غربا باتجاه الشرق

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

نشرت صحيفة " الاحداث" مؤخراً على مدى أسابيع متوالية سلسلة من حلقات بعنوان (حكايات داؤد بولاد)، بلغت فى العدد عشراً، كتبها الاستاذ عبد المحمود نور الدائم الكرنكى. وقد وجدتُ فى مطالعة تلك الحلقات فائدةً جمّة، كما وجدت فى قراءتها ايضاً متعةً لا تدانيها متعة. وان كانت شخصية وسيرة داؤد بولاد، الكادر الاسلاموى الحركى المنظم، الذى انقلب على عقبيه فانضم الى الحزب الاتحادى الديمقراطى فى مقتبل العام ١٩٨٧، ثم الى الحركة الشعبية لتحرير السودان فى  مقتبل التسعينات، حيث خدم كقائد عسكرى فى صفوفها حتى جرت واقعة أسره، ومأساة قتله فى ذروة (رقصة هياج)، على النحو الذى فصّله الكاتب والذى سنتطرق له فى حينه؛ نقول لئن كانت شخصية الرجل وسيرته هى المحور الناظم والعمود الرئيس لتلك الحلقات، الا أن جانباً مقدراًً مما كتب الكرنكى انصب على توصيفٍ رفيع وتوظيفٍ بديع لبعض أوجه حياة وممارسات وذكريات الطلاب والطالبات من عناصر الحركة الاسلاموية فى جامعة الخرطوم، خلال تلك الحقبة الخصيبة التى كان فيها الكاتب، ورصيفه الأسير القتيل، طلاباً ينهلون المعارف من غدير تلك المؤسسة العلمية الرائدة.

(2)

أضحكتنى رواية الكرنكى – كما جاءت فى احدى الحلقات – عن تعلق بعض طالبات التنظيم ببعض الطلاب الاسلامويين تعلقاً عاطفياً بلغ حد تأليف بعض الطالبات لاغنيات يتشببن فيها بطلاب معينين، من قيادات الحركة، ممن أسروا قلوب العذارى الاسلامويات.  ولكننى كدت استلقى على قفاى تماماً عندما قرأت فى حلقة اخرى كيف ان احدى الطالبات ضبطت طالبة اخرى وهى تنزع من قلب مادة ورقية دعائية مثبتة على الحائط، صورة طالب اسلاموى معين، سماه الكاتب باسمه، من المرشحين لانتخابات اتحاد الطلاب، اشتهر عنه انه كان فارس احلام العديد من الطالبات. انتزعت الطالبة الاسلاموية الصورة وادخلتها على عجل فى حقيبتها الخاصة، ولكن سوء حظها مكّن طالبة اخرى من ان تضبطها متلبسة، مما جعل الاولى تتضرع اليها متوسلة: (عليكى الله أسترينى يا ابتسام)، فوافقت ابتسام وتمت السترة!

وبحسب الكرنكى فأن بعض الطلاب الاسلامويين كانوا يشببون بدورهم بالعذارى من اسلامويات الجامعة، فيسعون الى الدخول الى قلوبهن من أبوابها، ويعرضون عليهن الاقتران على سنة الله ورسوله، او على الاقل الموافقة على الخطبة حتى يأذن الله للمتحابين بالتخرج والاستعداد لأعباء الحياة المشتركة. فإذا صادف الطلب هوى عند الفتاة الاسلاموية أجابت الطالب من فورها الى مطلبه فأكتملت سعادته واستتب هناؤه. أما اذا كان الطالب دون طموح الفتاة، او ممن لا يرقى الى قلبها او يوافق عقلها، فأرادت ان تتخلص منه باسلوب مهذب وكريم فإن ردها يكون: (خلاص خلينى استخير). تعنى بذلك ان يتركها الطالب حتى تصلى صلاة الاستخارة ثم تحزم أمرها. وكان الاجماع، المستند الى رصيد متراكم من الخبرات والتجارب، قد انعقد فى معسكر الطلاب على أن العبارة الدالة على الرغبة فى الاستخارة اذا مرقت من ثغر الاسلاموية المتمنعة فى مواجهة الاسلاموى العاشق فإن ذلك يكون بمثابة السهم، أو "الشاكوش"، الذى يجتث آماله من الجذور ويلقى بها من حالق.

ولكن دعنا من ذكريات الكرنكى الساخرة وتداعياته الهاذرة، فأغلب عذارى السبعينات فى جامعة الخرطوم، حيث تمركزت الحلقات، تثاقلت عليهن تكاليف الحياة اذ اصبحن أُمهات، وكثير منهن يزحفن بخطىً واثقة نحو جيل الجدّات، ان لم يكنَّ قد صرن جدّات بالفعل، لا يرجون من دنياهن غير العفو والعافية. كما ولج الكرنكى نفسه، هو وأضرابه من طلاب الزمان الذاهب، ولوجاً رفيقاً الى مراحل الشيخوخة الباكرة، وأحسب انهم ما عادوا ينظرون الى ذلك الماضى المتنائى الا بمقدار ما ينتزعون من  براثنه ابتسامةً سريعة او ضحكةً عابرة يمسحون بها صهد الحياة ويستعينون بها على وعثائها، وهم يهمهمون: (ألا ليت الشباب ...)!

(3)

بيد أن الذى وقفت عنده ملياً عند قراءتى للحلقات، هو ما جاء فى متنها من رصدٍ محكم وتسجيلٍ دقيق للفصل الأخير فى حياة الراحل المرحوم داؤد بولاد. وكتابة الكرنكى فى هذا المضمار تتميز عن غيرها من حيث أنها تصدر عن رجلٍ عليم، تكتسب روايته سلطتها من كون الكاتب لاعبٌ أصيل ذى قدم راسخ فى معسكر العصبة المنقذة، التى كتبت بيديها سيناريو المشهد النهائى فى حياة هذا الرجل ذو السيرة الجدلية المثيرة.

أبان الكرنكى ان بولاد كان أصلاً موضع ريبة فى دوائر الحركة، وأن جهات تنظيمية داخل الجبهة الاسلامية القومية اتهمته بأنه الكاتب الفعلى لمقال كانت صحيفة "دير شبيغل" الألمانية قد نشرته عام ١٩٨٦، عن خطط الاسلامويين للانقضاض على السلطة. كما أن قيادياً فى نظام الانقاذ، من الثقات، عيّنه الكرنكى، أفاده عام ١٩٩٣ ان بولاد كان قد أقام علاقات مع (الامريكيين)، وانه التقى بمسئولين فى السفارة الامريكية فى كل من زمبابوى والقاهرة. وبعد ان تناول بالعرض ملابسات لقاء بولاد بالعقيد جون قرنق وانضمامه لحركته، وما تلا ذلك من افتراعه لجبهة عسكرية ضد حكومة الانقاذ وقيادته جحافل مسلحة فى مسيرة عسكرية من بحر الغزال الى جبل مرة، وصولاً الى الفصل الخاتم حيث وقع بولاد أسيراً فى يد القوات الحكومية. كتب الكرنكى:(جاء والى الولاية لمشاهدة القائد الأسير. كان الوالى الدكتور الطيب ابراهيم محمد خير، الشاعر الودود، عضو اتحاد طلاب دورة ٧٤/ ٧٧ برئاسة داؤد بولاد نفسه.. تعطلت لغة الكلام بين "الأخوين المسلمين".. ظل الطيب ابراهيم وبولاد ينظران الى بعض نظرة صامتة استمرت خمسة عشر دقيقة).

ثم يمضى الكرنكى فى عرض المعلومات التى بحوزته بشأن مصير بولاد، ليصل بنا الى حيث يثبّت ويعضّد تعضيدا تفصيلياً ما كان قد تردد فى الماضى فى طوايا أحاديث متناثرة، من أن عناصر الانقاذ قامت بقتل الأسير دون محاكمة، لا عسكرية ولا مدنية. وواقعة قتل الأسير هى التى استوقفتنى فى الرواية كلها. حيث ان تلك الواقعة تستولد أسئلة لا حصر لها وفى طليعتها، بطبيعة الحال، السؤال التالى: ما هو المسوغ الشرعى او المستند الفقهى الذى ارتكز اليه والى دارفور الاسبق وزمرته من عناصر الحركة الاسلاموية فى قتلهم لرجلٍ أسير وقع تحت أيديهم، واصبح فى ذمتهم، وانتفى خطره على الدولة والنظام؟ وهو سؤال يستمد مشروعيته ومصداقيته من كون الوالى وزمرته ينتمون الى جماعة استولت على السلطة بذريعة تحكيم شرع الله.

وشرع الله، الذى يفترض انه المرجعية الحاكمة، كامل الإبانة فى أمر حقوق الأسير، وشديد الوضوح فى شأن حرمة دمه. ولو أن الوالى وزمرته يهتدون بهدى الله وناموسه فإن التشريع الاسلامى بشأن الأسرى تضمنته عدد من آيات الذكر الحكيم، الذى هو المصدر الاول للتشريع فى الاسلام، وثبتت قواعدة السنة المطهرة قوليةً، وفعليةً، وتقريرية. جاء فى محكم التنزيل:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) " الانفال/ الآية ٧٠". بل يوصى الاسلام بإطعام الأسير قبل المسلم: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) " الانسان الاية ٨".  وفى الأثر عن النبى الكريم:( استوصوا بالأسارى خيراً) "الطبرانى/المعجم الكبير". والحكم الأصلى فى مصير الأسرى يقرره القرآن الكريم بقوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) "محمد /الآية ٤". وقد أشار الطبرى الى اقوال بعض الفقهاء بنسخ هذه الآية إلاّ انه ردّ هذه الاقوال جميعاً اذ قرر أن: (الصواب من القول عندنا فى ذلك ان الآية محكمة غير منسوخة)، واستدل على ذلك بفعل رسول الله فيمن صار أسيرا بيده من أهل الحرب. وجاء فى "بداية المجتهد" لابن رشد: (لا يجوز قتل الأسير، وحكى الحسن بن محمد التميمى انه إجماع الصحابة). بل ان شريعة الاسلام تذهب الى ما هو ابعد من ذلك، حيث تمنع تعذيب الأسير للادلاء بمعلومات عن العدو، (وقد قيل للإمام مالك: أَيُعذَّبُ الأسيرُ إن رُجِيَ أن يدلَّ على عورة العدوِّ؟ قال: ما سمعت بذلك) " السهيلي: الروض الأنف، 3/58، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 4/68 ". وفى الفصل الرابع من رسالة الباحث عطية سلامة للدكتوراه بكلية الحقوق بجامعة الاسكندرية، ١٩٨٧:(الأصل فى الشريعة أنه لا يجوز قتل الأسير لمجرد أنه أسير، وذلك استنادا الى الآية الكريمة التى تحصر مصير الأسرى بالمن والفداء).

وغنىٌّ عن البيان، انه الى جانب ما اشتملت عليه أحكام الشريعة الاسلامية من نهى عن قتل من وقع من الاعداء فى أيدى المسلمين، فإن القانون الدولى العام يرتب حقوقاً للأسير أثبتتها المواثيق الدولية تضمن مكانة الاسير وحقوقه التى يتمتع بها بموجب هذه الأحكام مثل عدم محاكمته، وعدم تعرضه للتعذيب، وتلقى علاج طبى كامل، والاتصال بأقربائه وغير ذلك من الحقوق. وبحسب ميثاق جنيف الثالث لعام ١٩٤٩ فإن داؤد بولاد تنطبق عليه صفة الاسير انطباقاً كاملاً اذ ان الميثاق حدد ثلاثة تعريفات لمصطلح المقاتل الشرعى الذى تنسحب عليه صفة الاسير ومنها (المقاتل فى جيش لكيان سياسى يدار كدولة ولو كان غير معترف به). ومعلوم ان الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت قد أقامت دولتها فى المناطق المحررة، وكانت تديرها على هذا الاساس، وان لم تعترف بها حكومة الانقاذ المركزية.

(4)

ومهما يكن من أمر فإننا نقدر للقيادى الاعلامى الاسلاموى عبد المحمود الكرنكى، ونحمد له حمداً كثيراً انه لم يداور او يناور، ولم يتمحك او يتلكك، وهو يتعرض لواقعة – ولعلنا نقول جريمة – قتل الاسير داؤد بولاد بالمخالفة لاحكام الشريعة الاسلامية وقواعد القانون الدولى فدوّن الوقائع بحذافيرها، وأظهر ادانته لها، ووصف واقعة القتل بأنها تمت فى وسط "رقصة هياج". كما أنه – ونحمد له ذلك ايضاً - أدان حملة  الاغتيال المعنوى المُحكمة التدبير التى لحقت بذيول الاغتيال الحسى، اذ أشاع الاسلامويون عن الأسير القتيل انه عند حمل جثته من موقع القتل وجدت على رقبته قلادة تحمل الصليب كناية عن تنصره وارتداده عن عقيدة الاسلام. كما اذاعوا عنه أنه كان عند أسره يرافق ويعاشر "إمراة صديقة" لم تكن له بزوجة. فضلاً عن ذائعات اخريات. وقد أدهشنى، بقدر ما أعجبنى، ان الكرنكى وافته الشجاعة فلم يكتف بفضح ورد الدعاوى الكاذبة الملفقة التى ألحقها بالرجل عامدين متعمدين رفقاء درب أمسه القريب، بل أدان الحركة الاسلاموية بكاملها، ونسب اليها انه كان لها، بحسب كلماته: (وجهٌ أسود تنبعث منه اشعاعات خفية لتدمير سمعة غير المرغوب فيهم تنظيمياً). انظر وتأمل، يا رعاك الله، جلال هذه الحكمة التى صدع بها الكرنكى فى لحظة تجلٍّ وهو يتهيأ لإماطة اللثام عن صفحة، ظلت عبر الحقب مستورة، من تاريخ الحركة:( فى اشانة السمعة، مهما كان المتهم بالزور شهيراً فإن عدد الذين لا يعرفونه عن كثب يزيد عن عدد الذين يعرفونه عن كثب. لذلك يجب على الذين يعرفون الحقيقة أن يتكلموا، لأن المعارف فى أهل النُهى ذمم، لأن الحقيقة أمانة وكتمانها خيانة).

مضى الكرنكى قدماً، بذات الروح، فأثبت أن هناك عدداً من "حادثات الافك" فى حركة الاخوان المسلمين تحتاج الى مجلد. ولأمرٍ ما استنكف الكرنكى ان يدوّن أسماء من استهدفتهم أحاديث الافك هذه صراحةً، بيد أنه ذكر أشهر الأسماء ولكن بالاحرف الاولى، وسجلها هكذا: (التسريبات الغامضة ضد الراحل الدكتور "م. ع. ب"، والدكتور "ع .أ .ب"، والعالم العابد الفقيه "ح .ن"، والراحل داؤد بولاد. حيث لا يصدق انسان محترم تلك التسريبات "الاخوانية". تلك التسريبات عزف منفرد على الدقنجة). لم أعرف ما تعنيه لفظة "الدقنجة"، ولكننى أزعم اننى تمكنت من فك شفرة واحد من الأسماء المرمزة، وهو اسم الراحل الدكتور محمود برّات، الذى كان استاذاً بكلية التربية بجامعة الخرطوم، وكانت له خلافات مبدئية وعقدية مع شيخ الجماعة الدكتور حسن الترابى، سارت بذكرها الركبان. واعلم يقينا، كما يعلم كثيرون غيرى، انه كان واحداً من ضحايا آلة الاغتيال المعنوى الاسلاموى، التى ظلت تلاحقه وتستهدفه فى نهاية السبعينيات وبدايات الثمانينيات استهدافاً محكم التصويب، حتى أظل الناس يومٌ غائمٌ حملوا فيه العالم الجليل برّات على آلةٍ حدباء الى مستقره الاخير.

(5)

ومهما يكن فإن اسلوب مناهضة الخصوم داخل التنظيمات العقائدية بتوظيف استراتيجيات إغتيال الشخصية من الممارسات الفاشية داخل كثير من التنظيمات العقيدية. وللحزب الشيوعى السودانى، بغير شك، سهمٌ وافر وسجلٌ حافل فى هذا المضمار، يبدأ دفتر  مشتملاته من شبهة الاختلال العقلى وينتهى بمسبة الشذوذ الجنسى. وتمر الصفحات بين هذا وذاك بمحطات اخرى مثل الانتهازية والتصفوية والرخاوة الفكرية، وما شاكلها من مصطلحات القتل المعنوى. والثابت بشهادة عدد من قادة الحركة الاسلاموية ان تنظيمها اقتبس عبر تاريخه الطويل كثيرا من مناهج عمل الحزب الشيوعى. ومن بين هؤلاء الدكتور غازى صلاح الدين الذى كان قد أدلى، فى زمنٍ مضى، بحديث مستفيض للتلفزيون السودانى، أماط فيه اللثام عن أن الحركة الاسلاموية نقلت عن الحزب الشيوعى بعضاً من الاستراتيجيات والاساليب والممارسات ووظفتها لصالحها. ولابد ان "اغتيال الشخصية" كنهج ووسيلة لتحييد الخصوم وتحجيم خطرهم وإضعاف أثرهم السياسى كان واحداً مما انتحلته الحركة من بيئة الشيوعيين السودانيين. ولكن السعى لاغتيال رجل اغتيالاً معنوياً، بعد قتله ومفارقته الحياة فعلياً، وذلك باختراع الروايات الوهمية والصاقها بجثته، وإذاعة الذائعات الملفقة وترويجها بعد مماته، بما فيها ذائعة الردة عن الاسلام، ربما بلغت فى الشطط والجموح والسفه مبلغاً غلب فيه الحوار شيخه!

ومشروع قتل الكادر الاسلاموى داؤد بولاد قتلاً معنوياً، بعد تصفيته حسياً، يُعد من المشروعات القلائل التى اجتمع عليها الفصيلان المتفاصلان للحركة الاسلاموية. وربما كان مرد ذلك هو ان واقعة القتل وبادرة التشهير تمتا بعلم ومباركة زعيم التنظيم إبان وحدته، فلم يعد الى التنصل من عارها سبيل او مخرج. وكان من بين تورطوا فى ذلك الشغَب الأثيم الصديق الراحل العزيز المرحوم محمد طه محمد أحمد، قبيل مراجعاته الكبرى، وانفتاحه النبيل على جميع التيارات التى ادمن معاداتها فى الماضى، وشروعه فى اعادة تقويم ممارساته الصحفية ومواقفه الفكرية والسياسية. وفى كتابه الذى صدر، عن دار مدارك، بدايات هذا الشهر من عامنا الجديد ٢٠١٠، بعنوان ( الحركة الاسلامية السودانية: دائرة الضوء- خيوط الظلام)، كتب الاستاذ المحبوب عبد السلام، أحد أبرز القيادات السياسية والاعلامية لحزب المؤتمر الشعبى يشير الى الأسير القتيل:(.. كما جاء اسمه فى رأس قوائم المتعاونين مع جهاز الأمن المايوى إبان حكم النميرى بعد أن قامت لجنة تصفية جهاز أمن الدولة بتسليم وثائق الجهاز لديوان النائب العام).

ولم استغرب لزعم المحبوب، فقد سمعت ذات الحديث من قبل من فم الحصان نفسه كما يقول الفرنجة. وكان اسم بولاد قد ورد فى جلسة جمعتنى بالشيخ حسن الترابى، وذلك بعد وقت قليل من توارد أنباء مصرع الرجل. وقد أفاض الشيخ الترابى على مسمعى تفصيلات عن ذات الرواية التى كتبها المحبوب، ثم أضاف الشيخ اليهما روايتين اخرتين. اولاهما ان بولاد لم يكن فوق الشبهات من حيث الأمانة والخلق، وانه حوّل لمنفعته الشخصية بعض موارد التنظيم، ومنها على وجه التخصيص سيارة لاندكروزر، وذلك إبان توليه مهامه الحزبية فى اقليم دارفور. وثانيتهما انه كان رجلاً مريباً له أجندته الخطيرة المثيرة التى يحاول تمريرها مستغلاً صلاته السياسية، وانه فى هذا السبيل سبق أن قدم للشيخ الترابى قائمة بأسماء ضباط فى القوات المسلحة ألحّ على ضرورة فصلهم من الخدمة العسكرية بزعم انه يملك معلومات موثوقة عن ضلوعهم فى التآمر ضد الحكومة.

(6)

غير انه وبعد تأمل واستمزاج كل هذه المزاعم، التى لا يخالجنى شك فى انها تندرج تحت لافتة القتل المعنوى كما قرر الكرنكى، فإن سؤالا واحدا يظل يطرح نفسه وباصرار، ويطلب اجابته عند المتكثرين الذين أهالوا الاتهامات على قبر الأسير القتيل بغير حساب وبغير فطنة: صحيح ان حزب الجبهة الاسلامية كان من أول التنظيمات التى حصلت واطلعت على قوائم المتعاونين مع جهاز أمن الدولة المايوى عقب انتفاضة ابريل. وكانت صحفها، وبصورة أخص صحيفة (الوان) توظف وثائق الجهاز وتستخدمها فى ابتزاز الخصوم السياسيين والتشهير بهم، مثلما فعلت فى حالة الصحافى سيداحمد خليفة، الذى أراد  حزب الجبهة تنحيته عن دائرة الصحافة وجبرة خوفاً من تكتل مجموعات الشايقية خلفه، مما قد يضعف فرص فوز الدكتور حسن الترابى الذى كان قد اعلن ترشيحه للبرلمان عن تلك الدائرة. وكانت (الوان) قد استبقت العملية الانتخابية بنشر مراسلات، من وثائق الجهاز، بين الصحافى المرشح سيدأحمد خليفة واللواء كمال حسن احمد نائب رئيس جهاز أمن الدولة، توحى بأن الاول كان على صلةٍ ما بالجهاز. ومعلوم ان حزب الجبهة كان يملك عددا من العملاء الناشطين والكوادر الفاعلة فى العديد من الاجهزة الحساسة. وقد كان على رأس هؤلاء من الواقفين على أمر الجهاز ووثائقه ضابط برتبة عقيد فى القوات المسلحة، حمل آنذاك بوجه رسمى صفة "نائب رئيس لجنة حصر وتصفية جهاز أمن الدولة". وقد عُرف هذا الضابط بين زملائه ابان توليه هذه المهمة فى العام ١٩٨٥ باسم العقيد عمر حسن. ولكنه بات فى يومه هذا وهو يحمل اسماً اكتمل بدره، وصفةً اخرى، تتقطع دونها دونها الرقاب: المشير عمر حسن احمد البشير رئيس الجمهورية!

قلنا ان هناك سؤالاً واحداً يظل يطرح نفسه بإصرار. وهو يطرح نفسه مستنداً الى خلفية المعلومات التى اوردناها فى الفقرة الطويلة السابقة. اذا كانت الجبهة الاسلامية القومية كانت قد علمت حقاً وصدقاً عقب سقوط نظام النميرى، وتصفية جهاز أمن الدولة، وكشف أسماء المتعاملين معه فى منتصف العام ١٩٨٥، أن الأسير القتيل المهندس داؤد بولاد كان قد خان عهد جماعته وتورط فى العمالة لجهاز أمن الدولة المايوى، وامتلكت الدليل على ذلك كما يزعم المحبوب وشيخه وغيرهم، فلماذا وعلى أى أساس وتحت أية حيثيات قام الشيخ الترابى وحزب الجبهة الاسلامية، بعد عام كامل من كشف أسماء المتعاملين مع جهاز أمن الدولة، بتقديم الأسير القتيل لشعب دارفور، فى منتصف العام ١٩٨٦ ، مرشحاً عن الحزب فى انتخابات الجمعية التأسيسية للديمقراطية الثالثة عن دائرة نيالا، أكبر وأهم الدوائر الجغرافية فى دارفور؟! ولماذا كلفته رسمياً بالاشراف على الاقليم وعهدت اليه ووضعت تحت إمرته الموارد البشرية والمادية الخاصة بالتنظيم، وهى تعلم أنه خائن، خان التنظيم وباع  أسراره، وتواطأ مع  أجهزة أمن النميرى، التى كانت قد قعدت للاسلامويين، قبيل الانتفاضة، كل مرصد ولم تهدأ بالاً حتى أودعت كل قياداتهم فى غيابات السجون، بمعونة مفترضة من الأسير القتيل؟!

لماذا ولى الشيخ الترابى، وهو أمير الجماعة، خائناً علقت فوق جبينه تهمة الخيانة، على شيعته من عضوية الحركة فى اقليم دارفور، ولماذا زكاه لأهل نيالا لينتخبوه ويجعلوه على رأسهم، ويفوضوه ممثلاً عنهم فى البرلمان القومى؟ ألم يكن الترابى قد علم ان الأمير مكلفٌ شرعاً بأداء الأمانات الى أهلها، ومقتضى ذلك وفقاً للسياسة الشرعية فى الاسلام هو أن يولى ويوظف القوى الأمين؟ أم ان دارفور كانت قد عدمت الأقوياء الأمناء، فصارت القوة والأمانة عند أهلها نسبية؟ أيجوز أن أمير الجماعة لم يكن قد سمع بحديث الرسول الكريم، كما رواه ابن عمه عبدالله بن عباس، ونقله البخارى ومسلم: (من استعمل رجلاً من عصابة، وفى تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين)؟!

(7)

ولسنا نعرض هذه التساؤلات المهالك ونفتح تلك الصفحات الحوالك ونحن نرجو من ورائها خيراً كثيراً. أول ما يقبض النفس ويثقل الفؤاد أنه حتى وان نحّينا ملف بولاد جانباً، فإن سجل العصبة المنقذة فى تصفية الخصوم بوجوه غير مشروعة، تجافى القواعد المستقرة دينياً، وتنافى الاحكام المرعية وضعياً، سجلٌ قاتمٌ مروّع تذهل فى حضرته كل مرضعة عما أرضعت. ولا سبيل للعصبة المنقذة لتجاوز هذا السجل الأغبر والقفز من فوقه، دون معالجات جذرية ترد المظالم وتصون الحقوق وتحفظ القيم وتعزز الكرامات. وكنا فى ماضٍ لنا قريب، قد دعونا العصبة الى مثل ذلك، ثم وقفنا جنباً الى جنب مع قوىً أصيلة داخل الوطن، دعت الى انفاذ مبادئ العدالة الانتقالية على سُنة الحقيقة والانصاف والمصالحة. تأسياً بالدول المنيعة الوديعة التى ثابت الى رشد الديمقراطية بعد دهور الغيبوبة، وآبت الى حياض العفة السياسية والسلام الاجتماعى بعد تطاول الاغترابٍ.

وها نحن فى يومنا هذا نعود معادنا ونرجع مرجعنا فندعو العصبة المنقذة من جديد الى ان تهتدى بهدى الحقيقة والانصاف والمصالحة، فتبين للناس مَن مِن رجالها قتل الأسير المهندس داؤد بولاد، بغير رخصةٍ شرعية ودون مظلة وضعية، وماذا عساه يكون موقفها العدلى من تلك الجريمة النكراء، من حيث كونها الحفيظة على الدستور والقانون، ثم تقوم الى مقام الانصاف فترد لأهل الأسير القتيل حقوقه وحقوقهم، ماديةً ومعنوية، وترشدهم الى قبره فيزينونه بشاهدٍ وحصىً وزرع وماءٍ وزيارة. ثم تسعى من بعد مع الساعين فى طريق الصلح والصلاح على نهج التائبين المستنصحين. ولا يهولن العصبة المنقذة، ولا يفزعنّها اصطفاف الصفوف المتراصة ممن وقعت عليهم مظالمها عبر الحقب، ودارت عليهم دوائرها بالشبهات والريَب، فتسترخص المخارج وتشق عليها العزائم. فلا عاصم لها اليوم، ولا عاصم لها غداً، من استحقاقات العدالة الانتقالية ومتطلباتها. وقديماً قيل: لا بد مما ليس منه بدٌّ. (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، إذ آوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمةً وهيّء لنا من أمرنا رشَدا).

عن صحيفة "الأحداث" ٢٧ يناير ٢٠٠٩

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal