرى فإنه يطلب ممن يأنسون "الوساخة" في أصواتهم الابتعاد بها عن صناديق المؤتمر الوطني. ويبدو لي أن تصريح السيد الرئيس يؤشر الى وجود تباينات في وجهات النظر تجاه قضية السكارى والمسطولين في دوائر الحزب الحاكم، فبينما يحتفى القيادي صاحب شريط الفيديو علناً بأصوات أصحاب "القزايز" على مستوى الانتخابات النيابية المحلية، بل ويجاهر بترحيبه بهم، فإن الرئيس يرفضها ويردّها قولاً واحداً على مستوى الانتخابات الرئاسية الاتحادية. وبطبيعة الحال فإن التصريح الذي نقلته الصحف منسوباً الى السيد الرئيس يفتح الباب على مصراعيه لسكارى السودان ومساطيله للإدلاء بأصواتهم لصالح المرشحين الآخرين.

(3)

ليس من أغراضي هنا أن أعدّد أسماء المرشحين الرئاسيين الذين أرجح أنهم سيرحبون بالأصوات التي أعلن مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة استغناءه عنها تحت شعار: الله الغني. ولكن وزير الدولة السابق بوزارة الإعلام، الذي اشتهر في الأوساط الصحفية بلقب "خال الرئيس"، الأستاذ الطيب مصطفى، لم يترك مجالاً للتكهنات والتخمينات إذ قطع سيادته قول كل خطيب، وقرر بلغة جازمة حازمة أن المستفيد الأول من أصوات سكارى السودان ومساطيله هو مرشح الحركة الشعبية لرئاسة الجمهورية السيد ياسر عرمان. كتب الخال الرئاسي في مقال بعنوان "هذا الرجل لا يستحي"، نشرته صحيفة "الانتباهة" وموقع سودانايل بتاريخ الخميس، الخامس والعشرين من فبراير مندداً بمرشح الحركة: (عرمان الذي لا تنقضي عجائبه، بشّر ناخبيه الذين يشملون بائعات العرقي والسكارى والمساطيل باكتساح الانتخابات). ثم عاد الأستاذ الطيب مصطفى الى سيرة السكارى والمساطيل في نفس المقال للمرة الثانية فأضاف: (على كلٍ هنيئاً لبائعات العرقي اللائى أصبحن جزءاً مهماً من حملة عرمان الانتخابية.. وهنيئاً للسكارى والمساطيل فقد أطل عهدهم، فالخرطوم موعودة عندما يحكمها عرمان بتحول كبير ونهضة عظمى تحيلها الى أنداية كبيرة).

ولست على علم بالحيثيات التي بنى عليها الخال الرئاسي نظريته وقرر فى ضوئها أن هناك علائق وثقى تربط السيد ياسر عرمان بجموع السكارى والمسطولين السودانيين، كما اننى لست مطلعاً على الأسس التي بنى عليها توقعاته بأن الخرطوم ستتحول الى "أنداية" كبرى في حالة فوز الأخير بمنصب رئيس الجمهورية. ولكنني بعد الاستعاذة بالله في المبتدأ من مزالق سوء الفهم، والابتهال اليه، تعالت أسماؤه وصفاته، أن يجعل كلامي خفيفاً على الخال الرئاسي، أقول: ليس كل أهل السودان ممن تأخذهم الرجفة فيصعقهم خبر تحول عاصمتهم القومية الى أنداية كبرى في حال ظفر عرمان بأريكة الحكم، كما يظن الخال أعزه الله. الأنداية ليست شراً كلها. وللبحاثة الشعبي الراحل الطيب محمد الطيب كتابٌ شهير بعنوان "الأنداية". وقد طرّز ذلك الكتاب بمقدمة فذة المفكر الإسلامي الكبير، ووزير الشؤون الدينية والأوقاف الراحل، البروفيسور عون الشريف قاسم. والأنداية بحسب مقدمة العلاّمة عون الشريف مظهر من مظاهر الحياة السودانية، لها نظمها وتقاليدها وقيمها التي يلتزم بها أهلها. وقد استغرق البحث الميداني الذي اضطلع به الباحث ست سنوات طاف خلالها على مختلف أرجاء الوطن، فانتهى الى ثروة عريضة من المعرفة بأحوال الناس وطقوسهم وآدابهم وفنونهم، هي في كثير من مظاهرها امتداد لقيم أصيلة في حياة أهل السودان يعبر عنها فولكلور شعبي ذي تقاليد راسخة في عمق الثقافات الشعبية الوطنية، ومشاهد من أدب رفيع يحكي عن بطولات المحاربين ومغامرات الهمباتة ويفتخر بالكرم والشجاعة. ويقوم المغنون والطنبارة وضاربو الدلوكة بتحويل ذلك كله الى فنون جميلة يطرب لها ويتفاعل معها الجميع، وهم يتمثلون شعر المنخل اليشكري (وإذا سكِرتُ فإنني ربُّ الخورنق والسديرِ /  وإذا صحوتُ فإنني ربُّ الشويهةِ والبعيرِ). واسم الانداية مستمد من الندوة أو الندى أو النادي أو المنتدى، وهو المكان الذي كان يتنادى اليه الملأ من الناس، والأصل فيه تجمع قوم تربطهم الوشائج والمشارب فتتم بينهم الالفة وتتوثق الصلات.

والانداية الوحيدة التي شاهدتها في حياتي هي انداية الحاجة السُرة العريقة في مدينة عطبرة. وكانت لهذه الانداية راية حمراء ترفع في ساعات وتُنكّس في ساعات أخرى. ولم أفهم قط حتى شببت عن الطوق وغادرت المدينة مغزى تلك الراية الحمراء. وربما كان بوسع السيد ياسر عرمان أن يُفتيني في أمرها باعتباره من أهل الاختصاص وفقاً لرواية الخال الرئاسي. ومهما يكن فقد كنت شديد الإعجاب بالحاجة السرة، إذ هي أول امراة أشاهدها في حياتي كلها تقود سيارة، في زمان كان كل رجال المدينة، إلا من رحم ربك، يقودون البسكليت. ولا زالت سيارتها الإنجليزية الصنع، ماركة فورد زيفير، تطوف بمخيلتي وهي تتهادى في طرقات عطبرة وتلك المرأة الحديدية تمسك مقودها بإباءٍ وشمم. وكانت السُرة قد سافرت الى الأراضي المقدسة فأدت الفريضة، وطافت بالكعبة المشرفة وأمسكت بشباك النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ثم عادت ادراجها الى اندايتها وسط الطبل والزمر والزيطة وتهليل الأحباب والحبيبات في يومٍ مشهود، وأمرت بأن توزع "المريسة" مجاناً لوجه الله تعالى في ذلك اليوم البهيج!

(4)

مهما يكن من شئ فقد أسعدني أن الخال قد طرح سيناريو للعاصمة تحت رئاسة عرمان المحتملة للسودان، تتحول معه الخرطوم الى سوبر انداية. وحمدت الله وكنت له من الشاكرين أن السيناريو المطروح لا يشتمل على تحويل العاصمة الى "غُرزة" كبرى. وقد كان مصدر قلقي أن الخال قد جمع في صعيد واحد عدة مرات بين السكارى والمساطيل، أثناء حديثه عن حملة عرمان الانتخابية ونوعية جماهيره ومناصريه، وكأن السُكر والانسطال مترادفان. والغُرزة هى المكان الذى تأتلف فيه جموع المساطيل ويتم فيه تعاطى الحشيش وما أشبه من مواد التسطيل. وقد لاحظ الدارسون فرقاً في طقوس تعاطي الحشيش أو البنقو بين شعبي وادى النيل، حيث يعمد مساطيل مصر الى التحشيش في أماكن مغلقة بإحكام حتى لا يتسرب الدخان (ويسميه بعضهم النعمة) الى الخارج، فيما يعمد مساطيل السودان الى تدخين الصنف في الأماكن المفتوحة وعلى ضفاف الأنهار وفي الميادين العامة والفضاءات الفسيحة، مما يجنبهم الحاجة الى الغُرَز المحكمة الاغلاق، ويجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع الكشّات والكبسات. ولفظة غُرزة أكثر استخداماً في مصر، فهي غير معروفة في السودان بوجه عام. تماماً كما ان كلمة انداية رائجة في السودان ولكنها غير متداولة في مصر. وقد قرأت في دراسة منشورة عن الخمر للدكتور عمر الباقر، اختصاصي الأمراض النفسية والعصبية بوزارة الصحة الاتحادية في بداية الثمانينيات، ما يفيد بأن انتشار الخمر في السودان مردّه أساساً إلى السمة التفاخرية للشخصية السودانية، بينما يغلب استخدام الحشيش في مصر بسبب أن الشخصية المصرية تميل الى الغيبيات. وكنت قد التقيت كاتب الدراسة وسألته أن يشرح لي مقصده بعبارتي "شخصية تفاخرية" و"شخصيه تميل الى الغيبيات". فكان رد الدكتور أن السوداني يميل بطبعه الى التفاخر، والخمر من دعامات هذه الخصيصة، فالسوداني الذي يتناول الصهباء يريد أن يشرب ثم يحلق في عالم الفخر کأن يقول: (أنا جدي ود حبوبة). ولكن المصري وفقاً للكاتب لا يعرف هذه الوجهة من التفكير، وأغلب الظن أن يكون جده نشالاً في ميدان رمسيس، وليس في سيرته أصلاً ما يدعو الى الفخر، ولذلك فإنه يفضل تعاطي الحشيش والانسطال، ثم مفارقة الواقع بالسرحان في دنياوات غيبية علوية تخفف عنه وعثاء الحياة. وإجابة الدكتور كما هو واضح لا تصلح للنشر إذ ان التعميم المخل عن أسلاف المصريين لا يليق بحفدة بناة الاهرام وأبناء حضارة السبعتلاف سنة. ومن المؤكد أن الدكتور لم  يخطر بباله قط، وهو يخصني بهذا الكلام في نطاق مغلق، قبل ثلاثة عقود، أن يجده منشوراً ذات يوم على صفحات "الأحداث". ولا بد انه يقرأه الآن ويلعن سنسفيل جدودي. ولكن العزاء أن الشخصية السودانية ليست بأفضل حالاً من رصيفتها المصرية، وفقاً لتوصيف كليهما بحسب الدراسة المشار اليها، فكلاهما إما سكران أو محشّش ومتنيّل بستين نيلة، والحمد لله من قبل ومن بعد.

والربط بين شريحة المساطيل من روّاد الغرز والحملات الانتخابية ليس جديداً تماماً، فقد سبق أن تطرق الى هذا الأمر نخبة من الكتاب العرب، كما عالجه الفنانون في عدد من الأفلام السينمائية الناجحة. ومن ذلك الفيلم الكوميدي المصري الشهير (ظاظا رئيس جمهورية). وفي هذا الفيلم يظهر الرئيس المنتخب سعيد ظاظا، الذي يؤدي دوره الفنان هاني رمزي، وهو يقوم بزيارة الى إحدى الغُرَزْ؛ حيث شارك أحد المساطيل تدخين الحشيش، ثم كشف الرئيس عن شخصيته الحقيقية فسقط المسطول مغشياً عليه بسبب ما خيّل اليه عن قدرة هذا الصنف من الحشيش على تحويل المساطيل الى شخصيات جديدة قوية ونافذة. وبعد أن دانت رئاسة الجمهورية الى الرئيس سعيد ظاظا، بفضل تأييد المساطيل، قامت الحكومة الجديدة بتغيير النشيد الوطني وأبدلته بنشيد آخر تقول كلماته: (بلدنا يا بلد المُزز / شبابك كله في الغُرز). والمُزة في لغة الشارع المصري هي الفتاة الجميلة التي تثير الاشتهاء. ونلاحظ انه خلال عشرين عاماً من حكم الانقاذ جرى اعتماد العرضة الجعلية والتبشير بالعصا، والتي كانت تمارس أيضاً كرقصة للاحتفالات الرسمية في الدولة المهدية. غير أننا نتوقع تغيير هذه الرقصة في حال فوز السيد ياسر عرمان بالرئاسة، لا سيما وانه اتخذ من كلمة "التغيير" شعاراً لحملته الانتخابية، وهو شعار له مطلوباته واستحقاقاته. (ملحوظة: تسربت الينا معلومة غير مؤكدة من الدوائر المتصلة بالمرشح الرئاسي العميد عبد العزيز خالد تفيد بأنه يزمع، في حال الفوز، تغيير رقصة العرضة الجعلية الانقاذوية الى رقصة "على واحدة ونص" المصرية).

(5)

وتاريخيا فإن أول من استخدم لفظتي حشيش وحشاشين، في سياق التدخين والانسطال، هو الرحالة الايطالي ماركو بولو في العام 1273م للميلاد، وذلك في وصف طائفة الشيعة الاسماعيلية النزارية، وتبعه في ذلك المستشرقون. وقد استسهل البعض تسمية هذه الجماعة باسم "الباطنية". غير ان هناك إجماع بين المؤرخين على التسمية الأكثر ذيوعاً، التي التصقت بهذه الطائفة وهي (الحشاشين). ومؤسس هذه الطائفة هو الحشاش الأكبر الإمام الحسن الصبّاح. وقد كانت لهذه الطائفة حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء وبنات جميلات يغنين ويرقصن ويعزفن الموسيقى. وكان الإمام يوهم أتباعه أن تلك الحديقة هي الجنة. بيد أن دخولها كان مقصوراً فقط على من تقرر الجماعة تهيئتهم لممارسة الاغتيال السياسي. كأن يتم إغراء أو إجبار هؤلاء على تعاطي كميات من الحشيش، ثم يتركون نياماً لبعض الوقت، ثم يُحملون ويوضعون في قلب تلك الحديقة. وكان هؤلاء يستيقظون فيظنون انهم في الجنة. وبعدما يتم إشباع شهواتهم من المباهج كان يتم إغراقهم بالحشيش مرة أخرى، حتى أذا انسطلوا تماماً تم إرسالهم ليغتالوا الأعداء المطلوبين من الفرق الأخرى. وقد اشتقت كلمة "منفذ الاغتيال" في اللغة الإنجليزية ((Assassin، ولفظة الاغتيال نفسها (Assassination) من كلمة حشاشين الإنجليزية ذات الأصل العربي ((Hashshashin. وقد يجد الخال الرئاسي، الأستاذ الطيب مصطفى، في الرواية أعلاه مادة للتأمل والتحليل اليقظ المتعمق، ومدعاةً لإعادة تقويم طروحاته المعلنة، وربما حافزاً لتطوير نظريته حول ما عساها أن تكون مخططات السيد ياسر عرمان الحقيقية، ونواياه المستترة الخفية وراء جمع السكارى والمساطيل تحت رايته الحمراء وتحويل العاصمة القومية الى انداية كبرى. إذ من أدرانا ألا تكون لياسر تفاكير خطيرة تشبه تفاكير الإمام الحسن الصباح؟!

(6)

ما علينا، المهم أننى عدت ادراجى لمتابعة تطورات قضية السكارى والمساطيل من زاوية علاقتها بالانتخابات العامة فوقفت على المساهمة الناضجة للكاتب الصحفي الأستاذ حيدر المكاشفي، مستشار تحرير جريدة الصحافة، والتي سعى من خلالها  الى إلقاء شئ من الضوء على بعض جوانب هذه المسألة الحيوية وتداعياتها الحقوقية والسياسية والاجتماعية. وقد جاء في صدر مقال الأستاذ المكاشفي تحت عنوان "أسئلة حيرى حول أصوات السكارى": (أجد نفسي أكثر حيرة من الزميل الكاريكاتيرست الفنان فارس حول الكيفية التي يمكن بها للمشرفين على حملة المرشح الرئاسي عمر البشير والعاملين عليها، أن يكتشفوا السكارى من بين المقترعين أولاً، ليتسنى لهم بعد ذلك منعهم من التصويت). وقد نصح المكاشفي المرشح عمر البشير بإعادة النظر في موقفه الرافض لأصوات السكارى والمساطيل، مؤكداً أنه حتى ولو كان البشير شريفياً ينحدر من الدوحة النبوية، كما أبان سكرتيره الصحفي السابق الأستاذ محجوب فضل بدري في مقال منشور، فإن في الإسلام مندوحة لقبول أصوات السكارى والمساطيل والتلطّف معهم. وأعاد المكاشفي الى الأذهان أن سادتنا الصوفية لم يكونوا يصدّون السكارى إذا ما غشوا حلقاتهم وانخرطوا فيها، بل كانوا يقابلونهم بكل سماحة ويفسحون لهم في مجالسهم. وقد لفت انتباهي أن المكاشفي جزم بلغة قطعية أنه ليست هناك قبيلة أو عشيرة واحدة في السودان كله تجرؤ على الادعاء بخلو صفوفها من أهل الصهباء الذين يتعاطون المدام على اختلاف مسمياتها المحلية. كما دخل الى حلقة المناقشات الحامية السباح العالمى والمرشح الرئاسى السابق سلطان كيجاب، فصرّح بأنه إذا أصر المشير عمر البشير على ردً أصوات السكارى، فإن المنطق السليم يفرض عليه أن يضم اليهم أصوات الطبقة الواسعة الفاسدة، من اللصوص وناهبى المال العام، التى ترعرعت فى كنف الانقاذ.

ولكن أستاذنا ومرشحنا السابق للرئاسة الدكتور عبد الله على ابراهيم كان الاعلى صوتاً والاكثر وضوحاً فى معالجة الأزمة. فقد دعا عبدالله، فى زاويته بصحيفة "الاحداث" يوم الاثنين اول امس، المشير عمر البشير لأن يتنصل من العبارة المنسوبة اليه فى شأن رفض أصوات السكارى وجلد صانعات العرقى، ونصحه أن يجد لنفسه مخرجاً كأن ينسب أمر ترديده تلك المقولة الى "ساعة غضب". وعضّد عبدالله السباح كيجاب فى كون القضية ليست قضية خمر ومخمورين، بل قضية فساد مستشرى ولصوص يملأون دروب المدينة. ونصح عبدالله الرئيس البشير بأن يقتدى بامام مسجد صغير فى بغداد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عنه أنه خاطب المصلين قبل بدء صلاة الجمعة فى الايام الاولى للغزو الامريكى، عندما انتشرت ظاهرة السلب والنهب الجماعى وملأت المدينة، فقال:(ليخرج من المسجد كل من شارك فى نهبٍ او سلب. لست أماماً للحرامية)! واتهم عبدالله الخال الرئاسى الطيب مصطفى، دون ان يذكر اسمه، بأنه من السفهاء، مستبشعاً صنيعه بتعمد استغلال كلمات السيد ياسر عرمان بحق مستضعفات الأرض، وفى جملتهن صانعات العرقى، استغلالا كيدياًً وتحميلها فوق ما تحتمل، والسعى الحثيث الخبيث لإظهار عرمان وكأنه مدمن تتخبطه سكرات ينى.  

(7)

لاحظت انه كلما انفرجت مساحات الحريات وانفسحت ميادين الديمقراطية كلما زاد عدد الذين يطلقون على أنفسهم صفة (ناشط حقوق)، حتى ليخيل الى المرء أن نصف من عرفوا القراءة والكتابة من سكان الخرطوم والمدن الرئيسية تحولوا الى ناشطين حقوقيين.  والحال كذلك فربما كان من المناسب ان يتوفر بعض هؤلاء الناشطين على دراسة اوضاع اخوتنا السكارى والمساطيل من زاوية حقوقهم الدستورية فى التصويت الحر واختيار من يحكمهم فى الانتخابات القادمة. وان كان هناك على الاقل مرشح اسلاموى انقاذوى واحد تعرض لهذه الفئة من فئات الشعب باسلوب حفظ لهم آدميتهم وكرامتهم، فإن مرشحين آخرين أكثر تأثيراً، بما فيهم مرشح المؤتمر الوطنى للرئاسة، عمدوا الى ارهاب هذه الفئة من بنى وطننا، والحط من قدرهم على الملأ، فأشانوا سمعتهم، وأظهروا لهم الازدراء والعين الحمراء. وربما فات على مرشح المؤتمر الوطنى للرئاسة مغزى الحكمة الشعبية التى تقرر أن (الخيل الأصيلة تظهر فى اللفة). فمهما يكن من أمر فإن هذه الفئة تشكل، شاء من شاء وأبى من أبى، قوةً صوتيةً مقدرة قد يكون لها دور محورى فى تحديد شخصية من سيرتقى أريكة الرئاسة ويحكم السودان لفترة السنوات الخمس القادمات. وقد تُبدى الأيام لمرشح المؤتمر الوطنى ما كان يجهل، ويأته بالاخبار من لم يزوّد.

ومن جانبى فأننى أهيب بجميع المرشحين، وفى مقدمتهم المتنافسين على كرسى الرئاسة، أن يحذوا حذو المشير عمر البشير فيحددوا مواقفهم بصورة واضحة ومعلنة تجاه السكارى والمساطيل من جهة الاجابة على السؤال المركزى: هل يرحبون بأصواتهم ويحتفون بها، أم يرفضونها رفضاً قاطعاً كما حدد البشير موقفه فى شجاعة يُحمد عليها ولا يُحسد؟! أن هذا الأمر سيظل شأناً انتخابياً على درجة متقدمة من الأهمية، وأغلب الظن أنه سيكون معياراً أساسياً لكتلة صوتية ذات وزن لا يمكن تجاهله أو الاستهانة به.

 

نصوص خارج السياق

 

"الحشيشة تثير الخلط الكامن فى الجسد كيفما كان، فصاحب الصفراء تحدث له حدة، وصاحب البلغم تحدث له سباتا وصمتا، وصاحب السوداء تحدث له بكاء وجزعاً، وصاحب الدم تحدث له سروراً يقدر حاله، فتجد منهم من يشتد بكاؤه، ومنهم من يشتد صمته"

 

( "زهر العريش في تحريم الحشيش" للإمام بدر الدين الزركشي- 794هـ)

 

عن صحيفة "الأحداث" -  4 مارس 2010

 

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal