غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

ما نزال مع لوح  الاستاذ المحبوب عبد السلام (الحركة الإسلامية السودانية، دائرة الضوء- خيوط الظلام: تأملات في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ)، الذى رأينا فيه – مثلما رأى غيرنا - طاقةً تنويريةً دافقة تسهم بقدرٍ مقدّر فى تعبيد سككٍ للوعى ظلت مستغلقة، وتسليك مساراتٍ اسلاموية تداخلت شعابها خلال الحقبة التسعينية الموّارة الفوارة. والمحبوب مأجورٌ باذن الله وهو يثبّت للسابلة عند قواطع الطرق الأسهم التى تحدد الاتجاهات، ويدقُّ العلامات التى تبين المداخل والمخارج، ويرفع على الجدران اللافتات التى تحمل أسماء الأحياء والشوارع والأزقة، بحيث يصبح التعرف على معالم مدينة الانقاذ الاسلاموية أقل رهقاً للزائرين المستطلعين وأكثر يُسراً.

وقد ذكرنا فى الحلقة الاولى أن اللاعبين الأساسيين فى مباراة المحبوب العشرية ينقسمون فوق صفحات الكتاب انقسامات مفصلية الى فريقين تقع عليهما تصنيفات قطعية: أهل دين وأهل دنيا؛ رجال مبادئ ورجال هوى؛ ملتزمون أوفياء ومتآمرون خونة؛ متشبثون بأعنة الحكم وأرائكه وطنافسه، وزُهّاد عُبّاد لا يرون في السلطة إلا البلاء والابتلاء. ولا غرابة من حيث المبدأ، ولا حرج، فى مثل هذا الضرب من التصانيف، فالحركة الاسلاموية السودانية لم تكن الشاة السوداء وسط القطيع، كما يقول الفرنجة. لا هى بالاستثناء المفرد من سنن الانسانية الجامعة، ولا هى بالطائر الشارد عن نواميس الكون. فالحركة – فى المبتدأ والمنتهى - قوامها الناس، وفى مضربهم الملائكة، وفى نقعهم الوسواس الخناس. والبشر هم البشر، منذ وضع آدم قدميه على أديم الأرض. وفى الزمن القديم قال ميكافيللى: "المال والسلطة هما محور التاريخ الانسانى". فإذا افتتن بهما اخوة الامس، وتمايزت منهم الصفوف، فارتدوا مفتونين يضرب بعضهم رقاب بعض، فحدّق، يا هداك الله، فى أُفق الدنيا العريض وتأمل عبرة التاريخ: هل كذب ميكافيللى؟! كلا. ولكن الحقيقة أحياناً تؤذى النفس وتثقل الفؤاد!

(2)

غير أن الذى يبدّد ريشنا وينغّص عيشنا ونحن نعاظل لوح المحبوب هو ان بعض حجاجه لا يستقيم لنا، حتى اذا أعدنا البصر كرتين حسبناه لجاجاً. مع اننا نستقيم لحجاجه ونهش له، ونفرش له المطارف والحشايا، لا لشئ الا لأنه إن قام على سوقه ونهض وافق هوانا. وهوانا غلاب، كما أن هوى المحبوب غلاب. وعلى ذات المنوال كان حال بعض روايات الكتاب، على دقةٍ ظاهرة فيها وبيانٍ مستفيض وتفصيلٍ مستعمق. وهى رواياتٌ أريد لها ان تقيم الحجة على أهل الصف الخؤون الوالغ فى الفتنة، ولكنها بدلاً عن ذلك أثارت فى ربعنا من شواظ الأسئلة بأكثر مما أرسلت من نسائم الاجوبة.

غير أن الأدهى من ذلك كله هو أننى عندما فرغت من مطالعة اللوح ركبنى همٌّ وهيط وانتابنى احساسٌ طاغٍ بأننى وقفت لتوى على مشروعٍ يشبه ذلك الذى يعرف فى الفضاء العام بالاسم الذائع فى مضامير القانون والجريمة المنظمة ب (مشروعات غسيل الأموال). الذى خيّل الىّ، مع اننى، علم الله، أحسن الظن بالمحبوب إحساناً يجاوز المدى، هو ان لوحه يترجم مشروعاً متكاملاً لغسيل "الأحوال". واذا لم يكن لمصطلح "غسيل الأحوال" هذا وجودٌ فى الحقول المعرفية المعاصرة فها أنا ذا أُبادر فأخترعه اختراعاً، وأفترعه افتراعاً. وغسيل الأحوال كممارسة احترافية يتم فى صورته المثالية عندما يقوم مشارك أساسى فى قضية خلافية برصد ومتابعة الاحوال والتطورات والوقائع، كما كرت سبحتها وانفرطت حبيباتها، عبر المسار الزمنى الذى تمددت خلاله القضية، تماماً كما يفعل رجال التحرى فى الدفاتر الشرطية التى تعرف باسم دفاتر الاحوال. ثم يعمد من بعد الى إعادة تدوين المجريات بدقة متناهية، على ان يتلازم ذلك كله مع خطوة موازية وهى غسيل جميع  المعلومات والبيانات، محل الرصد والتحليل، فى مغسلة الكترونية اوتوماتيكية، بالماء الساخن مضافاً اليه صابون "تايد" المعطر، ومادة الكلوريكس المطهرة. ولا تختلف عمليات "غسيل الاحوال" هذه الى حد كبير عن عمليات غسيل الملابس العادية، حيث يقوم الغاسل فى نهاية المطاف بالحصول على ملابس نظيفة تماماً، وقد أزيلت عنها كل البقع المتسخة والتشوهات والعوالق والروائح غير المستحسنة، فيبدو الانسان وهو يرتديها فى أبهى حال وأزهى مآل من الوجهتين الحسية والنفسية!

هل نحتاج فى مقام الشرح والإبانة الى تقديم امثلة لعمليات غسيل الأحوال فى كتاب المحبوب؟ حسناً. خذ هذا المثال: عندما تقف الحركة الاسلاموية بكل خيلها ورجلها، صفاً واحداً، الى جانب الرئيس المخلوع الراحل جعفر نميرى فتهلل وتكبّر لمأساة اعدام مفكر مثل الاستاذ محمود محمد طه، ويعتبر قادتها وعلى رأسهم الشيخ حسن الترابى الاعدام فتحاً للاسلام ونصراً للمسلمين، وينعتون الشهيد محمود بأنه رجل فاسد العقيدة؛ عندما يقع ذلك كله تحت أسماع وابصار أبناء السودان اجمعين، ثم يعود المحبوب بعد ربع قرن من ذلك التاريخ ليصف فى لوحه اعدام الاستاذ محمود بأنه "انتكاسة" فيكتب: (ولكن الانتكاسات لم تلبث أن توالت حيث اقدم النميرى على اعدام رئيس الحزب الجمهوري الاستاذ محمود محمد طه..)، فإن ذلك يعد مثالاً ناطقاً لعمليات "غسيل الأحوال". التاريخ يقرر أن الحركة الاسلاموية شاركت ومهدت لاعدام الاستاذ محمود قبل التنفيذ، ثم باركت واحتفت وأبدت عرفانها للنميرى بعد التنفيذ. أن يوصف محمود بأنه مرتد، وأن اعدامه نصر للاسلام فى العام ١٩٨٥، ثم تُزال صفة الردة بأثر رجعى وتسحب من الاوراق سراً وبدون اعلان، وتُسبغ على الرجل صفة (استاذ) وتعاد تسجيل واقعة اعدامه فى دفاتر المسجل العام تحت عنوان "انتكاسة" فى العام ٢٠١٠م، فذلك ولا ريب غسيلٌ للاحوال، يعيد انتاج تاريخ مازالت الشرايين فى قلبه حيةً تنبض. وغسيل الاحوال باعادة انتاج التاريخ غير جائز وغير مقبول!

(3)

يذكر المحبوب ان الشيخ الترابى الذى دخل السجن حبيساً غداة الانقلاب، بادر من فوره بلقاء السيدين الصادق المهدى ومحمد عثمان الميرغنى ودعاهم الى التوافق على اجماع يرسم ملامح مرحلة جديدة فى تاريخ السودان، ويحقق الاتفاق حول كلمةٍ سواء تصل الى من اختاروا الاشتراكية والقومية من أبناء الوطن فيتوافقوا معهم على عدالة الاسلام والوصال مع الجوار العربى والاقليمى. ثم ان السيدين لم يتجانفا العرض من حيث المبدأ، بل ربما استحسناه، ثم طلبا ان يُحمل المقترح الى الشيوعييين والبعثيين والافريقيين باتجاه مزيد من الاجماع الوطنى. غير ان المحور المضاد للترابى، اى محور الاستاذ على عثمان محمد طه، الذى يرد اسمه فى الكتاب بصفة نائب الامين العام، سعى وعلى الفور لقطع الطريق على مسعى الشيخ الترابى لرأب الصف الوطنى واستعادة الديمقراطية، فأوعز النائب وجماعته الى رجال الأمن فأخذوا السيد الصادق المهدى من محبسه ليلاً والحقوا به إساءات جسيمة. وكان المراد من هذه الخطوة المستقبحة افساد خطط الشيخ الهادفة لتكريس الوفاق الوطنى واستعادة الحياة الديمقراطية، وان تكون– بحسب المحبوب- رسالة بالغة للشيخ الترابى نفسه مفادها أن الثورة لن تصطلح مع الأحزاب! نفهم من هذا ان العداء بين الشيخ الترابى ونائبه كان قد استعر لظاه واتّقدت جمرته منذ الايام والاسابيع الاولى للانقلاب، بحيث شرع النائب فى تفتيش نوايا الشيخ تفتيشاً تعسفياً ونهض الى افشال خططه وتدابيره من خلال آليات الدولة التنفيذية والأمنية. ولكننى أجد صعوبة بالغة فى تمثّل هكذا سيناريو للاحداث والاعتداد به، كون منطق الأشياء لا يسعه. لا سيما وان المحبوب يبذل جهدا خارقاً لرسم صورة طوباوية للشيخ الترابى تظهره وكأنه كان يتحرق شوقاً منذ صبيحة الانقلاب لاستعادة الديمقراطية، فى مواجهة شغف مدمر عند نائبه لاحتكار السلطة وفرض نظام تسيطرى مطلق.

كتب صاحبنا حول موقف شيخه من الانتقادات المريرة لسجل النظام فى مجال حقوق الانسان فى شهور الثورة الاولى:(استطاع الامين العام ان يواجه الانتقاد بروح تغلّب الأمل فى المستقبل والرجاء فى التغيير القريب). وكتب فى صدد تبيان أسس الخلاف بين الشيخ ونائبه ان جوهر النزاع يتمثل فى (حديث الشيخ الدائم عن تأصيل معنى الحرية فى الحياة العامة والتعبير عن ذلك فى وثائق الحركة، ثم نظمها وقراراتها وعملها، ثم عزمه تقديم مقترح قرار لهيئة الشورى الخاصة يبيح حرية التعبير للصحف وحرية التنظيم للاحزاب). وفى مواجهة ذلك الموقف العدالى الديمقراطى المتعلق بالحريات يتقاطع موقف الاستاذ على عثمان وجماعته، التى ترتعد من سيرة الديمقراطية وبسط الحريات العامة وتخشى ان تُعيد تلك الحريات الى السلطة القوى الموتورة التى اطاحها الانقلاب فتنصب المشانق لأهل الانقاذ.  وتقرأ الى ذلك كلاما كثيفاً عن ايمان الشيخ وتمسكه بمبدأ سيادة المجتمع وهيمنته على الدولة، فى حين كانت قوامة الدولة على المجتمع هو النهج الايمانى السائد عند النائب ومحوره.

بيد أننا نعلم – ويعضدنا المحبوب بلا ريب - ان الشيخ الترابى كان هو نفسه من الدعاة الاصلاء للانقلاب على الديمقراطية عند بسط الامر والتباحث حوله فى القنوات الحزبية داخل تنظيم الجبهة الاسلامية القومية، حيث قدم اطروحات فاعلة تعضد الفكرة وهى بعد حلمٌ يهّوم فى عالم الخيال، وتعزز الخطة اذ هبطت من علياء الحلم الى مدارك التطبيق. ثم نهض الشيخ بهمة عالية وحماسة منقطعة النظير بدور قيادى مؤثر فى صدد التهيئة للتغيير العسكرى واحكام تدابيره، لدرجة أنه قام قبل شهرين من الانقلاب بزيارات الى بعض الدول الاجنبية للالتقاء ببعض عناصر الحركة بالخارج والتبشير بالانقلاب وتأمين مزيد من التأييد له فى اوساط اسلامويي الخارج. بل ان غلاف كتاب المحبوب نفسه يشتمل على فقرة مركزية يرد فيها وصف الشيخ الترابى بأنه ( الصانع الأكبر لما جرى)! وكل هذا يجعلنا نهباً للحيرة ونحن نصيخ السمع الى مزاعم تحاول ان تشى بأن الشيخ سعى بُعيد الانقلاب بأيام واسابيع معدودات بنيةٍ صادقة صافية للوصول الى تدبير تراضوى مع قادة الاحزاب يمهد الطريق لعودة الديمقراطية بأعجل ما يتيسر، وان اهتمامه بتأصيل معانى الحريات العامة وفرض مضامينها كان هو جوهر خلافه مع نائبه منذ مشرق شمس الانقلاب.

(4)

ثم ان لوح المحبوب يتركنا فى حاجة الى تفسيرات كثيرة تلقى لنا بضوءٍ كاشف على بعض التناقضات التى تكتنف تسلسل الاحداث وتداعيها عبر عشرية الانقاذ الاولى. كانت الخيانة والتآمر والرغبة فى الاستئثار بالسلطة قد بلغت مبلغاً سعد معه النائب واعوانه بهدية القدر اليهم حين تعرض الشيخ الى واقعة الاعتداء التى عرفت ب "حادثة اوتاوا" فى العام ١٩٩٢، فسعوا الى احكام الحصار حول الشيخ وتحييده واضعاف وجوده ومحو اثره. جاء فى اللوح:(استقبلت الدائرة الاضيق بقيادة نائب الامين العام أنباء الحادث بصمت مطبق، وفيما تحركت دوائر فى السياسة والاعلام من أبناء الحركة، يحفزهم النبأ المريع، صدرت توجيهات واضحة من النائب تمنع خروج اى بيان من جهة رسمية يدين الحادث). ثم:( وفيما انفعلت وتفاعلت جهات كثيرة فى الحركة مع الحادث، ظلت جهة واحدة فى الحركة ساكنة، كأن شيئاً لم يكن، هى دائرة نائب الامين العام). حسناً، لو كان الحال قد ساء بين الزعيمين الى هذا الحد المؤسف، وتبينت للشيخ ومشايعيه خفايا شخصية نائبه وحقيقة نواياه منذ الاشهر والسنوات الاولى لانقلاب الانقاذ، فما هو المنطق وما هو الدافع وراء مبادرة الشيخ، وفقاً لرواية المحبوب، باختيار نائبه المتآمر لشغل منصب وزير التخطيط الاجتماعى فى العام ١٩٩٢، لا سيما وانه يقول عن تلك الوزارة:(وهى وزارة كان الامين العام يقدر لها شأناً عظيماً لحركة اسلامية غايتها تجديد المجتمع وتبديله على نحو شامل وفق اصول ومبادئ الاسلام). غير ان الحيرة تصل غايتها حقاً عندما تقرأ عن اختيار الشيخ الترابى للاستاذ على عثمان لتولى أعباء وزارة الخارجية فى العام السادس للثورة، فقد جاء فى الصفحة ١٤٩:( تولى الاستاذ على عثمان وزارة الخارجية ضمن رؤية للأمين العام اقتضت تقلبه بين الوزارات لتمام الخبرة، وهو يُهيأ  لتولى مقعد الامين العام للحركة الاسلامية فى المستقبل المنظور).

سبحان الله. لماذا وعلى أى أساس يريد الشيخ الترابى بعد ست سنوات من حكم الانقاذ رأى فيها رأى العين الواناً من تآمر نائبه واجندته السرية وميوله الشيطانية، ومجافاته سراً وعلناً لخطة الشيخ لاستعادة الديمقراطية وبسط الحريات وتأكيد قوامة المجتمع على الدولة، لماذا – والحال كذلك - يريد ان يجعل من هكذا نائب خليفةً له على قيادة الحركة الاسلامية فى المستقبل المنظور، فينعم عليه اختياراً وبمحض ارادته بمزيد من ريش السلطة، ويُنبت القوادم فى جناحه، ويعده ويحسن تدريبه وتأهيله على النحو الذى اطلعنا عليه المحبوب؟! أرأيت يا رعاك الله  كيف اننا نستقيم لصاحبنا ولكن طروحاته لا تستقيم لنا؟!

(5)

أشار الاستاذ كمال الجزولى فى روزنامته قبيل أسابيع قلائل الى ما كشف عنه المحبوب فى لوحه بشأن اباحة الحركة الاسلاموية للتزوير فى الانتخابات على اطلاقها، والتوسع فى ممارسته بغير روادع من دين او كوابح من خلق، فى منافسات الحركة عبر الحقب مع خصومها فى اتحادات الطلاب والنقابات المهنية وغيرها من المحافل والمواقع. جاء فى اللوح عن التزوير:(.. برعت فيه الاجهزة الخاصة للمعلومات والأمن، وظلت تتحالف لإنفاذه وتمام نجاعته عضوية الحركة فى الأجهزة الشعبية والرسمية لتكسب به مقاعد الاتحادات والنقابات). ونذكر أن صديقنا الحركى الاسلاموى السابق الدكتور عبد الوهاب الافندى كان قد المح فى مقال له، قبل حوالى العام، الى نموذج من نماذج التدابير التى يُعتقد ان الحركة كانت قد لجأت اليها للتأثير على نتائج الانتخابات على منصب رئاسة الحركة الاسلامية، التى كان قد جرى التنافس عليها فى زمن مضى بين الاستاذين على عثمان وغازى صلاح الدين. وكان الافندى قد أشار الى ان الجهة المنظمة للعملية الانتخابية نصبت كاميرات خاصة داخل غرف التصويت، بحيث يمكن مراقبة الاعضاء وهم يمارسون عملية الاقتراع، والتعرف فى ذات الوقت على الصندوق الذى القى فيه كل مقترع بطاقته الانتخابية.

ولكن دعنا من ذلك كله فليست الشكوى من ضلوع الاسلامويين فى التزوير على اطلاقه هو مبتغانا. انما نريد ان نتوقف أمام واقعة بعينها: حكى المحبوب ان قيادة الحركة، والمقصود هو الشيخ الترابى، كانت قد قررت فى العام ١٩٩٧ اثناء انعقاد المؤتمر القومى العام للحزب الحاكم ترشيح الدكتور غازى صلاح الدين لمنصب الأمين العام بدلاً عن الاستاذ الشفيع احمد محمد الذى كان يشغل ذلك المنصب. ولكن كتلة دارفور (ومن حالفها)، التى تشكل اغلبية مقدرة، رفضت ترشيح الدكتور غازى وأصرت على استمرار الشفيع فى موقعه، وان ذلك الموقف شكل مفاجأة لقيادة الحركة. لماذا؟ لأن الحركة – فى عقيدة المحبوب- لم تعتد على مثل هذه المواقف الاعتراضية الصارخة من عضويتها، اذ كانت مثل هذه الامور تدبر تدبيرا داخلياً ثم تخرج للعلن. وكانت فى كل الاحوال تمضى، كما خطط لها، من الباطن الى الظاهر فى سهولة ويسر. ثم جاء فى اللوح:(القيادة ظلت تختار وتقرر والقاعدة ظلت توافق وتُقرْ). أقرأ ذلك فلا اكاد اقاوم الاغراء بأن اذكّرك – أعزك الله – بأن ذلك كان حال الحركة التى كانت عبر السنوات والحقب تفاخر بأنها تجتذب القطاع الاكبر من عضويتها من اوساط المتعلمين، وتعرض فى لوحات كبيرة عند كل مناسبة انتخابية عدد وأسماء الحاصلين على درجات الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس من بين مرشحيها. وهى ذات الحركة التى كان قادتها يعايرون قادة الاحزاب التقليدية بعار "الاغلبيات الميكانيكية"!

ما علينا. فليس ذلك، مرة اخرى، هو اكبر همنا. الذى نريد ان نثبت قواعده هنا هو ما اشتمل عليه اللوح من بيان واضح الى ان قيادة الحزب الحاكم لجأت الى التزوير المباشر لضمان فوز مرشح القيادة الدكتور غازى صلاح الدين، الذى اعلنت لجنة الانتخاب فوزه دون اشارة الى عدد الاصوات التى حصل عليها!! كل ذلك مفهوم. الذى لا نفهمه هو ان التزوير الذى استهل به المؤتمر الوطنى عهده كتنظيم سياسى للحركة الاسلامية فى العام ١٩٩٧ تم بحسب المحبوب ( بتواطوء تام من قيادة فى المؤتمر مع لجان الانتخاب). ولولا حرف الجر "فى" لكان المقصود هو الشيخ الترابى شخصيا، فقد كان هو حتى ذلك التاريخ وبعده بقليل فى موقع القيادة الفعلية المطلقة بلا منازع. ولكن حرف الجر يعفى الشيخ وينقل التهمة الى "قيادة فى المؤتمر" دون تسمية. ولكنك لو قرأت اللوح من اوله الى آخره لما اعوزتك التسمية، فالمعنى هو النائب على عثمان. عظيم. وها نحن نسعى هنا مرة اخرى الى ان نقبل حجاج المحبوب بذهنٍ مفتوح وقلبٍ سليم، لولا العقبات التى تنهض فى طريقنا فتسد علينا الطرق كلها. أول هذه العقبات اننا نقرأ فى ذات المكان من اللوح ان النائب على عثمان لم يكن فى الاصل راضياً عن مرشح القيادة للمنصب، بل كان يهمس همساً برأى معارض. ثم انه اقترح اختيار شخص آخر للمنصب، وهو العقيد (م) محمد الامين خليفة. ولما لم يجد النائب وسيلة لازاحة الدكتور غازى آثر الصمت على مضض. لماذا؟ يجيب صاحبنا:(اذ ظل نائب الامين العام يزهد فى المجادلة والمواجهة مؤثراً المسايرة الصامتة لآراء وقرارات الامين العام). هل اختلط عليك الأمر مثلما اختلط علىّ؟! اذا لم يكن الامر كذلك فأعنّى يا هداك الله على استيعاب هذه الصورة: الأمين العام الشيخ الترابى يختار الدكتور غازى صلاح الدين للمنصب، ثم يفرضه فرضاً على غالبية عضوية التنظيم التى لم تكن تحبذ الترشيح. وسلطة الامين العام هنا مطلقة بدليل ان النائب الذى لا يقر الترشيح ويعارضه يؤثر الصمت والانزواء زهداً فى المواجهة برغم رأيه المخالف. ثم يتطور الامر الى حد تزوير الانتخابات كلها امضاءً لارادة القيادة وانفاذاً لحكمها. ومع ذلك كله فإن المتهم بتزوير الانتخابات واعلان فوز الدكتور غازى على نحوٍ مرتبك (دون تحديد لعدد الاصوات التى فاز بها) هو النائب على عثمان وشيعته ليس الشيخ الترابى ورهطه! وهنا لا نجد عندنا ما نقول سوى: قاتل الله غسيل الأحوال!

(5)

بسطنا الاسبوع الماضى روايةً وردت فى اللوح بشأن المسئولية عن صياغة البيان الاول لانقلاب الانقاذ الذى تلاه العميد عمر البشير صبيحة الثلاثين من يونيو ١٩٨٩. ومقتضى الرواية – كما وردت فى لوح المحبوب- ان البيان قام بصياغته نائب الامين العام على عثمان، وأنه برغم وجود اتفاق مسبق بأن يتم تضمين البيان فقرة تؤكد استعادة الحريات وتسليم الحكم للشعب ريثما تستقر الاحوال السياسية والعسكرية فى البلاد، فإن من قام بصياغة البيان أغفل اضافة تلك الفقرة. الا أنّ الصحافى النابه عبد الوهاب همت الذى قام مؤخراً بإجراء حوار مطول مع القيادى الاسلاموى الرفيع الدكتور على الحاج محمد، نشرته صحيفة (اجراس الحرية) على مدى اربعة حلقات، اورد جانباً من الحوار جاء فيه على لسان الدكتور على الحاج، الذى يُعرف عنه انه كان واحداً من مجموعة السبعة التى اوكلت اليها الجبهة الاسلامية تنفيذ الانقلاب، رواية مختلفة لقصة البيان الاول. وفقاً للدكتور على الحاج فإن البيان قامت بصياغته لجنة مكونة من مجموعة من الأشخاص، وعند فراغ  اللجنة من الصياغة، تم عرض مسودة البيان على الامين العام الشيخ حسن الترابى الذى اطلع عليه. ويفهم من صياغة الحوار ان الشيخ أجاز البيان على النحو الذى عرض عليه. وقد وجدت من الاهمية بمكان ان اشير الى هذا التباين بين الروايتين. وأنا اذ انقل هنا رواية الدكتور على الحاج، كما رصدتها الصحيفة، فاننى لا اعضّدها او اتبناها بأى حال من الاحوال. فقد قرأت فى إفاداته هو أيضاً خلال حلقات الحوار الطويل بعض مظاهر "غسيل الاحوال"، وفى نيتى ان اعود اليها فى وقتٍ لاحق. غير اننى أفضل ان افرغ اولاً من غسيل المحبوب، قبل ان انهض الى غسيل على الحاج!

 

عن صحيفة "الأحداث" - 17 فبراير 2010

 

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal