غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


(الجزء الأول)

(1)

قصة (كومون) التي سارت بذكرها الركبان وحملتها الصحافة والاسافير وهناً على وهن طيلة اعوام ثلاثة مليئة بالغرائب في بواطنها وظواهرها. أهل الظاهر راق لهم أول الأمر اتهام الشركة بالفساد، ولا عجب فالبعض منا تسحره اللفظة فلا يقوى على مقاومة إغراء ترديدها، اذ تنزلق في ألسنتهم بسهولة، كما عصير الموز الممزوج بالحليب. هؤلاء لا حاجة لهم بالقرائن او الحيثيات مورداً للنفي والإثبات، المهم ان تظل كلمة (فساد) السحرية تتمطى منهم بين الفكين، فهي عذبة المضغ وسهلة في الاجترار. ثم إنها ماتعة ومشهية في وجبات اكل لحوم الناس. ويُقال انها مثل المخدرات ملهمة للخيال في صناعةً القصص والأساطير وتركيب الروايات!

تفرق الظاهريون بين حاسد وحاقد وشامت وصامت، اما الآخرون فقد ادركوا باطنها إذ كانوا على دراية بأن لشركة كومون مناقب وانجازات على صعيد ريادة الاعمال وتشغيل الشباب واتقان العمل وتطوير خدمات الطيران المتعثرة في السودان، وأن التهم التي كالها البعض للشركة كيلا انما جاءت بدوافع من مصالح خاصة روجت لها شبكة نافذة متشعبة كان على راسها شخص هو في يوم الناس هذا اكثر بني الانسان ذلا وهوانا وحسرة، بعد ان خاب مسعاه ومسعى شبكته لتدمير تلك الشركة وإحتلال محلها، في عقب ما ذاع عن نجاح اعمالها وأرباحها وانطلاق ادارتها الشابة ذات الخيال الجامح وكادراتها المتألقة ونموذجها الجاذب.

(2)

بين فهم اولئك الظاهريين وهؤلاء الباطنيين رموز ومعاني عجيبة غابت على الكثيرين منها عبثية المشهد كله، حيث ان شخصية واحدة فقط عرفت عنها حدة الطبع واضطراب المزاج، وطغيان الاحساس بالذات وآفة الغرور، استطاعت وتحت غبار كلمة الفساد السحرية ان تمرر أجندتها، او قل موجدتها الخاصة التي أفاضت الصحافة من قبل في تبيانها وتسليط الضوء عليها تجاه شركة كومون، وأن تجعل منها موضوع حق عام، فأقامت الارض وأقعدتها في سلسلة محاولات هيستيرية لتجريم كومون، التي هي في الاصل منافسة لشركة اخرى تعمل وترتزق منها تلك الشخصية، وتحبو في خدمتها، وتتقطع انفاسها حرصا على ما تناله من خزينتها.

أرأيت، أعزك الله، كيف يبرع البعض بدافع الأثر وهوى النفس وغلبة المصالح الخاصة في تطويع أجهزة الدولة بهيلها وهيلمانها لخدمه أجندتها وأجندة مخدميها، وإرضاء غرورها في ذات الوقت؟!

(3)

تقول الوقائع ان الشركة الاولى، التي تحمل اسم كومون، هي اول من أدخل خدمات الصالات المتميزة في مطارات السودان. كانت البداية في مطار بورتسودان عند تسعينيات القرن الماضي، ثم انتقلت الى المطار الام، مطار الخرطوم الدولي، حيث عملت في العلن، تحت ضوء الشمس، بعد ان تنافست مع غيرها على الرغم من ان تجربتها الريادية ونشاطها الحصري يؤهلها في اي دولة ذات اقتصاد مؤسسي ان تحوز على اي عقد، حتى ولو دون منافسة، فالشركة لا تعمل في حقل بيع الاراضي ولا شراء وبيع الدولار، الطريق السهل لاكتناز الثروة في الاقتصاديات المسرطنة، لكنها تخيرت الطريق الأصعب، فانتخبت زينة شباب السودان ودربتهم عبر برامج تدريبية ثرية ومكلفة ماديا، كان من ثمارها ان أجاد المئات من الكادرات السودانية الشابة كافة فنون الاعمال اللوجستية والفنية في حقل خدمات المطارات. وتلكم ضروب من الاعمال والأنشطة لم تكن قد طرقتها الشركات السودانية من قبل.

ولكن كومون ما فتئت تتعرض، مثل سنمار، لمحاولات الاغتيال المعنوي والتغييب المادي مرة إثر مرة. وتم اخضاعها للنَّخْل والغربلة والمراجعة والتمحيص مرات ومرات بما لم تبتلى به شركةً سودانية منذ ان صدر قانون الشركات في عشرينيات القرن الماضي.

(4)
أما الشركة الاخرى التي يرتزق منها ويمثلها صاحبنا المحامي البرلماني، فإن الله لم يبتلها بالشهرة والحسد الذي أصابته (كومون)، وقد شهد الناس كيف اختطف من أجلها قبة البرلمان ردحا من الزمان، وطار بها كما أهل الباطن من شيوخ الطرق الذين تنزل اليهم القباب من السماء.

تلكم الشركة الاخرى المنافسة، الطامعة في وراثة كومون، هي واحدة من أسرار هذا البازار الذي انفتح على مصراعيه للقيل والقال، وهي السبب الرئيس لدخول المحامي البرلماني، صاحب السيارةً الأميرية الشهيرة، في معركة جند لها كل مايمكن من حيل. ثم انكب على مهمة تجنيد شركاء آخرين، ولكنه لم يجد أمامه غير رجل واحد يعاني من الفراغ، كوّن ثروة وأراد أن يبني لنفسه مجدا، فوقع في حبال المحامي البرلماني حليف الشركة المنافسة، ثم انكب على وجهه في القضية لا يلوي على شئ، دون ان يتعرف على جذورها وأبعادها القانونية والفنية. فانتهى الى ما انتهى اليه صاحبه من خيبة وخسران.

ومن عجب أن هذا الأخير بعد ان اذهلته الضربة القاصمة التي جاءت من داخل البرلمان، تخرّص فاتهم البرلمان نفسه، من أسفله الى أعلاه، بالفساد. هكذا ضربة لازب!

هذا مع ان الوقائع تقول، لو أن الأمر أمر فساد، أن الشركة الغامضة المنافسة التي يقوم على خدمتها المحامي البرلماني حصلت على عقود متعددة للعمل في مطارات السودان في جنح الظلام، من بينها عقود لأداء أعمال فنية وتقنية تفوق بما لا يقاس قدراتها الحقيقية. بل انها حصلت على تلكم العقود بغير منافسة من خلال مذكرات صغيرة مكتوبه بخط اليد.

وفي علم الكثيرين اليوم، بعد ان ارتفعت السُتر وازيلت الحُجب، أن تلك الشركة دأبت على ممارسة التدليس وذلك بتمويه اعمالها بالإدعاء أنها مملوكة للخطوط الجوية السودانية، وهو ما يخالف الحقيقة قولا واحدا، وانما هي شركة خاصة مملوكة لرجل وابنه!

ظلت تلك الشركة الغامضة تحلب وتستنزف خيرات المطارات لأكثرمن سبع سنوات بدون منافسة، بل وبدون عقد، رغم عدم خبرتها وفشلها البائن الذي ثبت بالدليل القاطع الساطع في تقارير هيئة الطيران المدني، والضرر الفادح الذي ألحقته بمستوى الأداء فازداد به حال تلك الهيئة ضغثا على إبالة.


(الجزء الثاني)

(4)
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا خاض المحامي البرلماني في ذلك الوحل؟ هل هي فقط الرغبة في محاباة مخدميه؟ أم ان هناك اسبابا اخرى؟ الاجابة انه فعل كل ذلك بغية تحقيق ثلاثة أهداف:

أولها الانتقام لبقرته المقدسة، نعني سيارته الفارهة، التي رفض نظام ومقتضيات الانضباط الاداري لشركة كومون ان تظل قابعة على ارض المطار في المكان الخطأ، بينما يعتقد المحامي ان له حقوقا بحكم انه نائب برلماني تتيح له حق تملك الوطن ومواقفه وظلاله (هذا مع علم عندنا ان المحامي لم يكن في الاصل منتخبا في دائرة جغرافية كما يظن البعض، بل انه جاء محمولا على كرسي التمثيل النسبي المنقوص. الرجل باختصار لم يخض غمار أية انتخابات قد تمكننا من ان نعرف حجمه وقيمته عند الناس وحقيقة تمثيله لهم)!

وثانيها أن المحامي البرلماني ظل يدعي انه قادر على تفكيك الفساد، رغم انه ليس في سيرته الذاتية ما يشير الى ذلك غير حالة واحدة فقط ظل يفخر ويتباهى بها، وهي حالة مجتمعية كان يمكن ان يقوم بها اي وكيل عريف في شرطة النظام العام، حيث قام المحامي الضليع بإثارة (نقطة نظام) ضد محل كوافير وحنة ومطعم، مما أدى الى إغلاقه فصار يتنبر بذلك في كل لقاءاته الصحفية!

وثالثها أنه أراد بقضية كومون رفع درجة تصنيفه القانوني في بورصة القانونيين في حال نجحت مغامرته، اي ان يرتفع تصنيفه من مجرد مخبر او مطوع ورجل نظام عام متخصص في إغلاق محلات الكوافير والحنة الى عبقري في درء الفساد على المستوى الوطني، ومحام ذي وزن ثقيل يسيل له لعاب الشركات الكبرى والمأزومة.

يضاف الى ذلك بطبيعة الحال ان المحامي البرلماني له، مع آخرين، كما سبقت الاشارات، مصلحة ثابته ومؤكد في ابعاد كومون وطردها من المطار، فتبيض الشركة المنافسة التي يرتزق منها وتصفر بعيدا عن اي عيون منافس جاد!

(5)
أخطأ المحامي البرلماني عندما ركب موجة قرار صدر في تاريخ سابق من مجلس الوزراء، وظل يسعى في جهد محموم للايحاء للرأي العام بأنه صاحب المبادرة في قرار مجلس الوزراء ومفجر الصراع. غير ان الحقيقة الثابتة تبقى وهي ان قرار مجلس الوزراء المذكور والمتعلق بشركة كومون لم تكن له ثمة صلة، لا من قريب ولا من بعيد، بأية اتهامات مرتبطة بالفساد، كما لم تكن للمحامي البرلماني فيه يد! بل كان قرار أمانة مجلس الوزراء مجرد تقدير اداري، ثبت خطئه فيما بعد حيث عجزت أمانة مجلس الوزراء عن ادارة الصالات لما في ذلك من تعقيدات مالية وفنية وتعاقدية. بل ان الصالة الوزارية التي جرى اقتلاعها من شركة كومون دون تعويض تدهور مستواها وادركت منتهاها، وتحطمت ابوابها، وكثر ذبابها، عادت القهقرى الى ماقبل مرحلة كومون.

كما ان مجلس الوزراء، وذلك هو الأهم في موردنا هذا، تراجع طائعا مختارا بعد مراجعاته القانونية والإدارية وبرأ شركة كومون، قبل ان يبرئها البرلمان. وكان ذلك على لسان وزيري رئاسة مجلس الوزراء ووزير الدولة برئاسة مجلس الوزراء في شهادتيهما امام البرلمان. لذلك اسقط في يد المحامي البرلماني لان مجلس الوزراء بشكل مؤسسي، ومن خلال عدد من لجانه المتخصصة، كان قد توصل في وقت مبكّر الى ان عقود الشركة سليمة وأن أداءها متميز. ولكن صاحبنا استمر في تهيؤاته بأنه صاحب القرار فظل يطالب كومون بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء، التي أقلع عنها المجلس نفسه ولم يعد يهتم بها!

(6)
رغم الإضرار المعنوية والأذى والخسائر المادية فلقد حصلت كومون على صكوك براءة لم تحصل عليها اي شركة سودانية من قبل، فبعد سلسلة شهادات ناصعة قدمتها أكثر من اربعة لجان تحقيق وزارية، واكثر من خمس لجان برلمانية، اصطف قيادات العمل الإعلامي والصحفي ورموزه في السودان بغير استثناء، وتوافقوا ولأول مرة حول مانشيت واحد خرجت به كل الصحف ونشرات الاخبار، وهو براءة شركة كومون من سيل الاتهامات المزيفة. وتراجع مجلس الوزراء لأول مرة على لسان وزيريه، وزير رئاسة مجلس الوزراء ووزير الدولة بالرئاسة، ثم تراجع البرلمان بأسره على توقيع على صكوك البراءة، وذلك باجماع تعذر معه وجود حتى صوت واحد ممتنع.

كلهم تراجعوا ووقعوا على صك براءة شركة كومون، عدا شخص واحد فقط غادر القاعة مجللا بالخزي، ومشى مكبا على وجهه حتى سقط خارج القبة التي حاول توظيفها لخدمة مآربه الذاتية ولكنها كشفت تدليسه في القراءة الاخيرةً بعد ان وقف الجميع على الحقيقة من أمر تضارب المصالح والغبائن والمصالح الخاصة.

وما أظن في يومي هذا إلا أن صاحب الشركة، الشاب الألمعي المحسود، كان ذكيا بعيد النظر عندما رفض في بداية الأزمة، قبل اكثر من عامين، الاغراءات المبذولة له من كبار المحامين بالطعن في القرار الأداري لمجلس الوزراء لعدم الاختصاص رغم انها كانت قضية عادلة، وآثر تقديرا لاعتبارات كثيرة ان يصبر على صنوف الابتلاءات التي ووجه بها كل ذلك الوقت ايمانا بعدالة قضيته.

ملحمة شركة كومون، في مواجهة الكيد والاحقاد وصراعات المصالح، تقف شاهدا على انه في نهاية المطاف لن يصح الا الصحيح.