(في شغفنا بالحداثة لم نتوقف لنسأل أن لو كان لنا نصيب من حلوها طالما نظرنا إليها كمأثرة غربية جامعة مانعة. ولا سبيل لنا، متى طلبناها، أن نحذو حذو الغرب ونتبع ملتهم فيها. وخلص مفكران غربيان إلى أن الحداثة بنسختها الغربية بمثابة العنقاء والخل الوفي ولن نحصل عليها أبداً. وعرضنا لآراء مارشال هودجسون ( في كتابه مخاطرة الأسلام من 3 أجزاء ونشر في السبعينات) عن الحداثة التي حاول محمد علي باشا تطبيقها في مصر وكيف أطبق الغرب عليها وقضى عليه. فأطاح بالخديوي إسماعيل ومعه مجلس شورى النواب "الليبرالي" لأن الخديوي فشل في دفع ديون فرنسا وانجلترا عليه فأجهض البلدان مغامرة مرموقة في حداثة الأطراف. ثم انتهت مصر إلى الاستعمار البريطاني في 1882. ونعرض في هذا المقال لتفسير المؤرخ بازل ديفدسون لنكسة الحداثة التي قام بها مثقفون أفارقة في غرب أفريقيا في القرن التاسع عشر، وكيف طواها الاستعمار اللاحق في جناحه. والخلاصة هي حاجتنا إلى تفكير أعمق وتفكيكي للحداثة الغربية لننفذ إلى حداثة أخرى مصداقاً للقول إن الطرق إلى الحداثة كثيرة ولم تطو التجربة الأوربية صحفها أو تكسر أقلامها).   



عاج بازل ديفدسون، المؤرخ لأفريقيا بحماسة سياسية أكاديمية، على سؤال هودجسون عن نقض الاستعمار للحداثة وهو يكتب عن فرص ربما واتت أفريقيا في أن تحدث نفسها بنفسها في القرن التاسع عشر. فقد تساءل ديفدسون عما لو كان بوسع افريقيا ان تلج الحداثة بغير حاجة إلى استعمار نذرت أوربا به أن تنزل الحداثة والتمدن بواسطة القوة الجبرية على بدائيّ العالم؟ وقال إننا لا يمكننا سوى الحدس هنا بما كان جرى أو لم يجر إذا لم تُستعمر أفريقيا بواسطة الأوربيين. وقال إنه سيؤسس حدسه على إعتبارين:

أولهما ما كان تختلج به الصفوة الأفريقية بشأن مستقبل بلادها قبل اجتياح الاستعمار لها في خواتيم القرن التاسع عشر. فقد دعت مثلاً النخبة المتعلمة تعليماً حديثاً بين شعب الفانتي في غانا المعاصرة إلي جمعية وطنية في 1867 أجازت دستوراً آخى بين التحديث السياسي والتمسك بمنظومة تقاليدهم من الجهة الأخرى. ولم يطل فرح الفانتي بهذا التحديث الذاتي إذ سرعان ما غزاهم البريطانيون وقتلوا مشروعهم الحداثي في المهد. وعاد ديفدسون يتساءل عن حظ مشروع الأفانتي من التوفيق أبدا. ولما اعتوزه الدليل والبرهان ضرب مثلاً باليابان التي حدَّثت نفسها بنفسها وهي مستمسكة بالعروة الوثقى من استقلالها. وقال لو أن اليابان مما يقاس عليه فلربما كان بوسع الأفريقيين ولوج التحديث أصالة لا جبراًً. ومما يسر لليابان بلوغ الحداثة هو أنها لم تٌستعمر أبداً بينما لاقت أفريقيا الأمرين من استعمار أوربا.

ولم تغب هذه المقارنة عن ذهن متعلمي افريقيا الباكرين من مثل منسا سارباه (1865-1910)، وهو من صفوة شعب الفانتي الحديثة. وقد مَهَر في القوانين التي درسها في انجلترا. وقد دافع بغير هوادة عن حداثة مُشَرَبة بأفريقيا، أي حداثة تأخذ ثقافة أفريقيا مأخذ الجد. فقد كتب في 1844 بأن توقيع زعماء أفريقيا على معاهدات الحماية الأوربية، التي احتاجت لها قوى أوربا المتصارعة في أفريقيا لاستعمارها، ينبغي ألا تُفهم بصورة اعتباطية كما حدث من أن هؤلاء الأفارقة قد تنازلوا طوعاً عن سيادتهم الوطنية. ووصف سارباه مثل هذا الفهم الاعتباطي ومترتباته بأنه فرض عشوائي للحكم الاستعمارى لا سند قانونياً له. وقد أزعجه كثيراً القوانين والإجراءات التي سنتها بريطانيا للمستعمرات وقال إنها منبتة الجذور عن أعراف الأفريقيين. وزاد بأنه مهما كان رأي الأوربيين عن الأفريقيين-- سواء ظنوا بهم البدائية الكاملة أو الناقصة-- فهم أهل نظم مستقرة للحكم القبلي تشتمل على مفهوم للسيادة وممارسة رشيدة له. ولم يمنع هذا الموقف المبدئي  من أن يوقف سارباه حياته مدافعاً عن المؤسسات الأفريقية التقليدية وأن يسأل الأوربيين بإلحاف وبطريقة ذرائعية أن يلطفوا استعمارهم بمنح الصفوة الأفريقية درجة أرحب من الحكم الذاتي حتى يلعبوا دوراً مرموقاً في ترقية حياة أهلهم.

وقد ساقه هذا التفرغ للمسألتين ليقوم بمباحث شتى حول القانون العرفي الأفريقي نٌشرت في سلسلة مجلدات. وكتب مرة يقول: "إن الوطنيين الفانتي وأمبراطور اليابان وساسته معاً كانا يكدحان كدحاً لترقية بلديهما بالتعليم المناسب والتدريب الكفء لشعبيهما. وكان هذا الهدف الأسمى متاحاً لليابانيين والأفارقة معاً على قدم المساواة. وصارت اليابان بدرجة من الحداثة وخابت أفريقيا. وما فرّق بينهما إلا أن الاستعمار طال أفريقيا ولم يطل اليابان. وسمى ديفدسون مثل حدسه بما ربما كان وقع للأفريقيين من حداثة (أو تعذرها) بغير استعمار ب "سؤال ولو". وهو سؤال غير مستحب عند المؤرخين لأنه يسأل عما لم يقع بينما يقتصر تدريب المؤرخ على دراسة ما وقع وتحليله. 

خاتمة                  

يبدو سائغاً القول، في ضوء هذه الخبرة التاريخية لفشل حداثة غير الأوربي، إن الحداثة مشروع مستحيل أو في شبه استحالة. ونقول بهذا من باب التوكل لا من باب التهافت أو شق الجيوب. فنحن نريد أن نخلص من هذا التقرير عن استحالة الحداثة إلى وعي أفضل بحاجتنا إليها وتمنعها علينا وهو ما اسميه بوعي الاستضعاف. وهو وعي لا نبكت به أنفسنا لمحنتنا مع الحداثة إلا بمقدار بينما ننفذ بسلطان الفكر إلى استحالة الحداثة علينا بالوجوه التي استوفاها كل من هودجسن وياب وديفدسون.   

فلأننا لم ننم جميعاً كعرب أو مسلمين أو أفارقة هذا الوعي المتوكل باستحالة الحداثة في شرط الاستضعاف تفرقنا شيعاً من مثل هلال الحداثة ومريخ الردة عنها. فقد تلبسنا وعي زائف من وسواس الغرب بأننا ننقسم إلى شيعة مناصرة للحداثة وأخرى تكرهها كراهة التحريم. فمن أكثر النظريات رواجاً أن الصحوة الإسلامية المشاهدة هي هرب للأمام من الحداثة وكأن الحداثة ممكنة ولم تبق سوى ملاعنة الهاربين منها والمقبلين عليها. وهذه فتنة كبرى ساقتنا إلى صراع العلمانيين والدينيين المسلمين الفادح. ولم يفض هذا الصراع بنا إلى علم أميز بمأزقنا التاريخي مع الحداثة بل إلى حرب طوائف أخرى وخبل جديد. وربما حفزنا التاريخ الذي أطرنا فيه لاستحالة الحداثة عندنا (لمن طلبها ولمن هرب منها معاً) لبدء حوار بكر حول استضعافنا في الدنيا لا ننقسم به قسمة بسيطة إلى هلال الحداثة ومريخ الردة عنها.      





عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////