غربا باتجاه الشرق:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
 تطرقنا الأربعاء الماضية تحت ذات العنوان، الذى انتزعناه إنتزاعا من مقال للدكتور عادل مصطفى أحمد الاستاذ بكلية الهندسة والعمارة بجامعة الخرطوم، نشرت الجزء الأول منه صحيفة الايام سنة ١٩٨٧، الى بعض مظاهر (التهريج) فى الحياة العامة إجمالا، والأداء الاعلامى والصحفى تخصيصا. وقد صرفنا قسطا من طاقتنا خلال الأيام التالية من بحر الاسبوع فى التلاحى مع بعض أصدقائنا من أهل الاعلام والصحافة السودانية، ممن كانت لهم تفسيرات مغايرة لمشاهد الدراما التلفزيونية التى أداها ببراعة عالية الرئيس التركى رجب طيب اردوغان فى منتدى دافوس بسويسرا فى التاسع والعشرين من الشهر الماضى. فأما الاستاذ أحمد كمال الدين، رئيس تحرير سوداناو الأسبق، الذى وأن اتفق معنا على ان الدراما الاردوغانية ربما كانت فى واقع الأمر زوبعة فى فنجان الا انها، يقول أحمد: ( وقعت فى زمن شحت فيه الثورات. ولو قرأنا الحادثة –  كما قرأتها - من حيث التخطيط والادارة لتوجهنا معك باللوم الى اردوغان، ولكننا نحب الثورة ونحب تكسير المؤسسات المفهومية التى تكرس لواقع ظالم ). لم ننته الى شئ فاتفقنا على الا نتفق وأن يضع أحمد وجهة نظره المغايرة فى مقال مستقل ستنشره (الأحداث) خلال اليومين القادمين.
 وأما صديقنا الآخر، صاحب (حديث المدينة ) المهندس عثمان ميرغنى فقد رأى اننا كنا متحيفين فى تقويم المشهد الدافوسى الاردوغانى، وأننا فهمنا كلمة " حوار" ( بمعناها الحرفى النصى المباشر وليس بمعناها الشامل. وأنه لا يصح فى الحالة التى بين أيدينا ان نفترض بأن لفظة حوار تعنى مجرد الكلمات الأثيرية المبثوثة خلال اللقاء)، فالحوار هنا يتمدد ليشمل عناصر وعوامل وتفصيلات متعددة قدم عثمان أمثلة لها، ثم أضاف بأنه ( يمكن فى مثل هذه المحكات إستثمار السوانح الطارئة لخلق كفة الترجيح وتكملة بلاغة الحجة والمشهد. وفى التقدير العام فأن اردوغان قال ما عنده ولكن بذكاء، ثم أضاف اليه مشهدا مصورا يكمل به بقية المعنى المراد إيصاله عبر الحوار). والقضية هنا – بحسب عثمان – ( فيها بعض ملامح ما فعله منتظر الزيدى فى المؤتمر الصحفى للرئيس بوش: هو أراد رسم صورة كاريكاتورية ليترك للاعلام، بعد ذلك، قراءتها ونشرها على أوسع نطاق، وقد نجح فى ذلك)! غير أننى، بعد إنعام النظر فى بديع نظم صاحبى "الكوز" هذا – ما زلت أجد نفسى على الضفة الاخرى المقابلة، وأرى المسافة بين الضفتين مما يصعب تجسيرها، بل أننى أستشعر فى ثنايا منطقه واسلوبه فى المناظرة وتداول الحجج شيئا من هيبة وجسارة شيخه الأول، العلامة حسن الترابى، وقدراته الفذة التى تحيل من فسيخ المُشكل من القضايا شرباتا، ثم ترده فسيخا، وقد تعيده – بعد ذلك - سمكا بلطيا سويا. حيا الله أخانا عثمان وفك أسر الشيخ الترابى.
(2)
 قلنا أن بهلوانات السيرك الاعلامى العربى قد نصبوا اردوغان وشافيز معتصمين جديدين للأمة. وتحدثنا عن أردوغان ومعاركه الدونكيشوتية. ولعلنا نقف هنيهة فى مقامنا هذا عند رصيفه هوغو شافيز فنتعرف على أطراف من بطولاته هو أيضا. كيف لا والرجل قد تحول الى اسطورة شعبية  كاسحة، فصوره ترفع فى المسيرات الشعبية من طنجة الى جاكارتا، وإسمه يتردد كما الطبل فى  الدور والمحافل. والكولونيل شافيز هو صاحب أول انقلاب عسكرى فى فنزويلا عام ١٩٩٢، وقد أنتخب رئيسا للبلاد فى ديسمبر ١٩٩٨.  وشخصية شافيز – كما برهنت الاحداث والوقائع – تكاد تطابق مطابقة كلية - لكأنها النسخة الكربونية – شخصية زعيم عربى معروف، حكم بلاده لأربعة عقود بتمام وكمال، بدد مواردها وثرواتها على أعمال الخير الثورية وأوجه البر الوحدوية، وجعل من إظهار العداء للولايات المتحدة ومبارزتها محور سياسته ومادتها لثلاث عقود ونصف  قبل أن ينكص على عقبيه ويرفع الراية البيضاء، بعد أن رأى بعينيه رأس الثور الأبيض يتدلى من على حبل المشنقة فى بغداد فى أول يوم من أيام عيد الفداء، فعرف أن اليانكى حق!
 وقد جاء شافيز الى السلطة فى ظرف تاريخى مواتى. فقد كان نصف الشعب الفنزويلى يعيش فى فقر مدقع، وقد  بلغت معدلات العطالة ٢٧٪ من اجمالى القوى العاملة، وربع مليون طفل يمارسون مهنة التسول فى الشوارع. وذلك فى وقت تحتل فيه فنزويلا المرتبة الرابعة من قائمة مصدرى النفط فى العالم، وقد جنت خلال عقدين من الزمان، من مبيعات المحروقات، نحوا من ثلاثمائة مليار دولار! غير أن شافيز ما أن توهط فى مقعد الرئاسة حتى سلك سبيل من سبقه من العسكر الذين قادتهم الدبابات الى مقاعد الحكم من ركون الى التهريج السياسى واصطناع الأعداء الخارجيين  وتطويع لنظريات المؤامرة باختلاق أعداء محليين وتحريض الفقراء ضدهم، فضلا عن السعى الحثيث لتكريس السلطة وتطويع التشريعات وتعديل الدساتير بهدف تأمين البقاء والتمترس فى الحكم مدى الحياة، وذلك من خلال استفتاءات تشبه إستفتاءات  الجنرال إرشاد ، حاكم  بنغلادش خلال الثمانينات، ( من أمثلة إستفتاءات إرشاد استفتاء كانت صيغة السؤال فيه تقول: "هل توافق على ان يستمر الجنرال ارشاد فى الرئاسة لسبعة سنوات اخرى وتكون الشريعة الاسلامية مصدرا للتشريع"، والمطلوب اجابة واحدة موحدة على السؤال المركب: نعم او لا . ومن لا يحب الجنرال إرشاد لا يحب الله، ومن يرفض رئاسته يكون كمن رفض الاسلام)!  وقد كان السياسى والكاتب السودانى الكبير عبدالعزيز حسين الصاوى فى طليعة المثقفين على مستوى العالم العربى ممن تنبهوا الى الأكذوبة الشافيزية، وساءهم تشبث الشعوب العربية – اليائس - بأهداب حبالها المهترئة. وقد كتب الصاوى سلسلة مقالات نشرتها جريدة ( الصحافة ) قبل عدة أسابيع نبه من خلالها الى مظاهر الاستعداد والقابلية التلقائية لشعوب العالم الثالث – ونحن فى قلبها النابض – الى التعلق بقيادات عالمية مبهمة مثل شافيز ( بحيث يجد هؤلاء انفسهم منجذبين بصورة لا شعورية الى مثل هذه النماذج فى ضرب من التعويض النفسى عن الخيبات والإنهيارات الموجعة التى انتهت اليها تجاربهم الثورية وأحلامهم الكبرى حول تحرير الأرض والانسان).  كما نبه  الصاوى الى ما دل عليه الفحص المتأمل لتجربة فنزويلا الماثلة تحت قيادة شافيز من ميل واضح لإهتبال الفرص وتعبّطها وتغليف السياسات والمواقف بشعارات ضخمة وزخارف استعراضية واستدرار للدعم الشعبى بغير وسائط الديمقراطية، ومن ثم إضعاف الركيزة الأساسية لبنيتها التحتية.
 والواقع أن كثيرا من المحللين السياسيين والمراقبين المحايدين الذين ظلوا يرقبون عن كثب تجربة فنزويلا خلال السنوات الأخيرة إنتهوا الى ما يشبه اليقين بأن شافيز قد قطع شوطا كبيرا فى طريقه لتعميد نفسه باعتباره روبرت موقابى امريكا اللاتينية! فكما لم يجد موقابى أمامه الا بقايا البريطانيين، الذين آثروا الحياة والاستقرار فى زمبابوى بعد إستقلالها، لبناء قاعدة شعبية على حساب حقوقهم التى كفلتها لهم القوانين، كذلك فعل شافيز الذى وطن برامجه الشعبوية على مصادرة الأراضى من ملاكها وإعادة تقسيمها على الفقراء فى مظاهرات غوغائيه دون قاعدة من جدوى إقتصادية أو مسوغ من مشروعية قانونية. ولكن ذلك ليس مبلغ علمنا ولا أكبر همنا فى أمر هذا العمل المسرحى الجديد، فالهوجة الاعلامية العربية التى نصبت شافيز مؤخرا نائبا لمعتصم الأمة (على أساس ان اردوغان هو معتصمها)، لم يكن منطلقها الأساس هو ممارسات شافيز على الصعيد الداخلى، بل موقفه من العدوان الاسرائيلى الأخير على غزة وإعلانه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إحتجاجا على ذلك العدوان حسبما استقر فى الشعور العام. غير أن الوسائط الاعلامية العربية أخفقت إخفاقا ظاهرا، وسط  هدير التهليل والتكبير بهذا التوفيق الالهى الذى قذف بالسهم اللاتينى الشعبوى لمؤازرة الأمة بعد أن غاب النصير وعزت النصرة، وتقاصرت عن أن تبين للناس النصف الآخر من الحقيقة فى أمر قطع شافيز علاقاته بدولة اسرائيل وهجومه السافر العنيف عليها. إذ ليس صحيحا أن شافيز رأى على الشاشات بشاعة العدوان الاسرائيلى وجثث الأطفال فانفطر قلبه وانشرح صدره للحق. الحقيقة الماثلة على أرض المسرح السياسى الفنزويلى تحدثنا بغير ذلك! والحقيقة أحيانا لها أكثر من وجه!
(3)
 كان هوغو شافيز قد دشن قبل ستة سنوات - فى إطار هدفه لتكريس زعامته - مشروع حملة عدائية  كاسرة ضد يهود فنزويلا. وتأسيسا على مبادئ نظرية المؤامرة فانه أخذ يردد فى خطبه الجماهيرية، سيما فى المناطق الشعبية المضروبة بالفقر، أن معاناة الشعب وراءها عدوان إثنان: الولايات المتحدة ويهود فنزويلا. وما كان من أمر إعتداده وتفاخره بالعداء للولايات المتحدة والألفاظ النمطية التى يرددها فى خطبه من قبيل ( طظ فى امريكا) هى من علم الكافة. ولكن العمق التاريخى والسياسى لخططه الهادفة لتحميل يهود بلاده وزر معاناة الشعب الفنزويلى ليس متداولا بما فيه الكفاية خارج حدود فنزويلا بحيث يتبين الآخرون حقيقة الاجندة التى تضبط خطواته، فيعرفون مثلا أن تسليط الضوء على أحداث غزة، وتسيير حكومة شافيز فى فنزويلا للمواكب الشعبية المنددة باليهود، إنما يرتبط فى الأساس بأجندة داخلية الغرض منها تأكيد ما يردده الرجل لشعبه من أن اليهود هم أس البلاء وخميرته، وليس الرغبة فى الوقوف مع الشعب الفلسطينى من حيث أنه شعب ذى قضية.  بلغت حملة شافيز ضد اليهود ذروتها عند القائه خطاب رأس السنة فى العام ٢٠٠٥ حيث وصف اليهود بأوصاف مقذعة وأطلق عليهم وصف ( أحفاد من قتلوا المسيح )، ثم انطلق بعدها الى المناطق الشعبية من فنزويلا فى جولة جديدة ضد اليهود ردد فيها ذات اقواله السابقة من أن اليهود يتآمرون على الشعب الفنزويلى ويتحكمون فى اقتصاده. وبسبب من الجو العام الذى خلقته هذه الحملة شهدت فنزويلا سلسلة إعتداءات مروعة على المنشآت اليهودية، حيث اقتحمت مجموعات مسلحة، أجمع المراقبون على أنها مكونة ومدعومة من كادرات الحزب الحاكم، عددا من المعابد والدور اليهودية فى العاصمة كاراكاس وغيرها. كما تقول العديد من المصادر الصحافية أن الحكومة هناك ضالعة حتى اذنيها مع المجموعات التى تقوم بطلاء الجدران بعلامات وشعارات معادية لليهود. وخلال السنوات الماضية قامت العديد من المنظمات الحقوقية بمخاطبة حكومة شافيز داعية إياها الى نبذ خطاب الكراهية وانتهاج منهج جديد يقوم على تعزيز التسامح والتعايش وإحترام الاديان والمعتقدات.
 والآن، ومع كل ما تقدم فى خلفية تفكيرك، أيها الأعز الأكرم، هل انقدح فى ذهنك السؤال: كم هو تعداد اليهود فى فنزويلا؟ سأعطيك الاجابة ولكننى أريدك ان تحاول تخمين الرقم. حاول. أعطنى أى رقم. هل اسمعك تقول ثلاثة ملايين؟ مليونين؟ مليون واحد؟ صدق أو لا تصدق: بعض الاحصاءات المحافظة تقول أن الرقم: إحدى عشر الفا، وأكثر الاحصاءات ليبرالية تضع الرقم عند ثلاثة عشر الفا، تنقص ولا تزيد. وللعلم فإن تعداد سكان فنزويلا يبلغ تسع وعشرون مليون نسمة! احدى عشر الى ثلاثة عشر الف  فرد أغلبهم من المسنين، يمكن بكل سهولة تحميلهم على ظهور ثلاثة أو اربعة سفن عملاقة، يقول شافيز لشعبه أنهم سبب عذابه وجوعه وفقره وبؤسه، ويخصص الخطب الرئاسية للهجوم عليهم ويطوف الريف الفنزويلى من أقصاه الى أقصاه منددا بهم، ويوعز الى مليشيات حزبه بالهجوم على دورهم ومعابدهم! كل ذلك فى وقت يحكم فيه هذا المهووس بلاده واقعيا حكما شموليا،   برغم مظهره التعددى الديمقراطى، ويمسك – فى قبضة يده - بكل مقدرات فنزويلا الى درجة أنه أجرى مؤخرا إستفتاء شعبيا عدل بموجبه قانون البنك المركزى بحيث يسمح له بالتصرف الكامل والمطلق فى كل موجودات البلاد من العملات الصعبة ( رصيد يتجاوز مائتى بليون دولار وفق بعض التقديرات ) دون حسيب او رقيب! ثم إذا بنا ندخل نحن من حيث لا نحتسب فى دوامة هذا الهوس العجيب باليهود وأوهام خطرهم المفتعل على نظام شافيز. وعندما يقرر هذا الضابط المغامر المصاب بالبارانويا تصفية حساباته المتوهمة مع اليهود بطرد السفير الإسرائيلى، متعللا بالعدوان على غزة، تقوم الامة العربية قومة رجل واحد لترفع صوره وتردد إسمه وتضعه فى سجل الخالدين مع خالد ابن الوليد وصلاح الدين الأيوبى وجمال عبد الناصر. ثم يأتى فيصل القاسم من فوق منبر قناة الجزيرة ليصم آذاننا بصيحاته المسرحية المدوية: وا شافيزاه .. وا شافيزاه!
 ثم ماذا نقول بعد ذلك!
عن صحيفة ( الأحداث )
 مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal