ربيع ثورة أكتوبر 1964: عبد الخالق محجوب مايسترو التكتيك (3-30)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
قلت في ما مضى من حديث أن القول بأن ثورة أكتوبر 1964صدفة صدفت هو قول لا بأس به إذا اقترن بإدراك أن الصدفة هي بنت الضرورة وتقع في منعطف غميق من منعطفاتها الملغزة. أما إذا أراد القائل أنها صدفة وقعت هكذا من غير فعل فاعل فالقائل ذو أجندة في تفسير التاريخ صالحة للنظر والتأمل في حد ذاتها. وقلت إن جماعات كثيرة قاومت النظام العسكري وخلقت بذلك أشراط سقوطه ولم يبق بعد إلا لحظة قدح الشرارة التي لايتنبأ بها متنبيء لأن تلك اللحظة واحدة من لحظات تجل عن الحصر. وقلت إنني ساتحدث عن دور الشيوعيين في الثورة لأنني قد أحسن بيانه دون غيره من الأدوار. ولما كان هذا الدور قد خضع في رصد وقائعه وتفسير مغازيه للعدو والصليح فقد قدرت أن الأفيد للقاريء أن القي الضوء عليه من خلال مناقشة الشبهات التي حفت به. وكما سيرى القاريء أن ليس كل هذه الشبهات من صنع الخصوم أو المنافسين للحزب في مقامات السياسة. فبعضها جاء ممن لم يزل شغل هذا الحزب أكبر همه.

تمثلت مساهمة الحزب الشيوعي في التحضير لثورة أكتوبر في الأبواب التالية:

-(1) انتقل الحزب من طور فضح عصابة 17 نوفمبر وتأجيج السخط عليها إلى طور تعبئة القوى الشعبية لاسقاط نظامها. فقد أبلى الحزب البلاء الحسن بتضحيات  جمة لأعضائه والديمقراطيين من حلفائه في كسر رهبة النظام الباكرة حين عَمَّد نفسه بالتشريعات المستبدة مثل قانون دفاع السودان الذي استنسخته كل النظم الديكتاتورية اللاحقة. كما عمد نفسه بالدم بشنقه للضباط الذين انقلبوا عليه في 1959.

(2) وكان الفيصل بين الطورين هو  اقتراحه على المعارضة والشعب خطة الإضراب السياسي العام في صيف 1961 ليتركز عندها شغل المعارضة لغاية اسقاط النظام.

(3) وعبر الحزب عن جديته في أخذ مسئوليته في إسقاط النظام مأخذ الجد بخروجه من جبهة أحزاب المعارضة التي لم تقم لها قائمة مذكورة منذ وفاة السيد الصديق المهدي في 1962.فلم يرد الحزب أن يمني الناس الأماني عن جبهة عاطلة.

(4) وقرر الحزب أنه طالما رهن مهمة اسقاط النظام بالقوى الشعبية فعليه حفزها لاستعادة منابرها النقابية. وزكي لها ألا تخشى القوانين الجائرة التي ستحكم نشاطها لأنه لم يعد بوسع النظام المنهوك القرار لوحده في آفاق نشاط القوى الشعبية إذا صممت وعزمت وتوكلت.

(5) وقرر الحزب في نفس السياق أن يدخل انتخابات المجلس المركزي الذي هو صورة النظام لمسخ الديمقراطية التي كانت مطلب خصومه. وكانت أقوي حجج الحزب على ذلك أن المجالس المحلية والريفية، وإن زجها النظام في مسخه  للبرلمان الوطني العام، هي منابر انتخابية أصيلة للتأثير في السياسات المحلية التي هي أكبر هموم الناس.

(6) وكان الحزب قبل هذا كله قد أقبل على ترتيب بيته الداخلي يضمد فقد وجراح فترة تعرية النظام بثمنها الباهظ. وكان هذا وقت صدور مساهمة أستاذنا عبد الخالق الرائدة في كتابة تاريخ الحزب ، المعنونة لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ليقف عليه "جيل التضحيات" من التابعين الذين جذبتهم إلى الحزب حربه الهميمة للنظام المستبد ولم تتح له معرفة أبلغ بماضي الحزب أو وجهاته المستقبلية. كما صدر لأستاذنا كتابه نحو إصلاح الخطأ في العمل الجماهيري لتربية الأعضاء في ما أسماه ب"عبقرية الشعب."

وسأركز في كلمتي الأخيرة هذه على الشبهات التي طالت دخول الحزب انتخابات المجلس المركزي والتي عدته طلاقاً للنضال ومهادنة للنظام العسكري. وقد جاء آخرون بدلائل أزيد على تفريط الحزب في المقاومة مثل لومه لخروجه على جبهة الاحزاب المعارضة المعروفة مؤثراً السلامة ومهادنة النظام. ولم تشب الاضراب السياسي شائبة إلا ما كان من تسفيه رفاقنا في القيادة الثورية للحزب الشيوعي (المرحومان يوسف عبد المجيد كمرات "رفيق" وأحمد الشامي) له وهو طفل في الرحم. وقد قر رأيهما أن الحكم لن يزول الا بالثورة المسلحة ينهض بها فقراء الريف وأجراؤه على النسق الصيني.واختارا الخروج من الحزب في ثلة من الناس في 1963. وددت لو أننا اعتنيا بدرس تكتيك الاضراب السياسي بما تجاوز مردوده السياسي إلى أصوله في حيل الاضراب العام المعروفة في سيرة الحركة العمالية العالمية مثل الذي وقع في انجلترا عام 1926. ومن شأن هذا المبحث أن يوطننا في نظرية وتقنيات هذا النشاط العظيم الذي أزلنا به طغمتين من الطغاة. وآمل أن أعود إلى المسألة يوماً قريباً.

قال  السيد الصادق المهدي إن للشعب السودان عبقرية في الإنتفاض على الظلم والظالمين غابت أحياناً على حزب ثوري مثل الحزب الشيوعي حين قبل ان يدخل إنتخابات المجلس المركزي لنظام الفريق عبود في  1963 يأساً من ليل الطغيان الذي طال. والسيد الصادق من أفضل نقاد الشيوعيين من جهة المغامرة في المسارعة الي الحكم. ولكن في وصفه دخول الحزب الشيوعي انتخابات المجلس المركزي باليأس تجاوز للحق. ومن المؤسف أن يسبق السيد الصادق إلى هذا التقدير المجانب كل من السيدين أحمد سليمان والتجاني الطيب ممن عاصرا الحدث وساهما في تشكيل نظريته وممارسته لمنزلتهما في الحزب آنذاك. فقد قال الأول في معرض ذم أستاذنا عبد الخلق محجوب أن الحزب الشيوعي قد سقط في حبائل سوء تقدير الظروف ووزن النتائج في مثل دخوله انتخابات المجلس المركزي حين أجمعت البلاد على مقاطعته. والمعروف للقاصي والداني أن أحمد يكتب ما يكتب تنصلاً عن جاهليته الأولي، الطويلة نوعاً ما، في سلك الشيوعيين. ولأنه ممن يكتب طلباً لتطهير النفس من الادران وشغفاً بالغفران على زلاته فلربما لم يول حقائق المسألة مايوليه المؤرخ. فالمؤرخ لا يلتزم الحقيقة فحسب وانما يتدرب على طلبها ويعرفها إذا انطلت عليه ونبهه منبه لها بذهن مفتوح. ولذا فشهادة أحمد عندي معيبة ومجروحة وكفي. ولكني استغربت تنصل التجاني، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، عن دخول الشيوعيين تلك الانتخابات لقوله في ندوة بالقاهرة عام 1993 إنها مما وجب على حزبه أن يعتذر عنه من أخطاء سياسية أخرى. وماكنت أريد العودة الي سوء تقدير التيجاني هذا، وقد لفت النظر اليه في حينه، لولا توضيحه لحديث القاهرة في جريدة الميدان (نوفمبر 2000) في معرض الرد على مؤاخذة له من "الزميل صالحين" في عدد سلف من الجريدة. فقد قال إنهم شاركوا في الانتخابات لأن أحزاب المعارضة لم تأخذ باقتراح الحزب بمعارضتها بقوة كسابقة مقاطعة انتخابات الجمعية التشريعية في 1948 أو الشيوعيين الروس لدوما (برلمان) القيصر في 1905. وقال إنهم دخلوها واستبسلوا في فضح المجلس المركزي والحكومة إلا أن "الجماهير لم تتجاوب معنا. ففي غمرة تمسكنا بتجارب من ظروف مغايرة نسينا مزاج الجماهير."

من الانصاف للحزب الشيوعي أن نأخذ خطته لدخول انتخابات المجلس المركزي في إطار تكتيكه الأساسي لاسقاط نظام عبود عن طريق الإضراب السياسي العام الذي تبناه في صيف 1961. وقد استبق بيان الحزب بشأن دخول الإنتخابات كل المتأخرين الذين عابوا عليه هذا الدخول. فقد نقد البيان المجلس المركزي حتي أنه لم يترك له جنباً يرقد عليه. وواصل قائلاً إنه لا يريد بدخوله أن ينقطع عن العمل مستقبلاً مع المعارضين الذين لم يروا رأيه. وقد سبق أن دعاهم إلى المقاطعة بالمواجهة ولم يقبلوا. وهم أحزاب جمهرة مشدودة لها بإرث وليال وبراق وراتب وهلمجرا وقل من يسألها من شيعتها إن سوفت أوحزمت . أما الحزب الشيوعي فجمهوره مايزال طي المستقبل وهو لن يتوانى في استيلاده من هذا الرحم بكدح يومي يأخذ في الاعتبار استعداد هذا الجمهور السياسي ليتدرج به وحاجياته ليوسعها ويجملها. وقد عاد أستاذنا عبد الخالق الي الفرق بين الجمهور الموروث و المستولد في كتابه قضايا مابعد المؤتمر الرابع  في 1968. أما أميز ما جاء في بيان الحزب بصدد دخول الانتخابات فهو قوله إنه لا دخولها ولامقاطعتها ببديل عن تكتيكه الجوهري لإسقاط النظام عن طريق الإضراب السياسي العام. فالدخول أو المقاطعة السلبية، أياً اتبعت، هما حيل صغرى  عند أم الحيل: الاضراب السياسي العام. والذي يتوقف عندهما (الدخول والمقاطعة) ليرسم الخط الفاصل بين الوطنية وخيانتها أو الشجاعة والجبن فهو من ذوي الكسب المبخوس في علم الدبارة (التكتيك) لأنه اشتغل بمفردات الأداء السياسي أو شجيراته وخفيت عنه مشمولاته أو غابه.

ولا ادري لماذا خص التيجاني واقعة قبول الدخول في انتخابات المجلس المركزي بالاعتذار دون قبول الحزب بالعمل في النقابات والاتحادات بقوانين جاحدة استنها نظام عبود. وكان الحزب هو نفسه قد عبأ الناس ضد فسادها وطغيانها. فقد زكى الحزب للعمال أن يقيموا نقاباتهم على سنة قانون 1960 الجاحد لحقوق عمالية كانت لهم في قانون 1948 الذي كان عليه العمل قبلاً. كما زكى لنا في حركة الطلبة أن نرتضي (وهو فعل مناتقة ومجابدة كما في قول للصديق خالد فتح الرحمن) القانون رقم 9 لسنة 1960 الذي سنه النظام لإبعاد الطلاب من العمل السياسي. وقد رفضه الطلاب من أول يوم وألفوا إتحاداً سرياً كان لي شرف العمل فيه في أكثر سنيه. ولم تكن دعوتنا، نحن الشيوعيين، للطلاب لقبول القانون المنبوذ بالسعيدة. فقد آذانا الاخوان المسلمون وأشياعهم حد الإيذاء واتهمونا بالزيغ عن الحق وطلب العافية من مواجهة النظام. وأصبح ترويجنا لقبول القانون رقم 9 على علاته "نعلة لنا" في قول بنت خالة لي رحمها الله. ومن طريف ما اذكر في خصوص هذه "النعلة" أن زميلنا المرحوم الشيخ رحمة الله زَيَّن قبول القانون في إجتماع لمجلس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم بقوله إن القانون به "جوانب مشرقة" لكفالته حق التنظيم للطلاب على الأقل. ولم يزن المرحوم كلمته لأنه جاء بعبارة مما كنا نتدواله في هيئاتنا الحزبية والجبهة الديمقراطية وفراكشناتنا بغير رقيب. ولم يتوقع أولئك الذين نشأوا على مقت القانون هذا الغزل الشيوعي فيه. فصارت "قانون 9 (بالانجليزي) له جوانب مشرقة" دعاية ضدنا. و"نعلة." وصبرنا وصابرنا حتي قبل الطلاب بالقانون أو نحوه عام 1963 وسافر لجنته في زيارة لإنجلترا لتقف على مجريات العمل في اتحادات الطلاب هناك. وهي اللجنة (أو التي بعدها) التي ينسب اليها تفجير الثورة في جامعة الخرطوم. وبالطبع لم يلاق العمال عنتاً كبيراً في ارتضاء قانون 1960 للنقابات لخبرتهم السابقة في العمل في إساره وتطويعه حتي ضاق به النظام خالقه ذاته كما حدث على أيام اضراب نقابة عمال السكة الحديد في 1961 التي حلها النظام حتي بعد أن ارتضت أن تقوم بمقتضى القانون الجاحد. وكان قيام المرحوم  الشفيع أحمد الشيخ على أمر العمال سبباً ضخماً  في يسر مهمة رفاقنا بين العمال حتي انتصروا نصرهم المؤزر في أغسطس 1964 بإنتخاب الشفيع سكرتيراً عاماً لاتحاد العمال تحت عين النظام المقيت .

وصفوة القول إن دخول الشيوعيين انتخابات المجلس المركزي كان باباً في القبول بشيء من "الدنية" في جهادهم يوفرون به أدوات للعمل السياسي والاجتماعي مألوفة ومشروعة لغمار الناس. وهي أدوات مدخورة لغاية اسقاط النظام بعد أن تسترد القوى الشعبية بها صوتها وفعلها في السياسة بعد استكمال عملية "التأجيج والفضح والعزل" للنظام. وهي عملية باهظة بخسائرها في الأنفس والمنابر. وظل الحزب الشيوعي يشكو مما ترتب على جراءته في خوضها من نقص في الكادر والتربية حتى في مؤتمره الرابع في 1967 . وخطة الحزب الشيوعي هذه سماها مرة الدكتور نوري الامين، الذي هو أخبر بالشيوعيين مما يظنون، "بتقويض النظام العسكري من داخل المؤسسات المنتخبة." وكان اختيار المجلس المركزي، الذي لا سبيل للشيوعيين أن يفوزوا بشيء معلوم منه وإن حلموا، كمنبر لهذا التقويض لسببين. أولهما أن تكون مناسباته الانتخابية نفسها ساحةً لعمل مقاوم جريء ومشروع إما قبل به النظام المزنوق وبلغت رسالة المقاومة الناس على رؤوس الاشهاد فتشجعوا وأمِلوا في التغيير. وإما ضاق النظام بواسعه وتفرعن وهكذا نكون قد أوصلنا الكذاب إلى بيته. وقد أبلى الشيوعيون في هذا التأجيج القانوني بلاءاً حسناً. وكنت رغبت أن يكتب زميلنا العتيد عبدالله عبيد والأستاذ فاروق ابو عيسي، مرشحا الشيوعيين في الثورة والعرضة بأم درمان عن تلك الايام التي شتما فيها الديكاتورية العسكرية من خشم الباب وليس على الحيطان بعد انقطاع الحركة:

الله أكبر هذا الروح أعرفه إذا تذكرت أيامي ويعرفني

كنا ننميه سراً في جوانحنا حتى استحال إلى الاجهار والعلن

كما اختار الشيوعيون العمل من خلال المجلس المركزي لسبب جئت به في الحلقة الماضية. فقد بنى النظام المجلس المركزي، بحسب توصيات لجنة كان أنشأتها الحكومة برئاسة رئيس القضاء أبورنات، على هرم قاعدته المجالس المحلية بلدية وريفية، التي يجري التعيين والانتخاب لها أيضاً. وهذه المجالس تنتخب بدورها مندوبين لها في مجالس المديريات وتعين الحكومة بعضهم. وفي رأس الهرم يأتي المجلس المركزي المكون من مندوبي مجالس المديريات ومن تعينهم الحكومة. ونظر الشيوعيون إلى هذا الكيان الخليط على مستويين. فهو عندهم مجالس محلية في الحضر والريف وبرلمان حكومي. وقر رأيهم أن المجالس المحلية حق مسلوب للشعب ولا يصح لسياسي يريد حضوراً بين الشعب وكسباً لطلائعه أن يقاطع هذه الأدوات المستردة التي فيها جماع الخدمات. ومن قاطع هذه الأدوات لأنها تلوثت بما يكره كسياسي مثل المجلس المركزي فهو كمن يدلق الوليد مع  الماء الذي غسلوه به كما في حديث أهل الإنجليزية. ولذا قال بيان الحزب بشأن انتخابات المجلس المركزي إن حجب الشعب عن استرداد مجالسه المحلية، التي ليست منحة من أحد، عمل عاطل عن الحكمة.  وإن استنكاف الجمهور نفسه من المساهمة في نشاط ما لا يسمح الظرف بغيره ليس حجة في الاستحياء عن قولة الحق له. فقولة الحق من  تبعات القيادة أحياناً اذا لم نرد لها أن تكون مجرد مايطلبه المستمعون. وقد كافأ مركز الرئيس كنيدي هنا هذا العام جماعة من قادة العمل السياسي والمدني لأنهم سبحوا عكس تيار ماتواضع عليه الناس، وقبلوا العزلة لحين، حتي بلغوا بهم اليابسة. ومن أولئك عمدة مدينة صغيرة لم يسمع نصح أهله بألا يسمح للمسلمين ببناء مسجد لهم في المدينة. واحتكم العمدة الى الأصل في عقائد امريكا في الحريات المدنية وتعالى على بغضاء قومه الدينية. وأراد مركز كنيدي بجوائزه للقادة الشذاذ هؤلاء أن ينبه إلى طلائعية القيادة بعد أن أصبحت مسابقة في ارضاء اللوبيات وخضوعاً لاستطلاعات الرأي العام.  وأما المجلس المركزي نفسه فقد استثقله الحزب الشيوعي ووصفه بأنه حلقة أخرى من المجالس التمثيلية الكاذبة التي خبرناها كالجمعية التشريعية وأنه مما أوصى الرئيس كندي نظام عبود به حتي يرفع الحرج عن أمريكا في التعامل معه. ورأى في خوض الانتخابات سبيلاً للمزيد من محاصرة النظام. هل تنبه القاريء الي ورود اسم كندي مرتين في هذه الفقرة. فتأمل.

وددت لو أن التجاني  توسع في حيثيات اعتذاره عن دخول حزبه المجلس المركزي حين عاد إلى المسألة في عام 2000 للرد على مؤاخذة الزميل صالحين. ولكنه اكتفي بإيراد فكرته الأولي التي أذاعها في 1993 . فقد كان من رأيه أن الجماهير لم تتجاوب مع الحزب في المساهمة في الانتخابات لأنه لم يسترشد بمزاجها في غمرة تمسكه بتجارب الغير من ذوي الظروف المغايرة. فلو أراد بالغير الماركسيين الروس كما يوحي قوله في موضع آخر يكون التجاني قد ظلم حزبه والغير معاً.  فقد كانت للروس ظروف ساوموا فيها وقبلوا ب"الدنية" في جهادهم الى حين وظروف أخرى استعلوا فيها على المقايضة السياسية. ومدار هذا الحديث كما لايخفي على التجاني هو مقالة لينين "عن المساومة" المكتوبة في 1917 و التي اقترح علينا الحزب قراءتها آنذاك حتي نٌقَعد تكتيك دخول المجلس المركزي على خبرة الروس  المركزية في أفهامنا آنذاك. فقد قبل الروس دخول الدوما القيصرية الرجعية الثالثة والرابعة عن جبر لأن توازن القوى لم يكن يسمح لهم بعمل ثوري مباشر. وكان عليهم أن يصبروا ويصابروا حتي تسنح تلك الفرصة. كما قبل الشيوعيون الروس طواعية في 1917 أن يهادنوا حكومة الحلف الخليط الذي جاء إثر الثورة الأولى قبل انتفاضة الشيوعيين عليه في أكتوبر من نفس العام. وكانت المساومة مقايضة: يكون الحكم خالصاً للحلف في حين يزوال الشيوعيون نشاطهم الجماهيري بغير حدود. ومن الطريف أن لينين قد نقض هذه المساومة يوم انتهى من شرحها في رسالته القصيرة لأن الحلف لم يلتزم بما وعد. وكان الدرس المستفاد، لشباب مسخن/ثوري مثلنا امتزجت المقاومة عنده بمقتضيات "الرجالة" الدارجة، أن المساومة أيضاً فرض على الثوري متي استدعاها الظرف. ففي قول لينين ليس الثوري من تفاخر بأنه لن يساوم أبداً ولكنه الذي يعض بالنواجذ على مبادئه وهو يساوم متى كان لا مهرب له من المساومة. ومدار المساومة الظرف السياسي المخصوص الملموس وقد فهمنا ذلك. وجاء بيان الحزب كما مر وكله نظر للظرف السوداني المخصوص. ولا أدري لماذا اختار التجاني نسبة هذا النظر الرشيد الى إيعاز خارجي  بينما هذا الموعز نفسه قد جرب خيارات المساومة والمقاومة جميعها بنظر لظرفه الذي رأيناه يتغير في طرفة عين.

حمل الاستاذ احمد محمد شاموق خطة الشيوعيين في التأني في مداكمة النظام بلا هوادة إلى العمل على مراكمة القوي للهجوم النهائي عليه بأنها مهادنة أو ملاطفة للنظام ترتبت من جملة اعتبارات. فهي إما أثر من ما أصابهم من رهق من جراء طول صراعهم مع "عصابة 17 نوفمبر" التي اعتقلت قادتهم وكشفت أوكارهم فأرادوا الخلود "إلى نوع من الإستجمام والراحة". أو أنهم أرادوا بمصانعة النظام مناصرة المعسكر الإشتراكي حين مالت العصابة إلى الرئيس اليوغسلافي توتو والحياد الإيجابي واعترفت بالصين الشعبية وعقدت اتفاقات للنفع المتبادل مع الاتحاد السوفيتي. ومن شواهده على مهادنة الحزب للنظام أنه اعتزل الجبهة الوطنية المعارضة في يناير 1963. وسأضطر الي القول إن في تحليل شاموق تخليط كثير معذور لأنه كتبه وهو في أول الشباب وتحت تأثير "خط" جبهة الميثاق الإسلامي التي ألحت على تهافت الشيوعيين على نظام عبود وتفريطهم في تبعة مقاومته.

اعترف النظام بالصين الشعبية في عامه الثاني ولم تشفع له هذه الخطوة غير المسبوقة كثيراً عند الشيوعيين أبداً.  وقد روى الأستاذ محمد سعيد محمد الحسن مؤخراً ملابسات هذا الاعتراف. وهي ملابسات مفرطة في السذاجة. فقد قال إن السيد مهدي مصطفي ، الدبلوماسي بالخارجية آنذاك، اقترح على المرحوم أحمد خير، وزير الخارجية، أن يتضمن خطاب العيد الأول للانقلاب اعترافاً بالصين. وكان مهدي من ضمن لجنة كٌلفت بإعداد الخطاب ووجده ماسخاً فأراد أن يفلفله ويبهره بشيء ذي دوي كالاعتراف بالصين الذي كان يجنن بوبي أمريكا. ولم يكن للصين هذه الدالة على شيوعيّ السودان منذ افترقت مع الاتحاد السوفيتي في حين حلق الحزب الشيوعي في سرب السوفيات. وسيشهد عام 1963 انقسام أحمد الشامي ويوسف عبدالمجيد كمرات المتهمين بالميول الصينية. ولم تغفر الصين للحزب الشيوعي انحيازه للسوفيات. فلما بطش نميري بالشيوعيين عام 1971 لم يطرف جفن للرفاق الصينيين وواصلوا ودهم مع نميري وبالغوا. واستطراداً، فقد قيل إن الرفاق الصينيين استثقلوا وجود المرحوم معاويه ابراهيم سورج (الذي خلدت اسمه محطة البص المعروفة في أركويت)، الذي خرج على قيادة استاذنا عبدالخالق في 1970 وأصبح وزيراً للشؤون الخارجية في دولة النميري، في اجتماع لهم مع الحكومة السودانية في بكين. وقد ذكر الصينيون لمعاوية تلك الأيام حين كان مندوباً للحزب الشيوعي في الخارج وكان يغشى اجتماعات الأحزاب الشيوعية ويصلي الصينيين نارا. وقيل إن الصينيين وصوا بإزاحة معاوية عن هذا المنصب الحساس إذا أراد السودان خيراً منهم.  وفعل النميري بما أمروا. ولا أدري كيف جاز لشاموق الشباب الباكر أن يصور علاقة عبود بتيتو كطعم أغرى الشيوعيين بملاطفة النظام. والمعلوم أن الشيوعيين في السودان كانوا سئّ الظن بتيتو وعصبة الشيوعيين اليوغسلاف مثلهم في ذلك مثل سائر الحركة الشيوعية العالمية التي رمت تيتو بالزيغ. وعليه فلربما كان تودد عبود إلى تيتو سبباً لنفور الشيوعيين منه لا القربى.

وظن شاموق الشاب كذلك أن الشيوعيين هادنوا نظام عصابة نوفمبر توقيراً للاتحاد السوفيتي الذي اتسع له السودان بفضل نظام العصابة. وهذا مأخذ بعيد.  فلم يعرف عن الحزب الشيوعي أنه إمعة السوفيات. وقد لفتت هذه الاستقامة نظر الاستاذ فؤاد مطر الذي ربما افتقدها، أو لم يجدها بذات الحضور والقوة، في أحزاب الشام الشيوعية فنوه بها مرات عديدة في كتابه الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر . وخير مرجع للباحث في شأن تجربة الشيوعيين عندنا في التعامل مع نظام وطني مستبد ذي علائق حسنة مع الإتحاد السوفيتي "العظيم" هو كتاب الماركسية وقضايا الثورة السودانية. والكتاب عبارة عن التقرير الذي أجازه المؤتمر الرابع للحزب في 1967 ولخص فيه خبرته وكسبه خلال سنوات دولة نوفمبر بما في ذلك موقفه  من دولة عبود التي حظي السوفيات بنصيب من ودها. وقد خصص الكتاب لذلك باباً بين صفحتي 113و 114. فقد استبشر الحزب في تقريره بعلائق النفع المتبادل بين الطغمة السودانية والسوفيات ورأى أنها، على علاتها، قد تكون نافذة يرى من خلالها الناس عدل الاشتراكية في العقود ومهارتها في المنتوج. غير أن مربط الفرس في رأي التقرير أن الحزب الشيوعي السوداني، وحده لا غيره، هو الذي يبني خطته السياسية تجاه النظام القائم في بلده. وقال إن مقدم السوفيات إلى البلاد لم يدفع بالحزب في طريق التعامي عن الوضع الطبقي في البلاد باعتبار أن "العلاقات الإقتصادية مع المعسكر الإشتراكي ليست مقياساً لتقدمية هذا النظام أو ذاك". فالذي يحكم مواقف الشيوعيين من النظم السياسية في أوطانهم هو تحليلهم الطبقي المستقل لها ولوجهاتها في السياسة.

ولا أذكر على أيام جهادنا في صفوف الحزب أن كان تعامل السوفيات مع النظام شاغلاً لجهة الصلح مع النظام. ولا اخفي أنه ربما كان محرجاً لنا بعض الشيء. فليس يريد من كان في سننا الميالة إلى طلب الصفاء في الحالة السياسية، إما مع أو ضد، أن يرى الناس قدوتك الكبري، روسيا، "تنام مع العدو" في تعبير إنجليزي شائع. ولم تقبل لنا وطنيتنا، والشيوعيون السودانيون أصل في دوحة الوطنية منذ ترافق ميلاد حزبهم مع بواكيرها، أن نختلس الرأي من الإجنبي كائناً من كان. وليست الوطنية قاصرة علينا بالطبع وإنما هي تربية تشيع في الوطن. وقد وجد الإخوان المسلمون أنفسهم في إمتحان شبيه بإمتحاننا حين طلب منهم التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي أمره في يد المصريين، أن يصبحوا مجرد فرع يأتمر بأمر التنظيم الدولي. واستعلى إخوان السودان على هذه التابعية ولقيوا بعد ذلك عنتاً كبيراً من التنظيم الدولي في سبعينات القرن الماضي حتى كتب الشيخ صقر المصري إلى المرحوم بن باز يكفر الشيخ حسن الترابي. ونحن كذلك لم تقبل لنا ماركسيتنا، على علاتها، أن يتطفل على تحليل واقعنا متطفل. فقد رفضنا في شيعة عبدالخالق دفع السوفيات لنا لاعتبار عصابة نميري فرقة من فرق الديمقراطيين الثوريين الذين نعقد معهم أواصر التحالف بغير خشية أو تحفظ. وسمينا تلك الجماعة، بمصطلح ماظنناه الصواب الماركسي ب "البرجوازية صغيرة" مخافة منها. ولم يغفر الرفاق التشيك لنا هذه العزة بالرأي واشتهر عنهم أنهم نسبوا محنة 19 يوليو إلى ركوبنا رأسنا واستعلائنا على النصح.

ومما يحير في منطق شاموق الشاب أنه دلل على مهادنة الشيوعيين لنظام الفريق عبود بخروجهم على جبهة الاحزاب المعارضة. وكانوا سببهم لذلك قولهم إنها عديمة الجدوى. ولم يتحامل الشيوعيون في الحكم على كساد الجبهة. فهو نفسه لم يجد كلمة طيبة تقال عنها قبل مغادرة الشيوعيين ساحتها.  فقد كتب شاموق بعد 4 سنوات من ذلك الحكم، وبعد قيام الثورة، في كتابه الثورة الظافرة يصف الجبهة بما وصفها به الشيوعيون. فقد وصف عام 1962 بأنه عام فتور الجبهة أو تحللها في طريق الذوبان. فقد خبت نار مناسباتها السياسية التي لم ينعقد بعضها طلباً للتقية.  وكان خمول الجبهة أثراً من وفاة السيد الصديق المهدي التي أحدثت "هزة دائمة وشللاً دائماً في أوساط المعارضة".  وكان أحرى بشاموق الشاب لو أراد الانصاف أن يعد بقاء الشيوعيين في مثل هذا الحلف العاطل، لاخروجهم منه، دليلاً على تقاعسهم عن النضال وتبطلهم.

وماكنت أريد للتجاني أن يتبرأ من دبارة دخول المجالس المركزي (وما وقع في نطاقه أو اتصل به) بغير نظر محيط. فلم أقرأ له مثلاً هذا الرأي في دراسة متأملة في قضايا سودانية  التي يحررها في القاهرة والتي هي (أو الشيوعي)  موضع مدارسة ومراجعة التكتيكات التاريخية قبل كشف حالها على الملأ في معرض دعوة عامة للاحزاب كافة أن تتطهر وترشد بكشف خبايا أخطائها. وهذا طلب كسول للرشد ومزايدة في المبادرة إليه. وأسفت أكثر لأن التجاني رد خطأ دخول المجلس المركزي إلى تأثير أجنبي مضلل مما قد يوحي  للناشئة أن الأخذ عن الأمم مجلبة للخطأ والفساد والعاقل من اقتدى بما في "واقعنا ما من أكتر . . .يا بلادي". وأخشى أن لا يتوقف كشف شيطان الأجنبي عند حادثة المجلس المركزي. فإغراء نسبة مانتصوره من نقص فينا إلى الأجنبي لاتقاوم في سياق تهافت الماركسية وسقوط دولتها العظمى. ويعضد من هذا أن وجهة المناقشات الحالية في الحزب تزكي للأعضاء وللناس أن متاعب الحزب هي أثر من خبوء الماركسية العالمية بعد طي خيام المعسكر الاشتراكي. وقد كان ظن خصوم الشيوعيين دائماً أنهم ممن يوحى لهم أو من ينقلون من غير تفكير أو بصر. وكان ذلك ظلماً  قاومناه بالحاح على أننا إنما نطبق الماركسية بصورة خلاقة على واقعنا. وقد كانت دبارة المجلس المركزي وما والها تطبيق بديع من تلك التطبيقات. وسيصدق قول الخصوم القديم إذا استسهل الشيوعيون مهمة تجديد حزبهم بنسبة أخطائهم إلى همس الهامسين. وبالمناسبة. لم يكن همس الهامسين، حتي حين همسوا، بخال من الحكمة. فلم يكن كل ماجاء به الرفاق السوفيات ركيكاً. فقد سألوا الحزب ألا يحل نفسه تأسياً بالمصريين حين بدأ في الذوبان في الحزب الإشتراكي قصير العمر عام 1966 . واستمع الشيوعيون إليهم، وأتبعوا أحسن قولهم، و تمسكوا بحزبهم الحي وموجود في حين أفل نجم الحزب الذي كان علىه الاتكال. وقد عٌرفت تلك الواقعة في أدب الشيوعيين ب "نصيحة الرفاق السوفيات" وفيها فقه كامل لمن طاب له الموضوع.

وكنت أريد للسيد الصادق، وهو السياسي المطبوع الخلوق، أن لا يدخل في روع الناشئة أن الدبارة ، أو التاكتيك الفرعي المساوم الذي دخل بموجبه الشيوعيون المجلس المركزي،  هو مما يحكم به على الجماعة باليأس من الشعب ومعدنه الثوري. فمثل هذا القول يجعل المساومة في السياسة إلحاداً تجلب العار والشنار و يٌمَكِن للفهم أن السياسة خندقة و"استحباس" وثوابت لاينظر فيها السياسي إلى ظرفه أو كسبه أو أفقه. وهذا هو الدرك الذي بلغته السياسة عندنا حتي أصبحت على أيامنا هذه فرعاً من علم الحرب. فقد هجر حتي الدكاترة خلواتهم وكتبهم وأوراقهم وتأبطوا شراً وبندقية وخرجوا وقد شموا الدم وقالوا حرم. وقد ابتلى الله السيد الصادق بدبارة المساومة قبل حديثه عن يأس الشيوعيين هذا في لقاء بورتسودان مع نميري ومصالحة عام 1977 . وذاق من أهل الخندقة والاستحباس الأمرين من طعن في صبره على مكاره جهاد المستبدين وغيرها. كما تأذى السيد الصادق من ذات الجماعات بعد مصالحته الثانية مع النظام الحالي بعد ميثاق جيبوتي المعروف. ولم يمنعه هذا الذي رآه في نفسه مع ذلك من أن ينحى باللائمة على الشيوعيين  ليأسهم من الشعب حين اختاروا دبارة ما يلتفون بها على المستبد في خاتمة الأمر. وقد قدرت دائماً للسيد الصادق شجاعته في الخروج بغير لأي عن التجمع الديمقراطي الذي هو الخندقة لا أكلت ولا شربت حتى قال فيه الأستاذ الخاتم عدلان قولة ستبقى. فقد قال إن أحزاب التجمع مثل بخلاء الجاحظ. فهم أوقدوا ناراً ووضعوا عليها القدر وجاءوا بلحمهم لانضاجه غير أن كلاً منهم أمسك بقطعته من اللحم وقد ربطها بخيط وظل ينتظر. قدرهم واحد وقلوبهم شتي: بئس ما كانوا يفعلون. وقد فهمت إلحاح السيد الصادق على السيد محمد ابراهيم نقد ان يخرج من قندهاره (من تحت الأرض) في سياق تليينه للسياسة بعلم المساومة. ولم يخرج نقد بعد (خرج بعدها بالطبع). وربما تمثل السيد الصادق بالقول القرآني لجده لأبيه: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. وربما كان لنقد عذره. فقد جرب حزبه هذه الملاينة يوماً بعيداً وماتزال "نعلتها"، كما قالت المرحومة بنت خالتي، تلاحقهم، وتقض مضاجعهم، حتي قال كبيرهم في القاهرة ياليتنا مافعلناها. وليت للترجي.

صدق شاموق الشيخ حين قال إنه لم يبق من أكتوبر غير أشباح أسئلة وتخرصات. ومرد ذلك أن الذين عاشوها لا يريدون لها فكاكاً من أسر مشاغلهم الحزبية الغابرة أو الراهنة. فنحن في السلف ما زلنا نتحدث عنها كدحاً لم يلطف النظر التاريخي غلواءه أو ينقي حزازاته. فمع "تحريش" التجمع الديقراطي لطلابه بتنزيل أكتوبر أخرى لسحق الانقاذ فهو لم ينهض في شعبه الفكرية يوماً بمشروع لدراسة الثورة على غرار مشروع المرحوم الدكتور شبيكة والدكتور أبو سليم في دراسة المهدية بعد 60 عاماً من نهاية دولتها. ولن أقبل من التجمع اعتذاراً بشح الموارد أو الرجال. فالمال واجد لشراء السلاح وعقد المؤتمرات الراتبة فكيف عز على الثقافة. وقد جاء الرجال والنساء من خيرة الدارسين إلى سوح التجمع في القاهرة وفجعوا فيه وتفرقوا أيدي سبأ. وليس يستغرب المرء، وأكتوبر على هذا اليتم فينا، أن يغيب عن الخلف أسطع مغازيها وهو نشدان الحرية وبذل الغالي طلباً لها. وأصبحت أكتوبر شينة منكورة يتساءل البعض عن أصل مشروعيتها ذاته.ولم يقف تبخيس المعاني على أكتوبر. فقد طال الاستقلال أيضاً كما سنرى حين أكتب عنه إن شاء الله حين يحين حينه. فالزمان زمان فشو skepticism وهي عصر الهازئة والمتمسخرة الذين تذروا ملحهم كل معنى ويذهب ذكاؤهم الطعين بكل فضل ومأثرة من جراء لؤم الأيام واستطالة الكساد.