غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الى القارئ داخل الوطن

 

يظهر هذا المقال فى النسخة الورقية لصحيفة "الاحداث" بعد حذف أجزاء يرد فيها اسم السيد رئيس الجمهورية. وأنا اقدر كل التقدير ان الصحيفة، برغم رفع الرقابة الرسمية على الصحافة فى السودان، تمارس قسطاً محدوداً ومحموداً من الرقابة الذاتية التى تفرضها الأعراف المستقرة والمواثيق المتواضع عليها، والتى تلزم كل الصحف بتوخى روح المسئولية عند تناول رئيس الجمهورية، اسماً ومؤسسة، بما يحافظ على هيبة المنصب وكرامته. وكمستخدم سابق فى مؤسسة سيادية من مؤسسات الدولة تجدنى من اكثر الناس حرصاً على ذات المبدأ. غير انه يلزمنى ان اوضح للقارئ الكريم داخل الوطن أننى فى الواقع لم اتعرض للمشير عمر البشير فى هذا المقال بصفته الرسمية كرئيس للدولة، بل بصفته لاعباً أساسياً فى حلقات الصراع المحتدم حول السلطة، الذى اعقب سفور الوجه الحقيقى لمدبرى انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩  خلال العشرية الاولى لعمر الانقاذ. كما ان الاجزاء المشار اليها وردت أصلاً فى كتاب الاستاذ المحبوب عبد السلام الذى يتناوله المقال بالعرض والتحليل. وعلى حد علمى فإن الكتاب نفسه متاح لطالبيه فى مكتبات الخرطوم.

 

◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊◊

 

(1)

نعود لنكمل مسارنا مع لوح الاستاذ المحبوب عبد السلام (الحركة الإسلامية السودانية، دائرة الضوء- خيوط الظلام: تأملات في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ). ونجهد فى هذا الجزء الخاتم لاستحلاب بعض المفاهيم الكلية، أو لعلنا نتواضع فنقول أننا نأمل فى استنتاج بعض الفرضيات التفسيرية، من ركام المعلومات الغزيرة المثيرة التى قدمها هذا السِفر لقرائه فوق طروسٍ مذهبة. نعنى بذلك أن نمعن النظر فى بعضٍ من جوانب الأخبار والأسرار التى زودنا بها المؤلف، وهى بضاعةٌ نعتد بها غاية الاعتداد، كونها ترد جميعها موثقةً بشهودها وشواهدها، معززةً بقرائنها وبيناتها الظرفية. ثم أنها تنطق بلسان محررها الذى ترعرع فى محاضن الحركة الاسلاموية ونشأ فى طاعتها. فهو هنا لا ينقل الاخبار كمصدر ثانوى،  بل كسلطةٍ أصيلة داخل مدارات الحكم واروقته، بحسبانه معاملاً أساسياً فى ميادين تخصيب السياسات ومراكز صناعة الاحداث. ولا غرو اذ كتب ناشر اللوح يعرّف الناس بالمؤلف وسلطته:(المحبوب عبد السلام أقرب الرجال الى قائده الصانع الأكبر لما جرى الشيخ حسن الترابى).

نقول بأننا نهدف الى اجالة النظر فى مجمل ما بين ايدينا من وقائع وحادثات، ثم نحاول ان نستنبت، ونحن نتدبّر معانيها ونتحرى مغازيها، أحكاماً عامة ربما تفسر لنا الحالة الذهنية التى تملّكت القيادات الحركية الاسلاموية وهى تنقضُّ على مقاليد السلطة بليلٍ دامس فى صيف العام 1989. ثم وهى تنزلق، بعد ذلك، الى الفتنة القارعة التى فضحت السوءات وكشفت العورات، وأبانت للقريب والبعيد كيف ان التسربل برداء الدين لم يمنح اسلامويي السودان حصانةً تصدُّ عن ذواتهم الاهواء والفتن، وتردُّ عن مشروعهم الفرعونى الاستعلائى الطموح الأنواء والمحن. وهل كان الذين افتتنوا وكادوا يشهرون السيوف يوم السقيفة، وجثمان نبى المسلمين (ص) مسجّىً بداره لم يوار الثرى بعد من اتباع بوذا؟  وهل كان الذين قتلوا ذا النورين عثمان والقوا بجثمانه فى مقابر اليهود، ثم تنازعوا على الملك بعده من عبدة النار؟!

(2)

قلنا أن من أروع وأبدع صنيع لوح المحبوب أنه لم يلو على شئ، فأماط الحُجب والغلالات عن الخبايا والأسرار، ورمى بكل أوراق العشرية الاسلاموية على المنضدة أمام الجميع عاريةً الا من رسومها وشروحها. لا عاصم لها من أعين النظّارة، فاذا هم بين حادبين مشفقين، وشامتين شانئين. واذا سُئلنا عن خويصة انفسنا قلنا: انما نحن باحثون دارسون، وان شئت فضوليون، ضالتنا الحقيقة. لا ندعى حدباً واشفاقاً على الحركة الاسلاموية، وفيم الحدب والإشفاق، وبيننا وبين فكرها الأصفر الأزعر ما صنع الحداد، ولم نر من عهود التمكين والأثرة على مدار سنواتها الغُبر المتواليات غير الهمّ والحزن والكدر والضجر؟ ولكننا – مع ذلك - نربأ بأنفسنا ونستنكف ان نكون فى زمرة الشامتين الشانئين، وفى وعينا حديث نبينا الكريم عليه افضل التسليم:(لا تُظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله عزّ وجل ويبتليك). ولو رحم الله العصبة المنقذة وابتلانا نحن، بعد كل هذ الهوان، لكانت مصيبتنا هى أمّ المصائب وجدّتها وخالاتها مجتمعين.

ونحن ننظر الى الورقة من الاوراق، وهى ملقاة على الطاولة، ثم نشدُّ، فى كل مرة الى اعماق الرئتين نفساً طويلاً عميقاً، اذ يستغرقنا ذلك الاحساس الطيب الغامر الذى ينتاب المرء عندما يصادف على حين غرة تفسيراً جامعاً مانعاً للغزٍ مستحكم طالما سكن منه تلافيف الدماغ دون ان يجد عليه سلطاناً يفك طلسمه. وبعض هذه الاوراق يصح ان يطلق عليها ذلك التعبير المتداول فى أدب الخطاب السياسى العربى المعاصر: الغسيل القذر!

تظهر لنا من ثنايا اللوح الكيفية التى كانت تدار بها الدولة على عهد الانقاذ الاول فنتعرف على شكل المسرح الداخلى والمسرح الخارجى واللاعبين الحقيقيين الذين كانوا يديرون الخيوط من وراء السّتُر. ويتبين لنا أن كثيراً من شاغلى المناصب الرسمية، بما فيها منصب رأس الدولة، ما كانوا يملكون لانفسهم ضراً ولا نفعاً، بل خيالات مآتة لا تهش ولا تنش. ما كان أمر السلطة الباطنة الخفية غائباً عنى وعن كثيرين غيرى. فقد كنا نعلم ان للانقلاب من يوجه حركته من وراء الكواليس. وقد سُئل واحد من القادة التاريخيين للحركة الاسلاموية، هو الاستاذ أحمد عبد الرحمن محمد، بعيد الانقلاب بفترة وجيزة، عن صحة ما كان يتردد عن وجود مجلس أربعينى يدير الأمور من خلف هيئات الحكم الرسمية الظاهرة ، فأجاب على السؤال من فوره اجابةً مباشرة لا إبهام فيها ولا غموض، وقد نشرت الاجابة فى وقتها صحيفة "ظلال" الاسبوعية، قال:( هذا سؤال ساذج. فمن الطبيعى ان يكون هناك كيانٌ فاعل وراء الانقلاب، سواء اكان مجلساً اربعينيا او غيره. أى انقلاب فى الدنيا لا بد ان يكون وراءه تنظيم له اهداف ورؤى، يُخطط وينفذ ويتابع. والا فكيف يكون الانقلاب انقلاباً)؟ لم يكن ذلك كله للحق غائباً عن مداركنا. الذى كان غائباً هو مدى ونطاق الفاعلية السلطوية المتفاحشة للقيادات المستترة التى كانت تقبض فعلياً على زمام كل شئ، كما كشف لوح المحبوب، ومدى ضعف وهامشية بل وعدمية الممثلين الذين كانوا يجلسون فى المقاعد الأمامية فى مواجهة النظارة، بحيث ما كان الواحد منهم يملك ان يختار ما يشرب فى صباحه، شاى ام قهوة، الا ان يأذن له من هم فى الكواليس!

ثم تستبين لنا جذور الصراع، بين اخوة التنظيم والعقيدة، ومراحله المتدرجةً، وكيف بدأ الأمر يرقةً فى طورها المائى، ثم تنامى واستفحل خطره واستشرت علله حتى استحالت طاعوناً فاتكاً استعصى على الطبابة. وقد نشرّق فى بحثنا وقد نغرّب، ولكننا نخلص الى  عبرةٍ واحدة، كنا قد خلصنا اليها من قبل، وهى ان أصل الصراع وجوهره، بين اهل الظاهر وأهل الباطن، ثم بين اهل الباطن فيما بينهم، انما هو طموح الشخوص ورغائب النفوس وأهواء البشر وحب الاستئثار بالسلطة والولع بالعروش والصولجان.

قفز من أعماق ذاكرتى على الفور، وانا اطالع جانباً من سفر المحبوب، حوارٌ دار بينى وبين العميد فيصل مدنى مختار، عضو مجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطنى وحاكم كردفان الأسبق، بعد اسابيع قليلة من اعفائه، او بالاحرى استقالته من عضوية المجلس فى النصف الاول من التسعينات، وذلك بمنزله بشارع الجمهورية بالخرطوم. وكان حاضراً بجانبى فى ذلك اللقاء من الأحياء الوزير الاقليمى السابق العميد (شرطة) محمد عبد الملك الطاش، ومن الراحلين الصديق العزيز المرحوم الصحافى الاسلاموى محمد طه محمد أحمد. وكنت قد سألت العميد فيصل عن سبب الخلاف بينه وبين القيادة الذى ادى الى مغادرته لمنصبه السامى، فذكر لى أسباباً أثارت فى وجهى ملامح الاستغراب، وهو استغراب لم يظهر منه شئ على وجه الراحل محمد طه الذى كان فيما بدا لى واقفاً على كثير من خفايا المرحلة. مما ذكر العميد فيصل، ضمن اجابته على سؤالى، انه عندما استفحل أمر المجاعة فى كردفان وكان هو حاكماً عليها، وعجزت امكانيات الدولة عن مواجهة الكارثة، وجد من الضرورة بمكان اعلان حالة المجاعة وطلب العون الدولى، لا سيما وان كثيراً من المنظمات الدولية ذات الموارد الضاربة كانت تتهيأ للتدخل وتقديم المساعدات. غير ان الحكومة المركزية ظلت وباستمرار ترفض طلبه، فاضطر للحضور الى العاصمة ومقابلة رئيس مجلس قيادة الثورة بمكتبه بالقصر الجمهوري حيث عرض عليه وقائع الاحوال المتفاقمة فى كردفان، وطرح عليه وجهة نظره بشأن اصدار الاعلان الذى يصرح بوجود مجاعة فى الاقليم، بما يعين على اطلاق آليات العون الدولى باتجاه التصدى للكارثة وتخفيف معاناة الضحايا، طالما ان امكانيات الدولة وقفت دون ذلك. ونبه الحاكم الرئيس الى المسئولية الشرعية التى تقع على عاتقيهما معاً ان هما تقاصرا عن واجبهما تجاه ارواح عشرات الآلاف من الفقراء الابرياء الذين يتهددهم شبح الموت جوعاً. وهنا ردّ رئيس مجلس قيادة الثورة:( والله يا فيصل انا مقتنع بكلامك ده تماماً، لكين البقنع الديك منو)؟! والذى اتضح بعد ذلك هو ان (الديك) كان يؤمن وقتها بأن الاقرار بوجود حالة مجاعة فى البلاد بينما شعارات (نأكل مما نزرع) تغطى سموات المدن وتملأ اجهزة الاعلام يسئ الى سمعة كل ديوك السودان ودجاجه ويلحق بكبريائها أفدح الأضرار!

(3)

يذكر المحبوب من وجوه التآمر ومظاهر الصراع والتبذّل حول حطام الدنيا بين قادة الحركة الاسلاموية وكادراتها ما يزيح الخُمُر عن رموز طالما استعصمت وراء اقنعة الزهد، وأظهرت الوصل والتماهى مع قيم السماء، ورسمت على الوجوه الوضيئة ملامح الوجد وهى تصيخ السمع لأناشيد المنشدين: (لا لدنيا قد عملنا / نحن للدين فداء). ها هو نجم الانقاذ المنير وبدرها الوضّاح الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل مرسوماً على اللوح، يختطف منصب وزير الخارجية اختطافاً من بين يدى من هو أهل له، ثم يحتكر المنصب احتكاراً لا لفضلٍ اتسم به، ولا لعلم اكتسبه، ولا لسابقة عرفت له، بل لأنه يجيد الرياء وتملق السلاطين ومداهنة أصحاب الحول والطول. اسمع يا صاح:(أثبت الدكتور مصطفى عثمان نجاعة منهج سُعاة العلاقات العامة الذين يؤدون صلاة المغرب مع الرئيس، ويغشون نائبه الاول لشاى المساء، ثم يتناولون طعام العشاء مع الأمين العام). ثم ها هم العسكريون من قادة الانقلاب، وقد انكشفوا  بعد قرار حل مجلس قيادة الثورة، بلا مهارات ولا قدرات ولا مؤهلات، وقد مالت عنهم الأضواء وتحاسرت، واستشعروا انهم ما عادوا يصلحون للقيادة فى ظل دستور ١٩٩٨، فطار بهم الهلع واستبد بهم الجزع فتفرغوا لتغذية هواجس الرئيس، وتأليف الروايات، واذاعة الذائعات، والشحن الموتور ضد إمام الحركة الاسلاموية،  يتوسلون الى الرئيس ان يتغدى به قبل يدور عليهم الامام فيتعشى بهم جميعاً.

أما عن الرئيس نفسه، وخوفه على سلطته، وحرصه على كرسيه، حين حزب الأمر وزاغت العيون فحدث ولا حرج، اذ بلغت الوساوس به - هكذا نقرأ - أنه ظل ولفترةٍ طويلة يحتفظ فى مكتبه بالقصر الجمهورى برسم كاريكاتورى نشرته صحيفة (الخرطوم) إبان صدورها بالقاهرة، يتناول خبر استقالة الشيخ الترابى من منصب رئيس المجلس الوطنى. يصوّر الرسم الكاريكاتورى الترابى وقد ركل كرسى رئاسة المجلس الوطنى وهو يصعد الى كرسى رئاسة الجمهورية! ويلمح اللوح تلميحاً الى اسماء الثلة من الخبثاء الذين نقلوا نسخة الصحيفة ورسمها الكاريكاتورى الى الرئيس، وينقل عنهم عبارات افرغوها فى اذنه، من ضمنها:(ان الترابى لا يشرب جهد الشخصيات ويضعها باحترام كما يفعل مع زجاجة البيبسى كولا، ولكنه يطبق عليه عفصاً ويلقى به الى سلة المهملات كما يفعل مع علبة البيبسى). و: (ان الترابى متخصص فى الاغتيال المعنوى للشخصيات من لدن المرحوم الرشيد الطاهر الى الرئيس عمر البشير)!

واذ تبلورت قضايا الخلاف وتفاحشت بين يدى الدعوة الى نظام التوالى السياسى، ثم تصاعد دور البرلمان الذى كان يقوده الشيخ الترابى، وحزم الرئيس ونائبه على عثمان أمرهما، فبعثا الى الشيخ من يطلب اليه التنحى وترك الأمر برمته كان رد الشيخ، وننقل عن اللوح:(أنه لم يباشر مطلقاً تدخلاً فى العمل التنفيذى اليومى ولم يسمّ وزيراً لمنصبه، ولم يزر أحداً فى مكتبه أو يحادثه فى الهاتف.. بل فوض غالب سلطاته لنائبه وللأجهزة ...). لم تدهشنى المعلومة، حتى وانا اقف عليها للمرة الاولى، وهى ان هناك من ذهب الى الامين العام باسم الرئيس ونائبه وطلبا اليه التنحى مع انه (الصانع الأكبر لما جرى)، ولكن ادهشتنى كلالة الدفاع وعوار المنطق وتهافت الحجج وهى تأتى من تلقاء الشيخ! ثم لننظر بعد ذلك الى أسس الاتفاق على تجاوز الازمة عقب مذكرة العشرة وتداعياتها المدمرة، وذلك بعد ان دعا النائب على عثمان مائة وخمسين من القيادات من بينهم رئيس الجمهورية والشيخ الترابى ليشهدوا عهداً جديداً للحركة يصفو فيه المناخ وتطيب فيه النفوس. ثم نقرأ:(كان الأساس للعهد الجديد هو ان يطمئن الرئيس منذ الآن الى انه مرشح المؤتمر الوطنى لرئاسة الجمهورية، فى مقابل تثبيت الشيخ منذ الآن أميناً عاماً للهيئة القيادية). ألم نقل أن الأمر فى المبتدأ والمنتهى لم يجاوز كونه صراعٌ على السلطة وأرائكها، واقتتالٌ على مراكز الحكم وطنافسه؟ ولكن صاحبنا اكثر ذكاءً وأوعر طبعاً فلا يتركنا هنا دون ان يضيف انه (تمت تهيئة الرئيس الذى لا ينشد اكثر مما قدم له)، أما الشيخ الترابى فقد تحفظ على الخطة ومشروع الاتفاق. لماذا؟ (لأنها تصور الخلاف صراعاً بين الكبيرين، وان كليهما قد اهديت له الهدية التى كان يتوخاها). ولا عجب، فالمحبوب فى يده القلم، والذى في يده القلم لا يكتب شيخه شقياً.

(4)

وبمثلما فتشنا فألفينا حب الرئاسة وعشق المناصب رابضاً عند قدمى الاخوة المتصارعين، كذلك وجدنا التكالب المسعور نحو الدينار والدرهم. واللوح لا يبخل علينا بأحوال التعدى الفاضح على المال العام من قبل عضوية الحركة الاسلاموية، وتردد شبهاته فى المركز والأقاليم، لا سيما مع بدايات الجنوح الفوضوى نحو انشاء الشركات العامة الموصولة بأجهزة الدولة. ولا يجد المحبوب حرجاً فى اطلاعنا على حقيقة العدد الكبير من شركات الاستثمار التى استغلت الاموال العامة، على أساس ان يعود بعض ريعها بالفائدة والنفع العام على الحركة الاسلامية. كما لا يستنكف ان يدلنا على التآكل السريع لرؤوس أموال بعض هذه الشركات العامة، واتهامات الفساد التى طفحت داخل التنظيم بعد ان فاحت روائح الفساد وزكمت الانوف، وكيف ان ذلك كله انتهى الى فتح أبواب من أزمات الثقة بين عضوية الحركة. ثم يرفدنا اللوح على حين غرة بهذه العبارة المثيرة الخطرة: (وقد ينجو الجانى بغير عقوبة، ولكن تبقى ثابتةً الريب والجراح التى علقت بالوشائج التى تصله بتنظيمه واخوانه). ويالها من عقوبة قاسية ينالها من تمتد أياديهم الى المال العام فتطالهم تهم النهب والسرقة واللصوصية من صفوف الاسلامويين. ففى هذا التنظيم العقدى الفذ اذا سرق الآخرون أقيمت عليهم حدود الله، أما اذا سرق العضو فكفاه عقوبة ان "تعلق الريب بالوشائج التى تربطه باخوانه من الاعضاء"!

ولكن هناك عاملاً رئيساً يبدو للناظر المحايد وكأنه يتعمد التخفى وراء العديد من مظاهر الصراع وتجلياته. ذلك هو العامل العنصرى العرقى. والذى لا خلاف عليه هو ان حقبة الانقاذ فى السودان تظل من اكثر الحقب إثارة للنعرات العنصرية والاحتقانات العرقية على مستوى الوطن كله. وانت تصيخ السمع فتسمع همهمات، فى شهور الانقلاب وسنيه الاولى، تأتيك من جنبات اللوح، تظهر ضيق بعض الاسلامويين من الانفاق المتزايد على التنمية والخدمات بالاقليم الشمالى ومن الرعاية التى خص بها اللواء الزبير محمد صالح ذلك الاقليم دوناً عن الأقاليم الاخرى، أو كما قيل. وتلحظ بوضوحٍ تام ردة الولاءات فى صفوف أعضاء التنظيم وتراجعها حثيثاً من تخوم العقيدة والمُثل والمبادئ الكلية الى سهول العصبيات القبلية والجهوية، حتى إذا جاءت قسمة المناصب الاتحادية والولائية، كان المنطلق الأساس والسؤال المحورى: أين مكان قبيلتى واين موقع عشيرتى؟! وتقف – أعزك الله - على الاصول العرقية لصراعات السلطة حين ترى فوق اللوح تمترس المستعربين خلف الرئيس البشير ونائبه، لا لشئ الا لأنه تسرّب نبأ فحواه أن الشيخ يزمع ان يقدم لمنصب الرئاسة شخصاً من الغرب الأقصى، من خارج المثلت الشهير! ومالنا والتسريبات والكلام المغطى وبين يدينا جانب من محضر إجتماع عاصف عقد بوزارة الخارجية، تبدّت فيه الوساوس العرقية فى أسوأ تجلياتها، واستعرت الكوابيس الجهوية فى اشنع صورها. وكان القلق قد استبد ببعض المستعربين من بين قادة الانقاذ، بسبب مسارعة المفاوضين المكلفين بملف الحوار مع فصائل الحركة الشعبية الى الموافقة على منح الجنوب حق تقرير المصير، فتناول الكلمة الدكتور الطيب ابراهيم محمد خير، وزير الرئاسة وحاكم دارفور الكبرى لاحقاً، ثم قال بلسان عربى مبين لا عوج فيه "أن وضع ملف الجنوب، كما هو الحال فى الوقت الحاضر، فى يد اثنين من أبناء دارفور، هما العقيد محمد الامين خليفة والدكتور على الحاج محمد ينذر بخطر التضحية بعروبة السودان"! والمعنى فوق جبين الشاعر لا فى بطنه، وهو ان الدكتور على الحاج وصاحبه العقيد محمد الأمين خليفة ليسوا عرباً، بل هما من "الزرقة" الأفارقة الذين لا يجوز ان يستأمنا على عروبة السودان. أرأيت يا هداك الله كيف ضاقت جبة الاسلام بهؤلاء، رغم الشعارات السمحاء، التى تذوب لها المشاعر، والروايات المؤثرة التى تخضل لها اللحى عن الاخوّة فى العقيدة، فلم تسعهم فى نهاية المطاف غير سراويل اللون والعرق والقبيلة؟!

(5)

جزى الله المحبوب كل خير اذ سطّر هذا اللوح المائز وقدمه لبنى وطنه، ينظرون فيه ويتفكرون ويلتمسون من بين سطوره الحكمة والعبرة. ولكننا نأخذ عليه – والصديق من صدق - انه أخفى نفسه كلياً بين ثنايا الاحرف والكلمات، ووارها بين كثيب السطور والفقرات، فما تجد له فى صفحات الكتاب ظلاً ولا ملمحاً. وكأنه لم يكن هناك، يشارك ويعارك، ويخطُّ مع شيخه الخطط ويدبّر التدابير. والاصل فى هذا النوع من الالواح أن تأتى الطروحات فى مسار نقد ذاتى شفاف ينفتح على الداخل بمقدار الانفتاح على الخارج. ثم  تُبرز الوقائع والحادثات عاريةً من الحُلل والثياب فيتغشاها التقويم الموضوعى المنفلت عن رغائب النفس. وينبغى ان يطال التقويم شخصية كاتب اللوح نفسه بعد ذلك – حيثما كان موقعه من الأحوال والحادثات-  تقويماً يستقيم على جادة التقوى ويتجرد للمساءلة،  فيبين مواقفه ويعيّن خطواته ويبرز نتائجها، ثم يرفع للناس حسابه: اين أحسن وأصاب، وأين تنكب الطريق فأخفق فى التعبير عن مبادئه وغاياته. وصاحبى لا يفعل أيا من ذلك، لا فى حالته هو ولا فى حالة شيخه. اذ يقدمه لنا فى صورة مثالية خارقة للعادة لفقيه عابد وقائد وطنى، متجرد من مزالق الهوى، متجانف عن سفاسف السياسة، يسكن قلبه عزة الاسلام وحب السودان. ومثل ميداس فى الاسطورة الاغريقية، الذى كان يلمس الشئ فيستحيل من فوره ذهباً،  كان كل ما يمسه الشيخ الترابى بيده من تشريع او قانون او ميثاق او نهج عام او خطة سياسية يستحيل فى لمح البصر الى مناراتٍ سوامق يقتدى بها الناس، فتهديهم الى دروب الحريات والعدالة والديمقراطية وحقوق الانسان. وكل ذلك مما لا يطابق طبائع البشر كما خلقهم الله فى فطرتهم الأولى، ولا يوافق حقائق الأشياء كما انبسطت جزيئاتها امام الكافة.

الحركة الاسلاموية السودانية عند المحبوب مدرسةٌ كبرى، تحيفت دورها كمؤسسة للعلم ووسيط للتربية، وتضعضعت قواعدها، وتحللت ضوابطها، وطاش عيارها، وتفلّت طلابها، وانسخط اساتذتها، فما يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس. والمسئولية عن ذلك الانحدار المريع والسقوط الشنيع تقع على عواتق كثيرين. ولكن ناظر المدرسة ومرشدها– فى عقيدة المحبوب - ليس من بين اولئك الذين يُرجى منهم ان يتحملوا نصيبا من المسئولية.

انتهى المحبوب الى كتابين: كتابٌ أبيض، هو كتاب الفرقة الناجية، التى استعصمت بقبة المنشية الخضراء، وكتابٌ أسود هو كتاب الفرقة الباغية التى خرجت على شيخها، ثم تمترست فى قبة غردون البيضاء. وما هكذا تورد إبل النقد الذاتى. النقد الذاتى شئ، و(المانيفستو) السياسى شئ آخر. ولكننا نشهد بأن المحبوب قد أفرغ وسعه وأكمل لوحه، بنيةٍ صادقة وقلبٍ سليم، فسدّد ورمى، وأصاب وأخطأ. فنال الاجرين حيثما أصاب، ونال الأجر الواحد أينما أخطأ. والله نسأل أن يثيبه أجزل المثوبة وهو يرفع حسابه الى عشيرته الاسلاموية والى شعبه الطيب.

 

متابعات ومراجعات

وردت ضمن الحلقة الاولى من هذا العرض لكتاب الاستاذ المحبوب عبد السلام اشارة لحديث زعمت أن الدكتور حسن الترابى ادلى به أمام الحشد بمقر القاعة الملكية للآداب والفنون بلندن، بتاريخ السابع والعشرين من ابريل ١٩٩٢، رداً على المحامى الاستاذ عبد الباقى الريح، الذى كان قد وقد واجه الدكتور الترابى، ثم نزع أمام الحاضرين ساقة الاصطناعية، بعد بتر ساقه نتيجة لعمليات التعذيب التى تعرض لها اثناء فترة اعتقاله فى مبنى حكومى بالخرطوم شرق كان يقطنه فى السابق اللواء خالد حسن عباس. والعبارة التى أوردتها على لسان الشيخ الترابى هى: (الرجل كاذب، فليس عندنا بيوت أشباح ولا من يعذب الناس، وانما هى الدعاية المغرضة. بل قطع الاطباء قدمه لأنه مُعتل بداء السكر). الحقيقة هى ان هذه العبارة لم ترد على لسان الدكتور الترابى ضمن رده المباشر على المحامى عبدالباقى الريح فى مقر الجمعية الملكية، بل ادلى بها الشيخ امام جمع من الصحافيين أثناء حفل عشاء عقب اللقاء الحاشد. كما أعاد الشيخ تكرار ذات العبارة فى شكل تصريح صحفى لمندوبى صحيفتين هما الفاينانيشال تايمز الامريكية والغارديان البريطانية، وقد نشرتهما الصحيفتان بذات النص اعلاه فى اليوم التالى مباشرةً. كما اعادت نشر تصريح الدكتور الترابى المشار اليه كل من نشرة "سودان أبديت" ونشرة "آفريكا كونفيدينشيال" اللندنية فى نفس الاسبوع. أما نص رد الترابى على المحامى عبد الباقى الريح بمقر القاعة الملكية فقد كان كالآتى: ( ان صح ما ذكره هذا الشخص فهذا ليس من الاسلام).

 

نصوص خارج السياق

 

"سيكون التاريخ رؤوفاً بي لأنني أنا الذي سيكتبه"

 

 (ونستون تشرشل)