د.عبد الله علي ابراهيم

يثور أطباؤنا لأنهم فقدوا البقلاوة
عبد الله علي إبراهيم
مَيَّز المتنبيء بين شعر متقن في مدح الرجال وآخر غير متقن. فوصف الأخير ب "الصدى" بينما وصف الأول، وهو ما يبدعه هو، ب "الطائر المحكي". والطائر المحكي مثل البلبل عقيرة أصيلة في الغناء. ولم تكن جريدة "الناس" بفضل منصور خالد المحامي، محررها الخفي في 1957-1958 كما نزعم، جريدة صدى أو أي كلام في مدح السيد عبد الله خليل البيه، رئيس الوزراء. كانت خلافاً لذلك طائراً محكياً. وكان الصوت الأصل فيها لمنصور على أنه كان معاوناً اتصالات البيه وهي مهمة للصدى في وصفها الوظيفي. لقد كانت الصحيفة حفية بالبيه جداً تعنى بخبره وتروج لإنجازه. وكانت قذي في أعين خصومه وحلفائه المشاكسين من مثل حزب الشعب الديمقراطي بل وأهله الأقربين المتمردين في حزبه من مثل السيد محمد أحمد المحجوب كما رأينا في الحلقة الماضية. فقد وصفت الجريدة المحجوب ب"العبوب" في دلالة الانتفاخ لسماع القول الحسن عنه من أي مصدر جاء.
 كانت للجريدة رؤية. وهي رؤية في شمول السياسة وشبابها وطهارة الحكم وشفافيته لن يصبر عليها حتى البيه نفسه. والرؤية مما يتمتع به من انشغل بالمعرفة مثل منصور. ففي باب "الناس بالناس" تجد حرص الجريدة على ضرورة أن يكون الاستقلال الذي نلناه نعمة تتغير به حياة الناس ويشعر الناس بها. ولأجل ذلك  دعت الجريدة إلى وجوب ضخ دماء جديدة لتسيير أداة الحكومة الموروثة من عهد الإنجليز. فآلة الدولة في قول الجريدة ظلت تسير لوقتها بقوة الاندفاع القديمة. وأرادت الناس لهذا الفوج الشاب أن يتوزع على مكاتب للتخطيط والتنمية تنأى عن البروقراطية. كما دعت الكلمة إلى نشوء هئيات تراقب أداء وكبارهم خاصة (15-9-1957).
ولم يجد محرر الناس من يسمع هذا النصح. ولذا تفاءل خيراً بانقلاب 17 نوفمبر 1958. فكتب يزدري الديمقراطية كمقهى لثرثرة المتبطلين. وهذا رأى منصور خالد في ذلك الانقلاب في كتاباته اللاحقة كلها كما رأينا. وكان أكثر ما جذب محرر الناس للانقلاب عزمه أن تقوم السياسية فيه على التخطيط. ومنصور خالد مفتون بالتخطيط إلى تاريخه. فهو هاجسه وعقيدته بغض النظر عن سداده في جعله سياسة مقررة لما يليه من مسئوليات. فنوهت الجريدة بخطة حكومة الانقلاب لإنشاء مجلس أعلى للإنتاج يضم كفاءات عسكرية ومدنية ويستعين بخبرة أجنبية لتنظيم جميع مرافق الإنتاج ومجالاته. وجاء في عنوان للجريدة: "تخطيط جديد للتعليم في السودان" عن نية الدولة الجديدة تكوين لجنة من كبار الخبراء لوضع خطط جديدة للتعليم في السودان. وفي 20-11-1958 افتخرت الجريدة بانفرادها بنبأ مذكرة سيقدمها السيد أحمد خير، وزير خارجية الانقلاب وعقل دولته المفكر، عن نظم مجلس الإنتاج. كما رحبت بنية الحكومة الاستفادة من العناصر الشريفة المخلصة في دراسة كبريات المسائل تستنير برأيها غير مشترطة سوى الخبرة والاستعداد الفكري. كما نشرت نية وزير الحكومة المحلية، اللواء أحمد عبد الوهاب، تعيين الكفاءات الفنية لتساعد في أعمال المجالس المحلية (22-11-1958).     
دعت الناس بقوة إلى طهارة الحكم والمعارضة. وقد رأينا في حلقاتنا الماضية كيف أخذت مصالح الدولة المختلفة والمهنيين مثل الأطباء أخذاً شديداً لبؤسهم من جهة خلق السياسة والحكم والمعارضة. وقد جاءت بنقد للأطباء مثلاً لم يكن في دارج عادة الصحف. فقد رأينا في حلقة مضت كيف استنكرت الجريدة إضراباً أو استقالة للأطباء لشكواهم من ضعف مرتباتهم ومخصصاتهم. وقالت إن الأطباء هم الأسعد حالاً بين كل المهنيين ومشروعهم النقابي مجرد طمع ودلع. وعادت في 15-9-1975 لتنقل صورة لحياة ليل هؤلاء الأطباء "من الحي الأمامي، قصاد الاسبتالية"، إسبتالية النهر (ربما ميز الهبوب بجهة نادي الأطباء الذي كان يسكنه العزاب من موظفي الدولة وأكثرهم أطباء). فقد وصفت قعدة لهم علا زغاريدها وضجيجيها من أثر الخمر أفرغوا فيها كوؤس الوسكي في البطون التي قالوا إنها تتضور جوعاً لقلة المرتب. وسخرت الصحيفة من إضراب الأطباء وقالت كيف يشكو مثلهم إملاقاً زاعمين أن دخلهم لا يكفي لضرورات الحياة. وأضاف: "ولكن لا عجب فلعل السيارات الجديدة والرصيد في البنك والوسكي بالصودا في الثلاجات من ضروريات الحياة عند أطبائنا الأماجد". وشبه المحرر الأطباء بقصة ملكة فرنسا أنطوانيت التي قيل لها إن الشعب ثائر لأنه لا يجد الخبز فقالت لماذا لا يأكلوا بقلاوة. وعلق محرر الناس: "يثور أطباؤنا لأنهم فقدوا البقلاوة".   
   وكانت الناس شديدة على وزارة الخارجية التي كان وزيرها المحجوب وهو الرجل الثاني في حزب الأمة الذي كان البيه سكرتيره. وليس بيدنا مقال الجريدة الأول الذي تعرضت فيه الناس للفساد بالوزارة. ولكنها واصلت التعريض بالوزارة في كلمة لها لاحقة. فتحت عنوان "الوكيل الدائم (وكيل وزارة الخارجية) وعمل الشيطان"  كتبت أن الوكيل يجند صحف الدرجة الثالثة للنيل من الناس لسابق كشفها خبايا الوزارة. ثم أخذت تروي عن حكايات سفره لإيطاليا. فقد اشترى طاقم شوك وسكاكين بألفي جنيه. وكشفت عن إمرأة احتلت بيت سفيرنا وتنقلت بعربة الدولة ونعمت بحضن وزير سابق. ثم تطرقت إلى نية الوكيل استبدال عربته الإستديوبيكر بسيارة شفورليه من فرط إعجابه بصنعتها بعد أن رآها مستخدمة في السفارة الأمريكية (15-9-1957).
 وفي عدد 15-1-1958 عادت جريدة الناس للصدور بعد احتجاب دام أشهر ثلاثة بأمر من وزير الداخلية بالنظر إلى ما كشفته من فساد مزعوم بوزارة الخارجية. وصوب المحرر نيرانه إلى من اسماه "صديقه القديم" وزير الخارجية. ولو كان الكاتب الناقد هو منصور خالد لصرفنا عبارة "صديقه القديم" لا للعمر بل لأن منصور ممن تدربوا على المحاماة بمكتب المحجوب (راجعني من قال إنه تدرب بمكتب السيد احمد سليمان!). وكان الوزير، الصديق القديم، قد نسب إيقاف الجريدة لنفسه "وأبى إلا أن يتجول مختالاً في كل محفل وجمع يحدث الناس عن مآثره الفاضلة وعلى رأسها إغلاق جريدة الناس". وهذه الصورة مستمدة بالطبع من قصة دون كيشوت المشهورة التي تصور فيها الدون نفسه فارساً محارباً ولم يكن أعداؤه سوى طواحين الهواء. وقالت الجريدة إن المحجوب تباهى بإيقافها أمام جمع من الصحفيين "شأنه شأن الجبان الذي خلا له الجو فأخرج سلاحه لينازل ويطاعن الهواء والفضاء". وعبارة المحرر نظرت إلى بيت الشعر العربي الذي يحلو فيه  للجبان النزال متى خلا الجو. فتأمل ايها القارىء سعة ثقافة محرر الناس تتنادى في جملة واحدة.  وقد سبق لنا إيراد دفاع المحجوب عن وزارته. فقد قال إن مرتب سفراء العراق أضعاف أضعاف سفراء السودان. وغمزته جريدة الناس أنه نسي أن العراق غني بنفطه وأن "ميزانية وزارة واحدة فيه تساوي ميزانية جمهوريتنا السنية . . . السعيدة بفضل علم الجهبذ محجوب".   
وعادت الناس إلى بذخ وزارة الخارجية في عددها بتاريخ  2-2-1958. فنشرت كلمة لإبراهيم ع شيخ الدين من دنقلا تحت عنوان "الشعب لا يؤمن بهذا". وربما كان هذا الإبراهيم من صنع المحرر ليبث لاعجاً من عامة الناس فتقوى حجته. وجاءت كلمة إبراهيم دنقلا بمواصفات المرشح الذي يستحق صوت القاريء في الانتخابات المزمع عقدها في 1958. فمن بين ما يزكي المرشح للناخب حسب قول إبراهيم أن يعقد النية على إغلاق سفاراتنا في روما وأثينا وباريس "لأننا نتعامل معها في الأمشاط وأقلام الرصاص ولأن الأصداف التي تشتريها منا هذه الدول يمكن أن تسد حاجة الاتحاد النسائي". ومن الجهة الأخرى نشرت الناس برنامج صاحبها محمد مكي محمد وفيه يدعو إلى إغلاق سفاراتنا في موسكو ودول شرق أوربا لأن أرز مصر أقرب إلينا "ولأننا لا نريد أن تصدر إلينا هذه الدول، مع الأفكار الإلحادية، وابورات الجاز تنفجر في وجوهنا وأعواد الثقاب تعمل حينما لا نكون في حاجة إليها".  
تواترت مؤخراً كتابات عن منصور خالد تطعن في خلوص نيته في نقده لوزارة الخارجية إذا صح زعمنا أنه محرر الناس الخفي. ولسنا نقول إنه كان مغرضاً لا غير في تصويبه لذلك النقد. ولكن الترجمة للرجل تقتضينا أن نتوقف عند هذه المحطة طلباً لعلم افضل بسيرته. فقد أصبح معلوماً بفضل ما كتبه السيد علي أبو سن ( كتابه عن ذكرياته مع الشاعر محمد المهدي المجذوب، جزء 2، صفحة 136) أن منصور طلب أن يعمل بوزارة الخارجية في شبابه ولم يوفق وجاءها وزيراً في كهولته عام 1972. وقال علي أبو سن: "جاء منصور إلى الخارجية بحقد دفين، منشؤه هو عجزه عن الجلوس لامتحان الخارجية . . . كان سكرتيراً لعبد الله خليل، وبالتالي كان في موقف يسمح له بالتقدم للامتحان مع التوصية القوية. السؤال هو لماذا لم يتقدم منصور خالد لامتحان الخارجية التي كانت أمنية حياته في الفترة التي كان مدعوماً فيها بمركزه كسكرتير لعبد الله خليل؟ سألنا ميرغني الصائغ ( العليم بأمر هذا الامتحان وقال إن  صلاح احمد إبراهيم كان ترتيبه الأول ورفضوه لمبادئه المعروفة). وأن منصور خالد حاول الالتفاف حول القانون وطلب من عبد الله خليل تعيينه في الخارجية بدون امتحان فرفضت الوزارة ورفض عبد الله خليل ممارسة الضغط على قادة الوزارة فكرهه منصور وحقد عليه وعلى الخارجية معاً."  
امتناع البيه عن تزكية منصور للخارجية محير بمقياس اليوم الذي لا يخدم أحد بالخارجية أو غيرها بغير تزكية كبير ما. ولكن كان من عادة البيه أن لا يزكي أحداً للخدمة بالحكومة بغير قيد او شرط. وهذا بعض خلق الحركة الوطنية الذي تربى عليه ذلك الجيل ثم لم يصمد لتبعاته طويلاً فأنغمس في المحسوبية حتى أذنيه. وقد استفدنا علماً بعادة البيه هذه مما رواه ابنه السيد أمير عبد الله خليل. فقال إنه تقدم وهو في المرحلة الثانوية بوادي سيدنا، وكان ولعاً بالعسكرية وصولاًً بالمدرسة، للالتحاق بالكلية الحربية. ومن فرط محبة قادة الجيش لأبيه جاءوه بالامتحان إلى داره. ولما علم البيه بذلك وجه اللواء حسن بشير أن لا يقبل ابنه بالكلية.  ولما سأله أمير عن سبب ذلك قال: "رجل لا يعتمد على نفسه لا يستطيع أن يحمل البندقية ليدافع عن بلده. فاعتمد على نفسك وادخل الكلية الحربية بجهودك."  وسرعان ما عمل أمير ميكانيكياً بشركة سودان مركانتايل وسافر في منحة دراسية. وظل يذكر هذه الكلمة لوالده الذي عرف طوال خدمته العسكرية والسياسية أنه "لا يجامل ولا تعرف الواسطة إليه سبيلا" (الصحافة 10-3-2004).   
ونتابع في حلقة قادمة سيرة هذا الطائر المحكي في زحام الدنيا وصدى الأيام

.

جريدة الناس: بعبد الله خليل البيه ولأجل منصور خالد
عبد الله علي إبراهيم
قال الدكتور منصور خالد إنه عمل معاوناً للسيد عبد الله خليل البيه في مجال الاتصالات خلال بعض سنيه كرئيس للوزراء من 1956 إلى 1958 .ومن يقرأ ما تيسر من جريدة الناس لعامي 1957 و1958 يجد أنها كانت منبراً بلغ من الإحسان الغاية في خدمة البيه. ومع ذلك رأينا منصوراً لا يذكر جريدة الناس ضمن الصحف التي عمل بها في سنوات الخمسين من القرن الماضي على أيام الطلب وبعد التخرج كمحام. فلم نجد بها سوى مقال يتيم مذيل بتوقيع منصور بينما ينضح تحرير الصحيفة وأبوابها، في ما بدا لنا، بمهارات منصور في الإدارة ونضوج القلم. علاوة على عناية الجريدة بأخبار منصور نفسه في ساحة المحاكم كمحام ناشيء. وسمعت من السيد أحمد باشري، الذي كتب في الناس لماماً، أن منصور كان بمثابة رئيس تحرير الناس الفعلي. فقد كان محمد مكي، صاحب إمتيازها ورئيس تحريرها، عنها في شغل شاغل. فلم يذيل  محمد مكي نفسه مقالاً باسمه طوال السنوات موضوع نظرنا سوى مرتين أو ثلاث. وسنعرض لسيرة هذا الصحفي المغامر المحتال في هذه الحلقات عن قريب. وقد جرت الإشارة إلى خاتمة حياته التراجيدية مؤخراً في معرض نقاش اغتيال السيد محمد طه محمد أحمد، رئيس تحرير جريدة الوفاق. فقد اختطفه نظام النميري في سنواته اليسارية الباكرة من بيروت وصفاه بليل. وما تزال نهاية الرجل الفاجعة في حرز حريز. وهي السيرة التي ربما أزهدت منصور أصلاً في توقيع مقالاته بها تحسباً من أيام تأتي.

تركنا منصور نستدل على عمله بالناس ببينات ظرفية من قرائن الأحوال حين اخفى أثره في الجريدة قديماً بعدم توقيع اسمه بمقالاته وحديثاً بإهمال ذكرها في تربيته الصحفية في المرة النادرة التي كشف فيها عن هذه التربية. وقارئ الناس سيستغرب كيف تكون  هذه المعاونة في الاتصالات التي قال منصور إنها مما خدم  بها البيه لو لم تكن جريدة الناس. فقد كانت الناس بالبيه وللبيه ولا شيء سواه. فقد كانت أخبار تحركات البيه وأسفاره راتبة بالجريدة لا يٌشرك بها. فلست تجد أخبار تحركات زعيم طائفة البيه، الأنصار، ولا رئيس حزبه، الأمة، ولا حليفه، حزب الشعب الديمقراطي، أو سائر طاقم الحكومة، سبيلاً إلى الجريدة. بل لم تتورع الجريدة في أخذ وزراء للبيه من حزبه أو من الحزب الحليف بالشدة والتهزئة انتصاراً لرئيس الوزراء في أصيل حياته السياسية كما فصلنا ذلك في حلقات مضت. 

فمن جهة الحرص على نشر أخبار البيه نجد صورة له وأخرى لجمال عبد الناصر عن لقاء محتمل سمته الجريدة "تلاقي الأكفَاء" أو صورته وهو يودع السفير الأمريكي. ومن ذلك أيضاً نبأ سفره الموصوف "على الطائر الميمون" للاستشفاء في أوربا ورحلته لبلاد أسواق القطن السوداني التقليدية ليقف بنفسه على جدوى العرض السوفيتي كزبون جديد. وحرصت الجريدة على إيراد خبر نفيه لتصريح منسوب إليه في لندن أو تنازل السيد زكريا عبد الرحمن عن الترشيح في دائرة كوستي الجنوبية  لتخلو للبيه مع الصورة. وكانت تشيد بوقفاته القيادية مثل مدح حديثه لمديري المصالح بأن يديروا العمل بوزاراتهم لا الوزير. وهذا غيض من فيض في هذا الباب التقليدي بالطبع في العلاقات العامة والاتصالات روجت الناس به للبيه. 

والتزمت الجريدة بالبيه لا غير. ولم تحرفها عنه لومة لائم. فقد كالت لمحمد أحمد المحجوب، وزير الخارجية من حزب الأمة، وهزئت منه بمضاضة غير مكترثة بزمالة الحزب والوزارة. وكانت الجريدة قد اشتبهت أن المحجوب قد أمر بإيقافها في يناير 1958 حين فتحت ملفاً للفساد بوزارته. فقالت إنه "يتجول مختالاً في كل محفل وجمع يحدث الناس عن مآثره الفاضلة وعلى رأسها إغلاق جريدة الناس" ونسبت للمحجوب قوله إنه أوقف الناس وليعيدها البيه لو شاء. وزادت متسائلة عن سبب  تعريض المحجوب برئيسه العظيم "وهو رجل كبير لم يخطيء في حياته خطأ اللهم إلا تعيينه للمحجوب وزيراً" (5-1-58). وسنرى كيف تناصرت آليات أخرى بالجريدة للهزء بالمحجوب وتسفيه أحلامه.

ومع أن الناس كانت بالبيه وللبيه إلا أنها كانت بشكل رئيسي بالبيه . . . ولمنصور خالد. وهذه سنة في منصور. فقد يبدو للناظر أنه ممن يخدم تحت الرجال. ولكنه ممن  ينتهز سانحة مظلة الرجل الكبير لبسط رؤيته هو، منصور خالد، في الإصلاح السياسي والاجتماعي. وهذه طبع في الرجل أعاننا على فهمه قول المتنبيء "وفؤادي من الملوك وإن كان لساني يٌرى من الشعراء". فالإصلاح السياسي والاجتماعي ظل هاجساًً مقيماً لمنصور. وهو من أهل الرؤى، وهي لم شعث المفردات في بناء جامع، طالما ظل يتعاطى المعرفة ويستصحب الكتاب. وهذه خصلة تكاد تكون من المعدوم في قبيله من المتعلمين. تبعاً لذلك فهو من أهل الأفئدة من رعيله. وكان فؤاده من الملوك في رغبته في الأمارة السياسية. ولكنه كان يدرك أن عليه أن يرعى بقيده في مجتمع البلوتوكرسي. وهو مجتمع مثل حالنا يقلد الأمارة لأهل الإرث الذي هو متاع أهل الطوائف والقبائل في حين يجعلها شبه مستحيلة لأهل الكسب مثل منصور. فإن شاء الأصاغر كمنصور الجاه اليساسي تسقطوه من الأكابر بالكف عن التفكير والعمل المستقلين. فمن قول الأمريكيين في التسلط قول المستبد للتابع متى تبرع برأي: "لم أدعك لتصدع برأي. ومتي دعوتك للإدلاء برأي فسأتكفل بتزويدك به". وهكذا يضحي الأصاغر بفؤادهم الملوكي ليصبحوا مجرد هتيفة حول الزعيم "ولمة كضابة".

كانت خدمة البيه هي تجربة منصور الأولي في إنتهاز فضاء رجل مطاع لتهريب رؤيته للتغيير السياسي بغض النظر عن صدق تعبيرها عن الرجل المخدوم. فهو يستنفد هذا الفضاء للترويج لما يعتقد أنه الصواب رضي الرجل المهاب أو لم يرض. فهو من شدة العزة بالنفس حتى يكاد يرى الرجل المخدوم قاصراً وهو الولي الذي سيرشده إلى أهدى الطرق طال الزمن أم قصر. وسعة منصور للتضحية دون رؤيته لا بأس بها. فقد عطل الناس عن الصدور وزراء تحت البيه ووقفت تٌحاكم أمام القضاء دفاعاً عن الحكومة "التي جندنا كل طاقتنا للدفاع عنها في كل محفل ومقام". ويستغرب المرء لمن له هذا البصر الحديد والطاقة للفداء لماذا احتاج أصلاً لخدمة أمير ولم يستقل بدعوة خاصة. فقد سبقه إلى دعوة الإصلاح رجل كالأستاذ عبد الخالق محجوب الذي كان شديد الاعتداد باصطفافه وشيعته كالسيف وحدهم تحت ما كان يسميه "راياتنا الخاصة". وجاء رجل من دفعة منصور في مدارج العلم هو الدكتور حسن الترابي ليرفع راية مستقلة للإسلاميين. أما منصور فقد أفسد الماعون الضيق لمن خدمهم من الرجال عليه رؤيته وجعلها في أفضل أحوالها حادثاً سعيداً مجهضاً. وجعلها في أسفل الأحوال ذراً للرماد في العيون زينة تحلى جيد رجل منصور وجيد منصور ذاته. 

جاءت الناس بمسألة فساد البروقراطية التي ما تزال معنا. ولا أعتقد أن هناك من أصاب كبدها مثل ما فعلت الناس بإلحاح ذكي هو سمة في منصور. ولا أدري إن كان هذا الفساد مما استبد بالبيه نفسه ونذر نفسه لحربه. ولكن كان الاستقلال طرياً وتوقعات الناس منه ومن جهاز الدولة الجديدة غراء فرعاء. وليس يضر البيه، الذي كان يصارع من أجل البقاء على سدة الحكم، أن يراه الناس مؤرقاً بطهارة الحكم. فقصص جريدة الناس عن الفساد في مصلحة النقل الميكانيكي ووزارتي التجارة والخارجية وحملة مكافحة الجراد وتهافت الأطباء على الإمتيازات  ربما كانت من أدمغ القصص في بابها حتى يومنا الراهن.

وسنضرب بفساد مدير مصلحة النقل الميكانيكي مثلاً على مهارة الصحفي الذي كشف عن الأعيبه. فوراء ما سمته الجريدة ب "عابثو النقل الميكانيكي" عقل لا يغادر حقيقة تَبَذٌل بروقراطي لا يكل ولا يني يطرق فولاذها ساخناً. فقد بدأ أرشيفنا عن القصة منذ انعقاد لجنة التحقيق بالنقل الميكانيكي. وقالت الجريدة إنها اللجنة الثالثة من نوعها والتمست منها أن تأتي بالقول الفصل لأن الناس "الذين يدفعون الملايين ضرائب وعوائد يهمهم أن يعرفوا كيف تدبر أموالهم وكيف تصان" (25-8-57). فتأمل كيف تحدثت الجريدة بتفويض من دافع الضرائب. ثم عادت الجريدة لتلهب هؤلاء العابثين شواظ نقدها لتكشف عن المساعي الجارية لإفشال التحقيق في المصلحة. وقالت إنه يدور حول فوضى شراء العربات وشراء إسبيرات بما يفوق سعر السوق والتصرف في بيع قطع غيار جديدة كخردة. وبلغ الفساد حداً سٌخريا باستخدام مسئولي النقل للمنفعة الخاصة لبعض الموبيليا التي جرى صنعها بواسطة نجارين جلسوا لامتحان قدرات قبل العمل بالمصلحة (1-9-57). وعادت الصحيفة مرة أخرى لتكشف كيف أن المدير زَكّى محسوباً عليه  لشراء مطلوبات للمصلحة من شركة ما لقاء عمولة مبالغ فيها(8-9-57). وفي مناسبة لاحقة نبهت الجريدة إلى أن مدير المصلحة قدر سعر عربته التي استخدمها لثلاث سنوات بسعر أعلى ليبيعها للمصلحة (15-9-57).

ولم يهدأ للصحيفة بال حيال فساد النقل الميكانيكي. فقد عادت تنبه إلى محسوبية مديره المستطيرة. فقد عين صهره، وهو خراط بالمعاش، مهندساً راتبه 780 جنيهاً. كما عين الصهر الآخر مخزنجياً. وقد اختلس الصهر المهندس وحوكم في عطبرة. وخلال المحكمة هاجم القاضي المحسوبية وبؤس تأهيل المهندس مع أنه لم يجد مادة لمقاضاته هو نفسه. ولم تترك الجريدة حبل المسألة على غارب القانون القاصر بل طالبت بمحاكمة مدير النقل لوضعه المسئولية بيد من ليسوا أهلاً لها. ونبهت إلى أن المدير يقف بمواجهة سبع قضايا أخرى (5-1-58). ثم عادت الجريدة إلى فساد النقل الذي لا ينفد لتحدث القاريء عن الرجل الإيطالي الذي رفع قضية على مصلحة النقل لأنها لم تدفع عمولة له مقدارها 7 ألف جنيه مقابل إسبيرات على عهد مديرها المتهم بالفساد. وأضافت أن لجنة التحقيق وجدت أن المدير ورّد بطاريات من نوع معين برغم وجود نوع آخر أجود بالعهدة. وقد فسدت الأخيرة لعدم الاستعمال (12-1-58). ونقلت الجريدة للقاريء خبر تأجيل النظر في قضية مدير النقل المتهم بالفساد بعددها بتاريخ 23-2-1958. وهذه عناية مثلى بالقاريء ليتربى في عادة العلم بالشيء وتطوراته حتى يقوي عزمه على تغييره على بينة.

ولم يكن فضح فساد النقل الميكانيكي في الناس من أجل الفضح. لم تطلب منه مجرد الكسب السياسي كما درجنا. والفضح من أجل الفضح حالة متسيسة جداً من طلب الإصلاح  لا يعشم فيه طالبه في إطار النظام القائم المبتذل بل يريد اقتلاع النظام من جذوره أو يسلم مفاتيح البلد. فالإصلاح بتسليم مفاتيح هذا البلد لا يرى أن درأ المفسدة قد يقع قبل سقوط النظام السيء السمعة بوضع الحلول وتزكيتها للقاريء وموالاتها حتى تصبح عادة في التفكير تحمل الحكومة كائنة ما كانت لتغيير ما بها. وقد جاء محرر الناس بحلول تزيل مزالق الفساد في المصلحة. فقد طالبت الناس أن تكون المشتروات بيد لجنة لا بيد رجل واحد آمر ناه ومستفيد. وأبلغ من هذا أن المحرر لم يتردد دون أن يدعو لتصفية النقل الميكانيكي نفسه حتى تٌدبر كل وحدة حكومية أمر مواصلاتها (1-9-57). وهذا حل جذري تلكأنا فيه ولمّا نفذناه في أوائل التسعينات كان سوء استخدام عربات الحكومة قد أضحى هو الاستخدام الأمثل لها.

وننظر في الحلقة القادمة المهارة التحريرية التي شحذت كفاءة الناس وجعلتها صحيفة "صفراء" غاية في السداد والشجاعة والإمتاع.

صندوق

منصور وتنابلة البيه

من بين أقوى القرائن التي عثرت عليها عن صلة منصور خالد الفتى بجريدة الناس كلمة يؤاخذ فيها المحرر زوار السيد عبد الله خليل البيه بلا موعد مضروب أو غرض مقصود. فالكلمة من شاهد عن كثب على ما عده تبطلاً بدار البيه. وأقرب الظن أن هذا الشاهد ربما كان منصور خالد. فهو بمثابة سكرتير اتصالاته وكان كثير التردد على دار البيه في 1957 بحسب قول الأستاذ عبد الرحمن مختار كما جاء في أول أحاديثنا في هذه السلسلة. ثم في الكلمة "نفس منصوري" لا تخطئه العين بعد نحو نصف قرن. ففي الكلمة ولع بالحداثة ومقتضياتها ما أنفك يخامر منصوراً ويحث عليه.

كان عنوان الكلمة "أعوج". وتعرض فيها  المحرر للمناظر المؤلمة التي لا تعجبه لأولئك الذين يترددون على دار رئيس الوزراء دون إذن، دون عمل، ودون مصلحة كأن بيت رئيس الوزراء منتدي أو مقهى للرواد. أسلوب بلدي لا يتفق مع عرف العالم والتغيير الذي طرأ على البلاد والزوار.

يستقبل المسوولون الناس في كل العالم ولكن بناء على موعد سابق ولقضاء مصلحة عامة. أما التنطع وأما التنبلة فإنها إهدار للوقت واعتداء على الحرية الشخصية. أليس كذلك؟" (الناس 11-5-58) .
"الناس" منكورة: ذاكرة تختار الجياد
عبد الله على إبراهيم
"وبذيله صندوق لتوضيح جوانب من المقال)
جاء منصور خالد في حديث للأستاذ كمال حسن بخيت مر بنا بقائمة بالصحف التي كتب بها سواء في عطلاته الدراسية او بعد التخرج. فذكر صحف النيل والشباب والأيام ووكالة السودان للأنباء (البيان 6-9-2003). ومما يحير المرء الطريقة التي غابت جريدة الناس، لصاحبها السيد محمد مكي، من هذه القائمة على أنها الجريدة التي يتفق معاصرو منصور أنه ربما كان عقلها المدبر المحرر. ومما يستوقف هنا تنصل منصور عن الناس أو تبرؤه منها. فقد كانت الناس بمقياس زمنها "صحيفة صفراء" بمعنى أنها للإيجار. فهي صاحبة قضية تؤديها بكفاءة مشهودة ومهنية عالية ولكن بالثمن. فقد اشتهرت النادرة عن الصحفي الذي جاء صاحبها ومحررها، محمد مكي، في نهاية شهر تعيينه الأول يسأل عن مرتبه. فكان رد محمد مكي له أن الناس لا تدفع مرتبات بعد أن توفر للصحفي زواية منها يرتع فيها قلمه. استرزق يا ابني فرزق الهبل على الكاتبين. وليس مهماً أن حدثت هذه الواقعة أم لم تحدث لأن قيمتها في أنها هي ما تواضع جيل جريدة الناس وقبيلها عنها من حيث معيار الشرف الصحفي.

وكان مكي أمة وحده في الصحافة السودانية. عاش مغامراً محباً للمال من حيث أتي متلافاً له حيث ذهب. ومات في هذا الطريق الوعر بصورة غير مسبوقة في 1969. فقد كان في بيروت حين وقع إنقلاب نميري في مايو من تلك السنة. ورصد النظام له نشاطاً معادياً له بين الدوائر الغربية المناوئة للإنقلاب . . أو توهمه أو بالغ في خطره. فأوحي النظام لأصدقائه من الفلسطينيين فأختطفوه وحملوه بالجبر إلى الخرطوم حيث تمت تصفيته في بادرة باكرة جداً لاستهانة دولة مايو بحكم القانون. وما تزال قصة مكي المخاطر المتلاف ونهايته التراجيدية بحاجة إلى من يحسن روايتها.

ومن أقوى ما سمعت من شهادات عن مكر الرجل ما رواه السيد عبد الماجد أبو حسبو في سفر مذكراته على صفحات 173 إلى 175. قال أبو حسبو إنه والسيد الشريف حسين الهندي كانا بالقاهرة نزولاً بفندق الكونتنتال. و لا أعرف فندقاً ارتبط بالسياسة السودانية المصرية مثل هذا الفندق المطل على حدائق الأزبكية ويتكئ على زاوية من شارع فؤاد الضاج الذي يكاد لا ينام. وقد قصدت أن أن أرى الفندق عن كثب في زيارة أخيرة للقاهرة. ووجدته رسماً درس. وتذكرت أبا نواس: "عاج الشقي على رسم يسائله وعجت أسال عن خمارة البلد". فما زال بناؤه شاهقاً بمقياس عصره ومترفاً بمعياره ولكنه ساكن سكون المقابر. بئر معطلة وقصر مشيد.

قال أبو حسبو إنهم كانوا ضيوفاً على الفندق في صيف 1958. فزارهم محمد مكي واستغربوا منه أن يكون بمصر اصلاً لأنه من المطلوبين من العدالة المصرية. فلما سألوه عن المفارقة قال: "أنا محمد مكي إنتو ما تعرفوش." قال إن الأمن المصري استوقفه في المطار ولكنه افحمهم بطلب مقابلة رئيس وزراء مصر لأنه يحمل ما لا يٌعرض إلا عليه شخصياً. وكانت تلك خطابات سرية من رئيس وزراء السودان، البيه، للإمبراطور هيلا سلاسي والملك سعود والملك إدريس السنوسي عاهل ليبيا والسيد كميل شمعون، رئيس جمهورية لبنان. وحوت الخطابات أفكار البيه حول الحزام الأفريقي العربي لحصر الرئيس جمال عبد الناصر وضبط تأثيره على المنطقة. وكانت هذه خطة أمريكية معروفة آنذاك. ولما استغرب أبو حسبو والشريف منه ذلك قال لهم ألا ينسوا أنه مصري وولاؤه لمصر في المقام الأول. وفتح المسئولون الخطابات بطريقة معينة لم تفسد صمغها الأصل وصٌورت الرسائل وقفلت من جديد متماسكة تسر الناظرين لها من الملوك والروؤساء. وختم مكي قوله: "ألم اقل لكم أنا محمد مكي".

وزاد أبو حسبو أن محمد مكي كان نوبياً مصرياً حقاً من قرية بلانة بالشلال. وهي القرية الأصل لعبد الله خليل البيه نفسه. ولكن عرضه رسائل الروؤساء والملوك لحكومة مصر لم يكن وطنية منه بل جِبلة منه على التكسب لا الكسب. بدأ الرجل حياته صولاً في القلم المخصوص بالأمن المصري ومهمته مراقبة الشيوعيين السودانيين في الأربعينات. وتوشجت صلته مع الدكتور عز الدين على عامر والسيد عبده دهب، العامل النوبي الناشط في اليسار المصري، من طلائع هؤلاء الشيوعيين بمصر. وحَكم جامع النوبية على محمد مكي أن يتواثق مع عبده دهب في مسائل انتهت به إلى الهرب من مصر إلى السودان. كان دهب يملي عليه التقارير التي يريد أن يضلل بها القلم المخصوص عن حقائق الشيوعيين. وذهب هذا المكر بعبده دهب بعيداً. فقد خطط ليكون محمد مكي فريسة طيعة في يد الحزب الشيوعي المصري. فأتفق معه أن يختلس من أضابير القلم لمخصوص تقريراً عن الحزب الشيوعي مقابل مبلغ من المال فيه مقدم ومؤخر يدفع الأخير بعد تصوير المستند. ورفض الحزب أن يعيد المستند لمحمد مكي حتى يحرجه مع القلم المخصوص. وزاد الحزب بأن طلب من محمد مكي أن يعيد المقدم الذي دفعوه له. وهددوه بإعادة المستند إلى القلم المخصوص إن لم يعد لهم مقدم المبلغ. وكان مكي قد تصرف في المبلغ بالطبع وعلم أنه وقع في قبضة الحزب الذي كان مفترضاً أن يوقع به. ولم يجد مكي بداً من الفرار إلى السودان. وعمل حيناً موظفاً صغيراً بمصلحة المخازن أو النقل الميكانيكي. والتقى به أبو حسبو في مقهى الحلواني في الخرطوم فشكى من قل المال. وسأله حسبو إن لم يعرض خدماته للأمن السوداني. فقال ضاحكاً مستهزئاً إنه فعل والتقى بابكر الديب، الضابط عالي الرتبة بالبوليس السري كما كان يعرف، ولكنهم لم يعرضوا عليه سوى أن يعمل بالقطعة: يأتى بالمعلومة ويأخذ مكافأته البخسة وينصرف. وسخر من بؤس بوليسنا السري وفقره. وقال إنه يريد المال الوفير وسيجده مهما كلفه الأمر. وفخر بذكائه الذي يفوق ما يتمتع به من زينوا أكتافهم بالدبابير. ونصحه أبو حسبو أن يتعظ بما جرى له بمصر وأن يعيش عيشاً آمناً قويماً كموظف بالحكومة. فسخر من أبي حسبو وقال له إن القيم الوطنية التى تدعوني إليها باطلة وخرافات واستغرب أن أبا حسبو ما يزال يؤمن بها. وقال له إن المال هو مأربه وبالمال لا يعجز المرء عن اجتراح المستحيل. وختم أبو حسبو قوله عن الرجل قائلاً إنه عاش بصورة غير طبيعية واختفى بطريقة غير طبيعية.

وكانت جريدة الناس، التي كان مكي صاحب رخصتها، ربما هي سبيل مكي ليخرق أعراف الوطنية ومثلها ليجد من يحثو له المال حثواً فيفعل ما يريد. وكان هذا الفجور في طلب المال هو المعروف بالضرورة عن جريدة الناس. ولربما اختار منصور عمداً ، وسيرة الرجل والمجلة من الدرك بمكان، أن يلغى ذكر مكي، الذي أوى قلمه القوي في آخر الخمسينات وقتله نظام مايو الذي كان منصور أحد أعمدته الشماء. بل وأنكى من هذا سنرى من قريب كيف أن منصور حرص طوال عهد كتابته لجريدة الناس أن يكتب بغير توقيع. وهذا "تلوين التاريخ" الذي كرهه منصور عند غيره. وهو تلوين للتاريخ قبل أن يصبح تاريخاً تحسباً لوعثائه حين يصير تاريخاً في يوم قريب. وهذا أدعى للذم من تلوين التاريخ بعد صيرورته تاريخاً.

وأشقى منصور من يترجم له بتلوينه لتاريخه في جريدة الناس. فالبينة الآن على من أدعى. وما هذه تبعة المترجم عادة لحياة صحفي ذي قلم راتب بصحيفة ما. فعلى مترجم منصور أن يقيم البينة على أنه كتب بالناس أولاً طالما أخفى منصور اسمه وذاع فعله. وسيريحنا منصور إذ أنكر على اليمين صلته بالناس أو قبل بها. وسنسلك لإقامة الدليل على دعوانا بصلة منصور بجريدة الناس طريقاً طويلاً نستعين فيه ببينة ظرفية وأخرى مباشرة.

أما الظرفية فهي عن ملابسات ورد فيها اسم منصور في سياق لا عنت إن حملناه محمل الدليل على مساهمته في مراسلة الناس أو الكتابة فيها. تطرقت الناس (23 مارس 1957) لتساؤلات بعض عناصر معينة، هي الشيوعيون كما بينا في مقال سبق، عن الصفة التي خولت للأستاذ منصور خالد المحامي ليرافق السيد رئيس الحكومة في رحلة للبلاد العربية. وقالت الجريدة في مثابة الرد إن الأستاذ منصور إنما هو سكرتير خاص للرئيس وقد لا يعلم الكثيرون أنه عضو بارز في هيئة حزب الأمة منذ زمن بعيد. و لم يمر شهر حتى جاءت الجريدة نفسها (21 أبريل 1957) باسم آخر للسكرتير الخاص لرئيس الوزراء هو السيد طه صالح. وقد سبق لنا القول إن منصور نفسه ذكر منذ عهد قريب أنه كان بمثابة معاون للبيه في مجال الاتصالات. ولكن ما يستوقفنا هنا رسالة تلقتها الجريدة (7 إبريل 1957) من مراسل خاص حسن الاطلاع على زيارة رئيس الوزراء للبلاد العربية. وكان عنوانها "الملك سعود يفوض عبدالله خليل." ووصف الكاتب السعودية ب "مهد العروبة ومهبط الإسلام". وقد طلب سعود من السودانيين أن يدعموا عروبتهم وإسلامهم. وقد رأي في مشروع أيزنهاور (وقد كان سياسة متبعة لذلك الرئيس الأمريكي لملأ الفراغ المزعوم بواسطة بلده بعد زوال الاستعمار البريطاني والفرنسي وغيرهما من أفريقيا والعالم العربي خشية أن يسود عليها غريمه الاتحاد السوفيتي كما فصلنا سابقاً) ضمانة وحيدة لدرء أخطار الشيوعية عن البلاد العربية ولذا قبله الملك لأن أمريكا لا تشترط ما يؤثر علي استقلال وسيادة البلاد العربية. وقد فوض سعود البيه، رئيس الوزراء، ليجعل هذه المادة محور أحاديثه في البلاد العربية التي سيزورها. وقال سعود إن جمال عبد الناصر لا اعتراض له علي المشروع وأن زعماء العرب سيقبلونه لخير شعوبهم ومستقبلها. وقال المراسل الخاص إن الصوت النشاز في هذا الإجماع العربي هو الشيوعيون ممن بثوا سمومهم في نشرة "كفاح الشعب" ،لسان حال الحزب الشيوعي المصري الموحد، التي شككت المصريين في العاهل السعودي وتحدثت عن معارضة القبائل لحكمه وكيف كتبوا علي الأغنام "يسقط سعود-أيزنهاور" لتسير في الشوارع. وعلق المراسل أن هذا الهذر لا يصدر إلا من عبيد الكرملين الذين ساءهم أن ترعى الأغنام في "أرض رسمت عليها الشوارع والطرقات". ونبه المراسل مصر إلي هذه المسالك المعوجة التي تتهدد مستقبلها. وهذه المادة بعدائها للشيوعية ستخيم على تحرير جريدة الناس حتى انقلاب نوفمبر 1958 وما بعده. وقد استصفينا أن المراسل الخاص ربما كان هو منصور الذي صحب  البيه في زيارته للبلاد العربية وربما كانت هذه بعض خدماته الإعلامية التي قال إنه كان يؤديها للبيه.

على ما يقال عن صلة منصور بجريدة الناس إلا إن قارئ أرشيفها المودع بدار الوثائق المركزية لن يجد اسمه عليها كما ينبغي لكاتب في مثل منزلته منها. فبرغم أنه ترك آثاراً منهجية وأسلوبية منصورية تدل عليه إلا أنه بخل بوضع اسمه على أياً من تلك الآثار. فبرغم تواتر المواد التي تكاد تصرخ باسم منصور إلا أنه أعياني العثور علي اسمه على أياً منها.

فلم أحصل طوال قراءتي لأرشيف الجريدة لعامي 1957 و1958، وهي سنوات همة منصور بها، سوى على توقيع واحد له تحت كلمة كتبها. كان ذلك بعدد الجريدة بتاريخ 4 أغسطس 1957 وعنوانها "خضر حمد بين الاسراف والاسفاف". ومن قرأ منصور الآن لن يجده يختلف عنه قبل نحو نصف قرن. فهو لا يكتب بغير مبدأ. بل احتاج دائماً لمبدأ ما يحتكم إليه مهما كانت قناعة منصور نفسه بالمبدأ. وقد احتكم في نقده للسيد خضر حمد لشرع الديمقراطية. فقد رآه أسف حين وصف السيد إبراهيم أحمد، وزير المالية بحكومة البيه عبد الله خليل، بأنه رتب ميزانية اتسمت ب"عقلية الموظف الذي آمن بالإنجليز وكفر بالثورة والتطور". وأضاف منصور أن الديمقراطية التي ارتضيناها تأذن بالخلاف حتى الفسولة. وأنظر كلمة "الفسولة" من هذا الشاب الحدث ما بلغ من العمر 23 عاماً بعد. بل وأنظر ثراء قاموسه في بقية المقال من مثل  "يشخب دماً قانياً" و"جماجم الطغام الذين اضلتهم عماية الهوى" و "لجاجة الغرض". وأنظر فصل الخطاب حين أضاف أنه لو كانت حرية التعبير ملكاً مشاعاً للناس فأن الأخلاق ليست بالملك المتاح.

وليس يفاصل منصور بغير علم دقيق بخلفية سلبية لمن يفاصله. فقد استغرب لخضر حمد ينعى على إبراهيم أحمد ارتهانه لأفنديته ليسأل بطريقته الحامضة أين خضر "موظف الدرجة التاسعة (من) الذين ارتقى بهم القدر الهازل إلى مراتب الحاكمين" من إبراهيم معلم الناشئة وخالق الجيل. وكان إبراهيم كما هو معلوم مدرساً وإدارياً مميزاً بكلية غردون. وعاج على فترة خضر حمد التي عمل فيها موظقاً بالجامعة العربية فوصف الجامعة بأنها كانت لوقتها "ملاذاً للعاطلين وملجأ للمتبطلين". ولم يترك لخضر شاردة أو واردة لم يحصها بما في ذلك نشيد المؤتمر الذي وضع كلماته. فوصفه بأنه كل نصيب خضر من الثورة في حين أنه نشيد "رقيع قتل كل معاني الرجولة في نفوس الذين تغنوا به".

 وليس تخلو مضاضة منصور أبداً من بيت حامض من الشعر العربي يخذي به خصمه أو كلمة سائرة يعزى به خاصته. فقد هزئ من تسلم خضر ورعيله الحكم وسماه استباحة من نظير قول الشاعر عن استباحة "بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا" إبل الرجل الذي لا ينتمي لشعب مازن القوي المنييع. وعزى منصور إبراهيم بقوله إن مثل اسفاف خضر واسرافه على نفسه لن يجد طريقه إلى رجل حليم مثله "حليم حلم مقتدر لا حلم لئيم". بل كما رأينا جعل منصور مدار كلمته وحي القرآن عن اسفاف القول والاسراف فيه. وهذا إطار ذكي لإطراد معاني كلمته ووحدتها الشعورية والهجائية حتى بلغ طلب الهداية له بعد ضلال طويل عملاً بقوله تعالى: "لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً".       

وسنقرأ جريدة الناس في حلقة قادمة بافتراضنا القوي أن منصور كان محرراً مرموقاً فيها على ضوء البينات أعلاه. واليمين على من أنكر.

  صندوق

منصور خالد: ثم جريدة الناس التي لن ننساها

بعد مرور 5 شهور على نشر المقال أعلاه في مجلة "أوراق جديدة" بالخرطوم قال السيد منصور خالد، المستشار برئاسة الجمهورية وعضو المكتب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان، إنه كان صحفياً بجريدة الناس. وجاء ذلك في سياق سلسلة مقالات نشرها مؤخراً بجريدة الرأي العام عن عهد نيفاشا وسلامها بعد عامين. وأخذنا مما كتب مقاله المعنون "الصحافة السودانية بين حرية التعبير والأخلاقيات المهنية ( 4 فبرائر 2007) وفيه تصريح بمروره بمدرسة جريدة الناس الصحفية ضمن تجارب أخرى. ونعيد نشر هذا الجزء هنا لتعميم الفائدة.

قال منصور أنه ذكر في المقالات السابقة عن عامين بعد نيفاشا إنه تحدث عن ضرورة "كفالة الحرية التعبير، خاصة بالنسبة للصحافة ووسائل الإعلام بحسبانها كتيبة الدفاع عن حقوق الناس، لا عن السلطة الأميرية. تلك الحرية رهينة باحترام حريات الآخرين وحقوقهم ، والالتزام بأخلاقيات المهنة وبالمسئولية الاجتماعية. عهدنا بالصحافة قديم منذ الصبا الغابر : عملنا في جريدة "النيل " اليومية تحت إرشاد معلم عملاق هو عبد الرحيم الأمين ، فهدانا إلى مجاني الأدب ورياض الشعر ، قبل فن المقال. عملنا في أسبوعيات شهيرات :"الحادي" لمحمد أحمد عمر ، و"المستقبل" ليحي عبد القادر ومن خلفه الشريف الراحل حسين الهندي (وتلك لم يبق من آثارها إلا إدريس حسن أطال الله عمره ورحم من سبق ) ، ثم جريدة الناس التي لن ننساها كما زعم كاتب ذو حظ كبير من الأدب ومن قلته (وهو أنا: عبد الله علي إبراهيم) ، وعملنا في "الشباب" نراسلها منذ عهد الدراسة ثانوية وادي سيدنا وكان لصاحبها البديع عثمان أحمد عمر عليه رضوان الله ، دور كبير في تأديبنا وتأديب غيرنا ، بل أمد صحيفتنا الحائطية "هذيان" بأكثر من مقال كما كان يمدها زميل الدراسة إبراهيم الصلحي برسوماته الباهرة منذ ذلك الزمان. وكان بداية عملنا الصحفي الموثق في جريدة "الأيام" التي صاحبنا فيها معلماً آخر هو الأستاذ النجيب بشير محمد سعيد رحمه الله وكما التقينا صاحبيه ومحجوب ومحجوب. وتلك صحبة وشجتها الأيام و"الأيام". ومن هؤلاء تعلمنا أوليات فن الصحافة :"الرأي حر والخبر مقدس". تلك الصحف التي خبرناها وتعلمنا منها تختلف ، بل تتعارض ، منابتها الفكرية وتوجهاتها الحزبية."

 

 

 

(2) فؤادي من الملوك وإن كان لساني يٌرى من الشعراء
عبد الله علي إبراهيم

هناك من ظنوا ظناً بمنصور خالد وتحسروا بصورة أو أخرى أنه نهج نهجاً لم يتفق مع ما استحسنوه منه من موهبة مبدعة تنطوي عليها نفسه الطموحة. فقد حيّا الدكتور محمد إبراهيم الشوش مؤخراً جداً كلمة لمنصور عن الأستاذ الطيب صالح يوم تكريمه كواحد من المبدعين المائة منذ مولد البشرية. فقد هز نبأ سبق الطيب منصوراً "وكتب أروع ما كَتَب بل أروع ما كٌتب" عن هذا الفوز العربي والأفريقي. ولم يتمالك الشوش غبطته "عن عودة الأديب إلى نبع إلهامه" وقال إن منصوراً بذلك المقال  "قد اكتشف موهبته الحقيقية التي دفنها وهو يلهث وراء السراب". واستبشر الشوش بالطيب الذي وصفه بأنه له قدرة صوفية عجيبة على استخراج كنوز الإبداع الكامنة في قلوب الآخرين. ويا فرحة لم تتم للشوش. فلم تكن عودة منصور إلى نبعه الإبداعي المظنون إلا فواقاً. وخاب توقع الشوش منه وقال إن الرجل سرعان ما عاد بعد مقاله الفريد إلى سيرته القديمة. وهي سيرة، في قول الشوش، يصول فيها ويجول ويسود المجلدات الطوال في مواجهة طواحين الهواء، ويهدر إنسانيته على مذابح الحركة الشعبية ( الرأي العام،21 مايو 2005).

ويقع مأخذ معارف منصور عليه لانضمامه للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق بعد انتفاضة أبريل 1985 في باب هداية منصور إلى العناية بموهبته الكامنة هذه. فقد جاء ذكر منصور في معرض نعي الطيب صالح للأستاذ جمال محمد أحمد. وتوقف الطيب في رثاء الرجل ليقول إن  منصور خالد "يسير الآن في طريق وعر، لا أحسب أستاذه جمال محمد أحمد يرضاه له". ( في كتاب سرة شرق تحرير على عثمان محمد صالح والبشير سهل 1988).

ومن أوضح من عاب على منصور هذا الطريق السيد جريام توماس الإداري البريطاني السابق بقلم السودان الإنجليزي السياسي، والخبير بشأنه لدى الحكومة البريطانية ومؤلف  السودان: موت حلم. وكان منصور استخاره عما يفعل بعد سقوط النميري. وبما أن توماس كان يعلم شعور معظم السودانيين تجاه منصور لخلطته بنظام الفريق نميري ردحاً من الزمن نصحه بالبقاء في الخارج حتى تلتئم الجراح بهدوء وبصورة طبيعية. واضاف أن منصوراً، الذي كان متمتعاً بصغر سن نسبي آنذاك، تعجل الأمر والتحق بالحركة الشعبية. وزاد الطين بلة أنه أدلى بتصريحات غير حكيمة تفاقمت في سياق السريان فبات منصور غير مقبول لمعظم السودانيين الشماليين.

كل قول ينصرف إلى أن منصور قد أخطأ طريقه وهجر موهبته الإبداعية بالكتابة السياسية أو الانتظام في كيان سياسي مثل الاتحاد الاشتراكي هو قول جانبه الصواب. فمنصور هو صنع منصور ولا تعقيب لحكمه على خياراته. فمنصور لا يخضع لمنطق الخطوط المستقيمة من الموهبة إلى الشاغل المناسب لها.

 ولم يشذ في ذلك عن جيله الموصف بأنه "مودر ليهو سودنة". فقد كان الجيل على أعتاب التخرج من الجامعات حين استقل السودان. وسبقه جيل الحركة الوطنية إلى الطيبات في الخدمة المدنية في حين تعلق المحدثين بفرملة قطار الميري. ومع أن جيل منصور بدأ ب q  المشهورة بسلم الخدمة المدنية بما لم يسبق للجيل الماضي وتسارع تدريبه للوظائف القيادية إلا أنه لم يسعد أبداً وظل مؤرقاً بطموح غامض وكسول. ومنصور لم يستوظف بالحكومة سوى رغبة أبداها ان يكون سكرتيراً ثالثاً بالخارجية سنأتي عليها في وقتها. وقال منصور من قريب إنه ينتظر اليوم ليهجر السياسة السخيفة بعد السلام ليتفرغ لكتابة مؤلف عن غناء حقيبة الفن. ولكن سرعان ما جعلوه مستشاراً برئاسة الجمهورية ورئيساً لمجلس إدارة شركة الصمغ العربي. فإذا بأعمدة الصحف تجري ببحث طويل المدى عن إنتاج هذا المحصول، ومتاعبه، وآفاقه. وصدق السيد علي أبو سن حيث قال إن منصوراً يبهر أهل الأمر ومن حوله بمثل هذه التقارير العالمة. بل هو يثقل عليهم بها. فهم أميون لا يقرأون ولا يكتبون. وربما كان منصور يريد من كتابة مثل هذه التقارير الغراء مجرد إرهاقهم صعودا.

ومما يجعل نصح منصور بشأن إفساده خياراته أو مواهبه أمراً عاطلاً أن منصور نفسه تحسر يوماً على من فعل ذلك ولم يتعظ هو. فقد نعى السيد أمين التوم، قطب حزب الأمة والنائب عنه والوزير في حكوماته، الذي عرفه كاتباً درامياًً ومشغولاً بالدراما وتبادلا الحديث عنها كثيراً. تأسى منصور على ضيعة هذه الموهبة قائلاً: "ومن المؤسي أن الانهماك في السياسة الوطنية أقعد الراحل عن مواصلة نشاطه الأدب، وكان في ذلك إفقار للأدب."  وقال إن أمين التوم نأى عن السياسة بعد أن أصبحت حشواً ليس فيه "سوى الهذيان من حشد الخطيب". فقد "أستأني عن الزحام عند الحوض الروي" لأن الكرامة تملكت أقطار نفسه بل كانت هي كل ما أمتلك أمين التوم في هذه الفانية. (الرأي العام 29 نوفمبر 2004). إن منصور ليغلب ناصحيه نصحاً ويعجزهم منطقاً. فهو ينصح ولا ينتصح لأنه صناعة اجتماعية ومنصورية غاية في التعقيد والدلالة.

ولا أعرف من ناصحي منصور من فطن لغرائب صنع منصور مثل جريام توماس في كتابه السودان: موت حلم. فقد جاء بما يوضح معنى "البلوتوكرسى" الذي ألمحنا إليه في حلقتنا الماضية. فالبلوتوكرسي هي المصطلح اليوناني لحكم الأثرياء الوراثي في بلد ما. وقد استخدم المفهوم الدكتور محمد هاشم عوض في كتابه الاستغلال أو فساد الحكم في السودان الصادر في آخر الستينات. وقال، بعد تحليل للمجالس التشريعية المختلفة في السودان، إننا نحكم بواسطة دولة للأغنياء بالوراثة منا.  فقد سادتنا طبقة من المستثمرين الذين جمعوا إلى طريف المال تليد النفوذ القبلي والطائفي. فالأمر فينا لأهل الإرث لا لأهل الكسب. ولذا كانت فرص النوابغ من أمثال منصور من ذوي الطموح المفرط من الضآلة بمكان ما لم يقبلوا بالسمع والطاعة والإشارة في كنف طائفي. ولم يتأخر منصور بالطبع عن إدراك هذه الحقيقة. فلم ينتظم حتى في سلك جماعة المستقلين بالمدارس وجامعة الخرطوم ناهيك أن يكون شيوعياً أو أخاً مسلماً. وهداه تفكيره إلى سداد خطة مسايرة البلوتكوكرسي لا منازلتها كما أراد الشيوعيون والإخوان المسلمون. فطرق باب حزب الأمة من مدخل السيد عبد الله خليل كما تقدم. ولكنه لم يجد ضالته في لعب الدور الذي اشتهاه. وانتظر حتى جاءت نظم حكم وأحزاب وجماعات مسلحة سادتها البرجوازية الصغيرة العسكرية والثورية التي غلبت على الدولة والمجتمع منذ ثورة اكتوبر 1964. وكسرت هذه الفئة المخاطرة ظهر البلوتوتكرسي وضلت هي نفسها من بعد ذلك ضلالاً بعيداً.

وجدت أن موظفي حكومة السودان من الإنجليز دائماً هم أعرف الناس بمتعلمي السودان أو برجوازيته الصغيرة المتعلمة. ولا يقاربهم في حسن هذا الفهم سوى الأستاذ محمد محمد خير الصحافي. فالإنجليز بمثابة الوالد لهذه الفئة. أو هم والد المدرسة. وقد ربوهم ونفذوا إلى دواخلهم كما لم يفعل آباؤهم البيولجيون، أو والد البيت.  فقد كان الذي بين الوالد الإنجليزي والولد السوداني ما يَهٌون به ما بين والد البيت ما ولد. فقد استبطن الولد عالم أبيه الإنجليزي واصبح يتطلع ليلجه لأنه هو الصواب حداثة ومستقبلاً. بينما رباه تعليم الإنجليز على أن عالم والده في البيت هو عالم آفل وأن التقدم نفسه قرين بذهاب هذا العالم بددا.

جاء توماس بما جدد لي عقيدتي في حٌسن سَبر الإنجليز لتربية متعلمي السودان وأشواق نفوسهم. وعرف توماس منصور باكراً وعن كثب. فقد قال إنه كان يزور داره في السودان ضمن جماعة مثل السادة مبارك زروق وكامل شوقي ومحمد توفيق وكمال الجاك. ووجدت توماس أمسك بمأزق هذه الفئة مع البلوتوكرسي بصورة ذكية. فقد قال إن حياة منصور تجسد مأساة هؤلاء الأذكياء من الصفوة السياسية. فمنصور موهوب ما في ذلك شك أبداً. ولكنه اضطرب مثل آخرين لهم اتقاد ذكائه عند أسوار الطائفية واصبحوا فراجة على حروبها الضروس. وهذا مدعاة لضجرهم. فهم عاطلون عن المساهمة في خدمة وطن أنفق مالاً لٌبدا لتدريبهم ليقوموا بخدمته. وكان انقلاب نميري بارقة أمل هذه الفئة القليلة الموهوبة لاحت في آخر النفق الطائفي. فتعلقوا بها ثم تشبثوا بها حتى قال توماس إنه استغرب لرجال مميزين مثل منصور استمروا عهداً طويلاً يؤيدون النميري.

 أشاد توماس بمنصور وقدراته وطموحه التي لم تجد إشباعاً طوال منفاه الثاني عن نظام مايو في آخر السبعينات. فلم يجد وظيفة عليا بالأمم المتحدة. فقد طمع في سكرتاريتها العامة. واكتفى من الغنيمة بوظائف " دنيا ومفيدة". وقال أن منصوراً وجد نفسه بعد انتفاضة 1985 بلا سند شعبي بين الناس العاديين كما خسر مودة حلفائه الطبيعيين في حزب الأمة بسبب التصاقه الوثيق بالنميري. ثم أن مقدرته الفكرية الفائقة وشعوره العام بالتعالي والتفوق جعلاه غير مقبول في الفترة الإنتقالية. وقال إن تلك كانت مأساة له ولبلاده. فقد كان بوسعه أن يقدم الكثير.

غاب عن ناصحي منصور أن القلم أداة إنتاج في يد منصور. وهو في هذا شبيه بالدكتور عبد الله الطيب. فقد كتبت عنه يوماً مستفيداً من شعره قائلاً إنه صقر  والبيان مخلبه. ووصف عبد الله مضاء شعره وسداد إصابته العدو ب "الصيلم الخنفقيق". وقد سقط مصحح الكمبيوتر في امتحان عبد الله الطيب حين نسب "الصيلم" والخنفقيق"  إلى الخطأ. وهذا  قريب من رأي منصور في قلمه حين قال عن خصومه "ومن ذهب للتنطع عاجلناه بقلم سيف حاد الشذاة: لساني طويل فاحترس من شذاته عليك، وسيفي من لساني طويل. هذا نهجي يا صديقي حتى تٌنسخ الشمس". مدد يا منصور!  

 لم يسمع أحد كلمة من منصور عن التيجاني يوسف بشير منذ كتب عنه بعذوبة وشفقة وهو طالب بالسنة الثالثة الثانوية بمجلة "وادي سيدنا" كما تقدم. بدا لي أن منصوراً كره الموهبة تذوي فعل الحياة بالتيجاني. فقد كان الشاعر ذا "جيب ناصح"  أي عدمان المليم كما في مقطع من التيجاني نفسه. وقال منصور إن الروحانيات غلبت عند التيجاني غير أن الذين خلدهم التاريخ كانوا هم من بحثوا عن الماديات في هذا العالم. ولا اعرف مقالاً كمقال منصور أطرى رجلاً ليعيش كاتبه طول عمره حَذَر أن يصادف سوء خاتمة الذي أطراه. لقد رأى منصور باكراً إن الموهية مثل التي رزق الله التيجاني والشعر هي سبيل ينبغي له اجتنابه.

أراد منصور أن يكتب عن المتنبيء في مجلة وادي سيدنا واراد الله له ان يكتب عن التيجاني. وكتب طالب آخر عن المتنبيء. ورأينا أن منصوراً لم يعد إلى التيجاني أبداً بينما ظل يستقي من نبع المتنبيء ويروج لأبياته الذكية الباسلة. وهكذا لم يطل خطأ منصور بصحبة التيجاني. فهجره إلى المتنبيء. فكلاهما صاحب "ضجرات واختيارات" في وصف أحدهم للمتنبيء. كلاهما موهوب في مجتمعات مٌفصلة على اهل الإرث لا الكسب. وعانى كلاهما من طلبهما المجد بالقلم وحده. بل من عزتهما بقلمهما واستعلائهما به. ففي دولة البلوتوكرسي حيث "ينشد" الناس شيخ الطريقة وقوفاً أو زحفاً كان منصور، مثل المتنبيء ، يشترط ان ينشد قاعداً. ففؤاد منصور مثل المتنبيء من الملوك "وإن كان لسانه يٌرى من الشعراء" . فالمتنبئ وإن خدم الشعراء بشعره فهو في قول عبد الله الطيب لا يرى "أنه دون أحد منهم".

ولذا يبدد ناصحو منصور جهدهم وهم يراودونه للعودة إلى موهبته القديمة. وربما أضاع منصور نفسه وقته إذا ظن أن له موهبة قديمة كامنة لا يحتاج سوى نفض التراب أو الصدأ عنها. وهذا ما يأباه الجدل. فلن يقطع المرء نفس النهر مرتين. وينطبق هذا للأسف على منصور أيضاً.

ونعالج سيرة منصور في حلقة قادمة برغم زعمه أن حياته شأن خاص به والمتطفلون يمتنعون. . . .