د.عبد الله علي ابراهيم

   


ومنصور خالد
منصور خالد: القوّال  (The Snitch)
عبد الله علي إبراهيم
امتطى محمد الأمين عبد الله عباس الطالب بكلية الأقباط المصرية الدرجة الرابعة في أكسبرس حلفا بمحطة الخرطوم في نحو السابعة والنصف من صباح يوم في الاسبوع الأول من مايو من عام 1953.كان يطوي لفافة ما طياً جيداً في رحلة لا تشبه رحلات من حوله في شيء. كان واجف القلب يتفصد جبينه قطرات عرق باردة يجففها في قيظ الخرطوم بعد انحسار برودة الصباح. لم تكن تستقر له عين على شيء. وكاد المريب أن يقول خذوني. وبالفعل أخذه البوليس الذي بدأ بفض لفافته فاسقط في يد محمد الأمين. ياله من صباح. انتهت المهمة قبل أن تبدأ. وفتح البوليس اللفافة فإذا بها تحتوي على مائة نسخة من جريدة "اللواء الأحمر"، جريدة الحزب الشيوعي السرية، وبياناً سياسياً فيه تحليل طويل لإتفاقية الحكم الذاتي الموقعة بين دولتي الحكم الثنائي: مصر وبريطانيا في فبراير 1953. وكان محمد الأمين في طريقه بهذه المواد الخطرة إلى عطبرة.
هذه واقعة ربما لم تجدها مؤرخة في أي من صحفنا أو كتب تاريخنا. ولكنك تجدها حسنة التوثيق في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية المودع بدار الوثائق الوطنية بمدينة كولدج بارك بولاية ميرلاند. فبجانب خبر هذه الواقعة بمحطة السكة حديد التي كتبها السيد جوزيف سويني (1912-1979)، ضابط الاتصال بالسفارة الأمريكية ، من مصادره سيجد المطلع بدار تلك الوثائق نسخاً من المواد الشيوعية المصادرة نفسها. بل سيعثر على عدد آخر من اللواء الأحمر ( بتاريخ 10 مايو 1953) حصل عليه البوليس بعد مداهمة منزل السيد عبد الوهاب البشير في أم درمان. وكل هذا كائن بين دفتي فايل لوحده عن الشيوعية في السودان. وهو سجل عن الحزب الشيوعي من أندر المراجع في تلك الفترة الباكرة أو هو الأندر. وفي عدديّ اللواء الأحمر تقرأ لرفاق مولهين بستالين وسكرى به. مثل ما كتبه الرفيق كمال (بين قوسين سعاد) "حول وفاة ستالين الصديق" وسبب اختياره له كأحسن صديق. وستجد توقيعاً ل"الرفيق راشد-السكرتارية المركزية" على بعض كلمات الجريدة السرية أو افتتاحياتها. وراشد هو الأستاذ عبد الخالق محجوب. ويسود العددين والبيان المصادرين سوء ظن عميق بالنظام المصري تحت اللواء نجيب بنسبته للعمالة للاستعمار البريطاني والأمريكي. وكان الاستعمار الأخير قد بدأ يطرح بضاعته في الشرق الأوسط مثل مشروع النقطة الرابعة لبناء تحالفات مع عرب ما بعد الاستعمار المباشر للوقوف في وجه الاتحاد السوفيتي لدي تباشير الحرب الباردة. ومن شأن هذه الوثائق أن تزيدنا علماً بمنطق الشيوعيين في معارضة اتفاقية الحكم الذاتي لفبراير 1953 التي بها استقل السودان في خاتمة الأمر.     
لم يكن بوسع المخابرات الأمريكية ان تترك الحبل للشيوعيين على الغارب. لم تستفز تلك المخابرات لرصد نشاط الشيوعيين مقتضيات الحرب الباردة الأيدلوجية التي كانت آخذة في الشدة فحسب بل عافية الشيوعيين السودانيين السياسية التي أذعرت جوزيف سويني والذي ربما كان رجل المخابرات بالخرطوم. وهو ذعر امتد حتى انقلاب 17 نوفمبر 1958 وخلاله كما بينا في الحلقة الخامسة من هذا الكتاب. وبلغت تلك العافية حداً وصف به سويني مدينة عطبرة، التي لم ينفذ إليها محمد الأمين بشحنته السياسية، بأنها "مركز السكة الحديد وواحدة من المواقع الرئيسية للتحريض الشيوعي في السودان." وبلغ به الخوف حداً سأل به السيد بابكر الديب، نائب مدير البوليس، إن كانت همة الشيوعيين وحميتهم بين المزارعين كما فصلها في رسائله ستفضي إلى حركة مسلحة شبيهة بحركة الماماو في أوائل الخمسينات بكينيا التي قام بها مزارعون معدمون جردهم الإنجليز البيض من أفضل أراضيهم. وقد طمأنه الديب أن الأمور لن تبلغ بنا ذلك المبلغ وإن نبهه إلى أن أوضاع المزارعين في المشاريع الخاصة بشندي وأملاك السيد عبد الرحمن المهدي ربما نضجت لتسلل شيوعي لبسط نفوذهم بين المزارعين.
وأذعر ما في همة شيوعيي السودان أنها كانت وثيقة الصلة بالكمنفورم بصور وأخرى. والكنفورم هو مكتب إعلامي للأحزاب الشيوعية والعمالية تكون في 1947 وانحل في 1956. فاقتطف سويني من نشرة "بروجكت" (3 يوليو 1953) التي يصدرها الكمنفورم فقرة من مقال عن حركة المزارعين في السودان لابد أنها بلبلت خاطره للعلاقة غير الخفية بين شيوعي السودان ومركز الشيوعية العالمي. وعلق سويني على الفقرة بين قوسين : "لربما جاء الوقت لمن ظن أن بالوسع تجاهل الشيوعية في هذا البلد أن يعيد النظر كرتين." ووقف سويني عن طريق الديب بصورة دقيقة على نشاط المخابرات البريطانية (MI-5) ومركزها الإقليمي في قناة السويس ثم عدن الساهر على محاربة الشيوعية في السودان. ولاحظ سويني ان بريطانيا بدأت تأخذ موضوع محاربة الشيوعية في السودان بجد. فدربت بمركزها بعدن السيد أحمد حسن. وقد كان للمخابرات البريطانية اليد الطولى في تشريع محاربة الشيوعية الذي أجازه المجلس التنفيذي للجمعية التشريعية في بداية الخمسينات. فهي التي سَرَعت خطواته بينما كانت تشريعات الديب وبوليسه السياسي ترواح في محلها. وكان MI-5  يعين البوليس في السودان بتعقب الشيوعيين متى بارحوا السودان. وكانت خطة MI-5 أن يقيم مكتباً له في جهاز البوليس السياسي يغشاه ج آي إليوت من عدن للتنسيق مع أمن السودان عن كثب. ومما يستحق الذكر أن المجلس التنفيذي بقيادة السيد عبد الله خليل البيه هو الذي عارض بشدة ترتيبات الحكومة تلك مع ال MI-5 وتراجعت الحكومة عنها.
علقت بمنصور خالد تهمة أو ريبة العمالة للمخابرات الأمريكية في سياق هذه الرصد الغربي الدقيق لنشاط الشيوعيين. وكان أكبر من روج لعمالة الرجل بالطبع الشيوعيون. وظلوا حتى وقت متأخر من عام 1972 يصفونه ب "عميل المخابرات الأمريكية" في تقويمهم لإتفاقية سلام أديس ابابا. وظلت التهمة ذماً سياسيا عاماً لمنصور لم يقم الشيوعيون الدليل الملموس على التهمة ذاتها. وهو أمر صعب بالطبع. وربما لم يكن الجيل الأول من الشيوعيين بحاجة إلى التدليل على ذلك. كانت تكفيهم البينات الظرفية وما دونها. فمن جهة كان منصور يشاهد في دوائر "الخواجات" غير حافل أو مكترث في وقت استفحلت الوطنية وأصبحت مجرد خلطة الإنجليز والرهط من عظائم الخيانة. فأكتفى ذلك الجيل الشيوعي الأول من البينات على عمالة منصور بالنظر المجرد والريبة الوطنية البديهية. وبدا أن تهمة منصور قد أخذت تسقط بالتقادم حتى أن الشيوعيين أنفسهم سحبوا عبارة "وعميل المخابرات الأمريكية منصور خالد" حين أعادوا نشر بيانهم الذي قوموا فيه إتفاقية اديس أبابا منذ سنوات خلت. وقد سميت ذلك ب "خفة اليد الثورية" لأنهم خدشوا مبدأ نهائية النص التاريخي وقدسيته بغير أن  يصرحوا لقارئهم بدافعهم لتلك المراجعة.
وبلغ فساد تهمة منصور بالعمالة لأمريكا حداً لم يعد منصور يعدها سوى "سفاهة". فقد استنكر سؤالاً عنها من محرر جريدة البيان (13-3-2002)وتمنع أن يجيب عنه لأنه إذا فعل يكون انحدر من دَرَج المسائل الهامة والجدية التي سبقت في الحوار  إلى درك السفاسف.  وأضطر منصور للقول تحت إلحاح المحرر بإن اتهامه بالعمالة مما يشغل الأذهان: "اتهامي بالعمالة "سفاهة" درجت على تجاهلها". وواصل في استهجان بليغ للتهمة: "حسناً مثل هذا الكلام درجنا على تجاهله وتجاوزه لأنه يندرج في خانة "السفاهة". وهذه من التهم السائدة في المنطقة خاصة من قبل الجماعات المتطرفة، أياً كان نوع التطرف، ضد كل من يخالفهم في الرأي. وقذف الناس بتهم مثل هذه تنضح يالسخافة خصوصاً في عالم اليوم في زمن تقوم فيه أمريكا بالتدخل في كل شيء حتى أنها تسعى لحل قضية فلسطين عبر مخابراتها. في زمن مثل هذا يكون مثل هذا الكلام غير ذي معنى ولذلك لا اقف عنده كثيراً ولا أعيره اهتماماً. من جانب آخر عندما يكون المرء قد تربى في أحضان الأمم المتحدة ويتدرج إلى مكانة تؤهله لخلق علاقات واسعة مع أشخاص رفيعي المستوى وتؤهله بالتالي حتى للالتقاء بروؤساء أمريكا نفسها فلا يكون عندها حاجة ليكون مجرد عميل لجهاز في إدارتها."   
دفع منصور التهمة عنه لأنها من فرط سخفها ترده أسفل سافلين في حين بلغ هو منزلة تساوى كتفه فيها مع علية القوم الأمريكيين فاصبح نداً لا عميلاً. وهو دفع لا بأس به لولا "شطح حيرانه" الذين . . . بالغوا. فلم يكتفوا بتثبيت علو مقام حبيبهم منصور بل أسفلوا بالأمريكيين حتى أصبحوا عملاء لمنصور. مدد مدد. فكتب السيد قاسم   ثروت (سودانايل 62-5-2005): "أزعم أن المخابرات الأمريكية عميلة لمنصور وليس العكس. هذا إذا افترضنا وجود عمالة وهو إفتراض خاطيىء . . . فمنصور لا يحتاج أن يكون عميلاً لأحد فعنده من المال والخيل ما يهديه. وفوق ذلك فإن استقلاله وقوة شخصيته الطاغية لا تجعله رهن (؟) لأي من كان. ثم أن اتساع ماعونه الفكري يجعله يٌلعب المخابرات الأمريكية "سورو؟" ويلبسها خاتم في يده. وإذا جمعت كل عناصر المخابرات الأمريكية واحداً فوق الآخر لما وصلوا لكتف منصور." وهذه دروشة الحداثة بزبد وعبل.   
ويأسف المرء لأن حقائق الأمر غير حقائق منصور وشيعته. فقد وقعنا على وثائق خبرها غير سار. فقد خدم منصور المخابرات الأمريكية في عام 1953 وهو طالب بعد بكلية الخرطوم الجامعية. وربما كان في عامه الثاني بكلية القانون. فقد ورد اسمه ونوع خدمته في تقرير من ضابط الاتصال بالسفارة الأمريكية بتاريخ 8 أغسطس 1953 إلى الخارجية الأمريكية بصورة إلى أفرع القوات المسلحة الأمريكية والسي آي أى. وهو تقرير استكمل به ضابط الاتصال مذكرة سلفت له بتاريخ 31 مارس 1953 . وعنوانه "الشيوعية في السودان". وشمل تلخيصاً أثبت فيه قوة الشيوعية السودانية وحسن تنظيمها وسدادها في بناء الجبهات المتحدة حتى أنها نجحت بسرعة في إزالة الآثار السلبية التي ترتبت على موقفها المعارض لإتفاقية الحكم الذاتي في فبراير 1953. وتعرض لحزم بريطانيا في حرب الشيوعيين في حين تجرجر مصر قدميها حتى لا تكسب عداء دوائر سودانية. ثم تعرض إلى تمويل الشيوعيين وقد نقل عن أحدهم أنهم يحصلون على المال من الشيوعية العالمية مطوياً في صناديق الكبريت "أبو مفتاح" الذي يستورده السودان من تشيوكوسلوفاكيا بواسطة موردين أرمن سودانيين. وقد استسخف سويني هذه الرواية.
 ثم عالج التقرير بنية الشيوعية السودانية في أبواب ستة هي منظمات العمال والطلبة والصحافة ومنظمات النساء ونشاط الشيوعيين في القوات المسلحة ثم الحركة الشيوعية. وشمل الفصل الأخير خطط البوليس السياسي لرصد الشيوعية وقمعها ثم تطرق لبرنامج الشيوعيين للترشيح في انتخابات الحكم الذاتي. وذكر التقرير أن عبد الخالق محجوب ربما ترشح لدوائر الخريجين وهو ما لم يحدث. ثم تعرض التقرير لتنظيم البوليس السياسي وعلاقاته المصرية والبريطانية وتناول أخيراً وضع القوانين الحكومية وسياساتها إزاء الشيوعية ثم موقف دولتي الحكم الثنائي من الشيوعية في السودان.
 وأرفق سويني قائمة بالمصادر البشرية التي زودته بالمعلومات لكتابة التقرير ثم قائمة أخرى عَرَّفت بعشرين شيوعياً أو من أعتقد مخبرو سويني أنهم شيوعيون ومنهم عبد الخالق محجوب ومحمد سعيد معروف وأحمد سليمان وقاسم أمين وطه بعشر وحسن الطاهر زروق ومصطفى السيد وعبد القادر حسن وفاطمة طالب وخالدة زاهر السادات ومحمد أمين حسين وعز الدين على عامر وأحمد محمد خير وحسن سلامة ومحمد المرضي جبارة وعبد الرحيم الوسيلة وفتح الرحمن محمد خلف الله وجيمس تدي لاركن (جوبا) ومحمد إبراهيم نقد وعبد العزيز أبو.  وأرفق سويني بالتقرير القوانين التي صدرت لمكافحة الشيوعية ونصاً مترجماً لخطاب القاه المرحوم محمد سعيد معروف في الأبيض عن مهام ما بعد الاتفاقية كانت قد نشرته جريدة "الصراحة".
جاء اسم منصور خالد بالرقم 9 من بين المصادر البشرية لهذا التقرير وعددهم إحدى عشر. ووصفته القائمة بأنه "طالب قانون بكلية الخرطوم الجامعية ومحرر بجريدة "الوطن" والمعلومات عن الطلبة من صنعه." وعلى ضوء هذه المعلومات كتب سويني ما يلي عن عبد العزيز أبو : " طالب سابق بكلية الخرطوم الجامعية وكان عضواً بلجنة اتحاد الطلبة. طٌرد من الكلية لقيادته مظاهرة. هو الآن بسبيله للدراسة بجامعة براغ التي منحته مواصلات مجانية بداخل البلد وأعفته من المصروفات الجامعية ونفقات السكن والأكل التي تكفلت بها الحكومة التشيكية طوال تلقيه العلم بالجامعة. وبحسب إفادة منصور خالد فإن أبو كان بادر بالتقديم لهذه المنحة بالسفارة التشيكوسلوفاكية بالقاهرة. ويقول خالد أن أبو شيوعي لا غلاط فيه."
وجاء ما يلي في تقرير سويني عن محمد إبراهيم نقد: "طالب سابق بكلية الخرطوم الجامعية وسكرتير اتحاد الطلاب. طردوه من الكلية لنشاطاته الشيوعية. هو الآن بسبيله إلى براغ. فقد منحوه مواصلات مجانية بداخل البلد وكذلك أعفوه من المصاريف الجامعية مع السكن والأكل وتكلفت الحكومة التشيكية بذلك. وبحسب قول منصور خالد فإنه قد بادر بالتقديم للمنحة بسفارة تشيكوسلوفاكيا بالقاهرة. ونقد هو قريب الدرديري نقد من الحزب الجمهوري الاشتراكي."
هذا الفصل من كتابي عن منصور خالد هو أشقها على نفسي. فلست ممن يسعد بتعقب سير الناس وكشف صغائرهم. وشهد الله لم أسع لدار الوثائق الوطنية الأمريكية لتوثيق عمالة منصور الشاب للأمريكان. ما حملني لشد الرحال لتلك الدار هو الوقوف على وثائق الخارجية الأمريكية عن انقلاب 17 نوفمبر 1958 بعد اطلاعي على طرف من وثائق الخارجية البريطانية. ووجدت فيها علماً منيراً. ومن جهة أخرى  تربيت في خلقية أن البحث"أمانات" مثل البيوت لا تحفر في أرشيفاته صيداً للزلات الشخصية الصغيرة ولا الكبيرة حتى. وتربيت في الحركة الماركسية أنه لن يفل حديد تطفل المستعمرين على المستضعفين إلقاء القبض على مخبريهم وفمهم في الدريش. فالتطفل والمخبرون جزء من اللعبة التي بوسعك أن تستدبرها إلى بنية الاستضعاف نفسه لحشد أكبر حلف من غمار الناس لمساواة الصفوف وسد الفرج بوجه شيطان المخبرين.
 ولكني ضربت باعتبارات الحشمة الأكاديمية والسياسية عرض الحائط لأن منصوراً استكبر جداً وعكر صفانا السياسي وأشاع الفتنة في البلد  لمآرب قريبة المأتي. فقد جاء من حيث لا يحتسب إلى مسألة الآخاء السوداني التي شقي بها بعض جيله بينما هو في شغل بالتبليغ عنهم فأفسدها فشخبت دماً. وكان فينا مثل طويس الولع بشعر نقائض الأوس والخزرج وحروبهم. "فقلَّ مجلس اجتمع فيه هذا الحيان فغنى فيه طويس إلا وقع فيه شيء. فكان يبدي السرائر ويخرج الضغائن". ومثله في الإضرار بمشروعنا في الإلفة السودانية وممارستها مثل الشيخ الأمين داؤد من المرحوم محمود محمد طه. فقد بث المرحوم شكواه منه في 1978 في محكمة أراد بها رد الاعتبار لتعرض الشيخ لفكره بسوء النقل والتعليق الفاحش قائلاً: " نحنا الأذى البلغنا من الشيخ الأمين مزمن صبرنا عليهو."     
 

هذه كابشنات الوثائق المرفقة:
1- الصفحة الأولى من تقرير جوزيف سويني عن الحركة الشيوعية السودانية في 1953.
2- قائمة بأسماء المخبرين الذين وفروا مادة تقرير سويني. ومنهم رقم 9 منصور خالد
3-نبذة عن الطالبين عبد العزيز أبو ومحمد إبراهيم نقد ممن تطرق تقرير سويني إلى شيوعيتهم بناء على معلومات نقلها لهم منصور خالد
4- صورة الصفحة الأولى من نسخة العدد 34 من جريدة "اللواء الأحمر، لسان حال الحركة السودانية للتحرر الوطني-الحزب الشيوعي. وهي من معروضات بوليس السودان وفرها لسويني كملحق لتقريره عن النشاط الشيوعي.

 
 
 


 



12- فقه عناق الآخر: الشبال بشرو
 عبد الله علي إبراهيم

توفيت في سبتمبر 2000 السيدة قريس هالسل الكاتبة الأمريكية المعروفة عن عمر ناهز السبعة وسبعين عاماً. وبحسب نعي جريدة النيويورك تايمز لها إشتهرت هالسل بكتابات رائجة عن محن الأمريكيين غير البيض من سود وهنود ومكسيكيين أو جيكانو من ذوي الأصول اللآتينية. و سمت كتاباتها ب "عناق الآخر" لأنها كانت بيضاء رفلت في امتيازات قبيلها ورزحت تحتها.  
بدأت هالسل هذا العناق مع الآخر المستضعف في الولايات المتحدة عام 1968. وهو عام أراد فيه الأشقياء البيض إطفاء نور حق هؤلاء المستضعفين بإغتيال القس مارتن لوثر كنق، زعيم حركة الحقوق السوداء. وأقشعرت هالسل للجريمة لا عن مجرد عاطفة أو سمو خلق بل عن علم ويقين. فقد اكتشفت أنها والأشقياء البيض القتلة في مركب واحد. فقد لا يجمعهما جامع في حياتهم العادية ولكنهم شركاء في امتياز البياض وحلفاء في الدفاع عنه ضد الآخر الأسود المتمرد. فقد كانت هي لحينها موظفة بالبيت الأبيض كاتبة بالديوان الجمهوري تصوغ خطابات الرئيس لندون جونسون وبياناته. وبذلك كانت شريكاً في التواطؤ على الحق وترويج الترهات: رباً من أرباب القلم المدافعين عن سؤدد البيض وسيادتهم وحليفاً مع أشقياء السيف شاءت أم أبت.   
 زلزل إغتيال القس مارتن لوثر كنج هالسل وقلب دواخل روحها رأساً علي عقب فاستدبرت امتيازها العرقي وبدأت هذه الرحلة العجيبة المثيرة الخصبة التي أطلقت عليها "عناق الآخر". وأرادت من هذه الرحلة أن تنفذ من سطح الاستضعاف واستنكاره، الذي يقدر عليه كل أحد، إلي مطاويه لتقف على الوجع. . . ذلك الوجع. فعمدت هالسل، وهي السيدة البيضاء، إلي التخفي في سحنة وطرائق ولغة من تكتب عنهم من هؤلاء الأقوام حتي تقف عن كثب علي استضعافهم في أمريكا. فقد إشتغلت خادمة بحي هارلم في نيويورك والجنوب الأمريكي لكي تكتب عن متاعب المرأة السوداء. وقد أمالت سحنتها للسواد للقيام بهذه المهن بتأثير حبوب مخصوصة وبالتشميس حتي استحالت سوداء "لا تسر الناظرين". وحكت هالسل تجاربها كخادمة في تلك المواضع في كتابها المعنون "أخوات الروح" الصادر في 1973 الذي باع فوق مليون نسخة وترجموه في 6 لغات. وتكررت كتابات هالسل التنكرية فأخذت هئية إمرأة هندية حمراء تارة وصورة مكسيكية تارة أخري وصورة إمراة من الإصوليات المسيحيات تارة ثالثة لتكتب كتباً مأثورة عن حيوات هؤلاء المعذبين في الهامش.
ويبدو أن منصور خالد ) المعروف عنه أنه اختار في وقت مـتأخر من عمره أن يلتحق بالحركة الشعبية لزعيمها العقيد قرنق التي هي حلف "للآخرين" في السودان(، قد أراد شيئاً من طلب "عناق الآخر" حين زكي نفسه لنا بقوله إنه ما انتمي للحركة الشعبية إلا لينقذ الشماليين من أنفسهم (الصحافي الدولي 22 يناير 2000). وكثيراً ما استعنت بسيرة هالسل وإسترايجيتها الموصوفة لتوثيق معايب أخذتها مراراً علي منصور خالد وجماعته الليبرالية واليسارية الشمالية في منهجها في عناقها المزعوم  للأخر. فهي تظن أن إنشغالها بمعارضة حكومة شمالية ما (إلي حد الانضمام لجيش التحرير الشعبي والقتال في صفوفه) من رهطها مما يعفيها من النفاذ القوي برقائق الروح وسهر الثقافة الي خبايا الإستضعاف المؤسسي الإجتماعي والتاريخي لأقوام الهامش السوداني.
يظن أكثر الشماليين الذين انخرطوا في الحركة الشعبية أن يوم خروجهم إليها هو يوم اغتسالهم من ضغائنهم الشمالية التي زينتها لهم أعراقهم العربية العاربة وعقائدهم الإسلامية الحنفاء. ووجدوا في بعض شعر المجذوب ميثاقاً لهذا التحرر: ياعرب السودان انضموا للعقيد قرنق فلن تخسروا غير أغلال النسب القرشي:
وليتي في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتستقيم
طليق لا تقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تنيم

ولكن سيبقى عناق شماليّ الحركة الشعبية (في مصطلح الأستاذ ضياء البلال) للآخر هو هجرة أقدام (جمباز في قول واعظ فطن عن الصلاة الخالية من الروح) طالما اكتفوا بلهوجة الشعار السياسي ولم يطهروا أنفسهم من نتن جاهلية العرق وامتيازه. فهو عرق دساس كما بينا في الحلقة الماضية. فقد رأينا منصوراً يسود الكتب الطوال العراض عن خبائث العرق الشمالي وخيلائه الثقافي ولكنه، متى اٌستثير أو اٌستفز، لاك تلك الخبائث نفسها. فقد رأيناه متى استفزه أمر جلل واحتاج إلى مجاز دقيق من اللغة العربية رمى بالتحوط السياسي عرض الحائط وسمى الفلاتي فلاتياً في عينه وسمى الدنقلاوي رطانياً عديل كده. ولعل الآخر المستضعف، الذي خرج منصور لنصرته، يرث من بعد غضبة منصور المضرية حجراً:  زبداً يذهب جفاء.
وهذه نكسة كبرى لعناق الآخر تحيله إلى مجرد "قنجرة". والأخير ممارسة سياسية تقليدية تترحل بها عن قومك وتقيم على ناحية ناجية بعيدة منهم متى أساءوا  إليك:
إذا تركنا ضٌميراً عن ميامننا    ليحدثن لمن ودعتهم ألم
أو
 إذا ترحلت عن قوم   وقد قدروا  ألا تفارقهم فالراحلون همو
والقنجرة هجرة بالأرجل إلى الحق لا بالفؤاد الحديد والنظر الرشيد. فهجرة الفؤاد هي هجرة الثقافة وهي مشروع طويل المدى كما قال قرامشي نفصل فيه في هذه الحلقة وما يليها .
 والهجرة إلى النفس لا للرب قصور معيب يجعل هذه الجماعة الشمالية المعارضة عبئاً علي حركة المستضعفين لا إضافة لها. فبغير "عناق الآخر" علي طريقة هالسل الشقية المسوؤلة (ليس بالضرورة التنكر بل الاستعداد لدفع ثمن ما باهظ) لا ينفذ الشمالي المدجج بامتيازاته التاريخية الي مشاهدة نفسه في مرايا تلك الامتيازات الظالمة. وبغير هذا الوعي بامتيازه لن تقع للشمالي فرصة ابتكار حساسية إنسانية وسياسية غراء تتسرب الي الأفئدة والعقول، ويرهف بها الذوق، وتتلطف بها العبارة واللغة. ففوق هذه الخصوبة الإنسانية والزمالة تنزرع قوانين مستدامة للدولة لديمقراطية.
وكثيرون من بين المهاجرين إلى الآخر كانت هجرتهم لأنفسهم. ومنصور عندي سيد هؤلاء. بل أن هجرته إلى حركة قرنق أقرب في الدلالة إلى اللجوء السياسي منها إلى عناق الآخر. وهذا هو المعنى الذي استفدناه من قول قرامام توماس عنه في كتابه (السودان: موت حلم 1950-1985) الصادر في 1990. وكان الخواجة عمل إدارياً بالسودان في سنوات أصيل الاستعمار الإنجليزي الذي طلب فيه الإنجليز مودة المتعلمين وحسن ظنهم بعد مدابرة وخيبة أمل فيهم بعد ثورة 1924. وما أسقم الإنجليز في المتعلمين تمردهم بتلك الثورة وعضهم اليد التي أحسنت إليهم وبوأتهم المراكز الحسان. وكان منصور، صغير السن، يغشى دار توماس بشاطيء نيل أم درمان في صحبة من يكبرونه سناً من الخريجين من أمثال السادة خضر حمد ومحمد توفيق ومبارك زروق وغيرهم. وصور توماس، ذوو الراي الحسن في منصور، رحلة صفيه بمصطلح هجرة الأقدام لا العقول. فقد استشاره منصور عما يفعل بعد سقوط النميري في 1985. وكان الخواجة يعلم أن منصوراً كان شديد الابتئاس لأنه لم يبلغ مقصوده بعد تركه لنظام مايو في آخر الثمانين من القرن الماضي.  فلم يتول وظيفة عليا بالأمم المتحدة التي طمع في سكرتاريتها العامة. واكتفى من الغنيمة بوظائف " دنيا ومفيدة". وقال إن منصوراً وجد نفسه بعد انتفاضة 1985 بلا سند شعبي بين الناس العاديين كما خسر مودة حلفائه الطبيعيين في حزب الأمة بسبب التصاقه الوثيق بالنميري. وزاد بأن الفترة الإنتقالية بعد نميري لم تكن مهيأة لقبوله بالنظر إلى مقدرته الفكرية الفائقة وشعوره العام بالتعالي والتفوق علاوة على خلطته بالنظام المباد بصورة أو أخرى. وقال إن حرب الساسة الإنتقاليين له كانت مأساة له وللبلاد. فقد كان بوسعه أن يقدم الكثير. وتأسيساً على هذا نصح توماس صفيه منصوراً بالبقاء في الخارج حتى تلتئم الجراح بهدوء وبصورة طبيعية. واضاف أن منصوراً، الذي كان متمتعاً بصغر سن نسبي آنذاك، تعجل الأمر والتحق بالحركة الشعبية. وزاد الطين بلة أنه أدلى بتصريحات غير حكيمة تفاقمت في سياق السريان فبات منصور غير مقبول لمعظم السودانيين الشماليين. وتوقف الخواجة الداهية عند هذا الحد ولم يستنبط بعد هذه الحيثيات البليغة، كما ينبغي لباحث أن يفعل، بأن هجرة منصور إلى الحركة الشعبية إنما كانت لنفسه: لا جئاً مقنجراً.  
من غير اللائق أن يكون عناق الآخر بمثابة لجوء السياسي. فهذا ابتذال. بل لربما لم يحتج الآخر لتعانقه بالرحيل بقدميك إليه. بلاش زحمة. فلربما احتاج الآخر لك حيث أنت تدعو قومك للتي هي أقوم عن معرفة بدلاً أن تلوذ به عن جهل أو إنتهازية. ونبهني الي هذا المعني الشهيد إستيف بيكو، قائد حركة الوعي بالسواد في جنوب أفريقيا، الذي اغتاله نظام الفصل العنصري في السجن عام 1977 وهو لم يتخرج من كلية الطب بعد. فقد كان بيكو يقول لليبراليين واليساريين البيض إنكم لن تبلغوا من فهم إضطهادنا قلامة ظفر ما لم تنفضوا أيديكم عن امتيازاتكم كبيض علي الملأ. فيقول في كتابه "أكتب على كيفي" إن العاطفين علي السود، في قول بيكو، بيض في نظر دولة الفصل العنصري (الأبارتهايد) التي تبوب الناس: إما أبيض سيد أو أسود مهان. كلام زولين والثالث بره. فتلك الدولة تغدق نعماءها علي البيض بقرينة البياض بلا نظر دقيق حريص في الانتماء السياسي للأبيض. وهذا إرث البياض او أجره كما يجري المصطلح الآن. فالأبيض عزيز الجانب حتي لو كره الدولة وعارض سياساتها بضراوة. فهي، كآلة حدباء مصابة بأرق البياض والسواد، ستدخله سجناً مخصصاً للبيض حرصاً على ذيلها الأبيض لا شفقة عليه. وكان بيكو يقول لليساريين والليبراليين البيض إنكم إذا لم تحرروا أنفسكم بأنفسكم وبمعزل عنا أصبحتم عبئاً علينا لأنكم مجرد "وجوه بيضاء ذات ضمير أسود".
يستسهل اليساريون الشماليون وشيعتهم جداً الطريق الي عناق الآخر الجنوبي: لهج سياسي من الطقوق ولي فوق أو شهادة شاهد من أهله. وهم كمثل قول بيكو في نظائرهم في جنوب أفريقيا أقرب الي إنتهاز معاناة المستضعفين من الشماليين والجنوبيين معاً لأغراض لا تزيد عن معارضة نظام من بني جلدتهم حاكم ومكنكنش منهم الي اجتراح الرحلات الصعبة خارج جلدة امتيازاتهم المضاعفة مثل ما فعلت هالسل أو بمثل ما اقترح بيكو. وقد رأينا كيف يتنكب المستعجل الأمر مثل منصور جادة هذا العناق. فهو يظن "القنجرة" إلى الآخر عناقاً له. وهذا إفساد عظيم لمهمة ثقافية بعيدة المأتي تتعمق جدل الامتياز والاستضعاف وتخصب الفؤاد بالخير والبركة. وهي شرط عناق الآخر. وكل لهوجة له ابتذال قصير المأرب . . .  كالكذب. وموعدنا الحديث القادم لنستعرض استحقاقات عناق الآخر، أي فقهه.