عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صارت ثورة أكتوبر 1964 سبابقة تاريخية نعرضها كسودانيين حيال الربيع العربي المتفجر. ثم بدا لبعضهم استعادتها مستلهمين ذلك الربيع بل استبطأها الكثيرون. ولكن فات على هؤلاء الثقافة السلبية التي اكتنفت الثورة حتى لم تعد سائغة إلا في أناشيدها. فصار ذكرها مقروناً ب"التخريب" لا "التغيير". فهي افسدت الخدمة المدنية وأبتدعت التطهير بل ثارت بغير سبب وجيه على نظام رحيم عليه جنرال أبوي. وشهيدها الأول مات صدفة بينما كان يحمل بشكيره إلى حمام داخلية بحر الزراف. وسلقتها الاقلام الماكرة والمضللة بأسنان حداد. واشتهر بذلك عنها غل الثورة المضادة بدلاً عن إشراقة الثورة.ظللت عبر سنيّ نظام الإنقاذ ادفع الإفتراء عن ثورة أكتوبر، بل والتهزئة بها. واستحصلت من ذلك عدد ثلاثين مقالاً أعددتها للنشر في كتب يصدر في سلسلة "كاتب الشونة". ولما هل عيدها السادس والأربعين استصوبت نشرها تباعاً. فالذين يأملون في أكتوبر قادم عليهم إعادة اختراع أكتوبر التاريخية بإماطة الأذى الكثير الذي اكتنفها: يا طفلنا الذي جرحه العدا. فإلى المقال الثاني:


أوصت ليدي لونقفورد، كاتبة التراجم المعروفة والناشطة العريقة في حزب العمال البريطاني، التي توفت منذ أيام عن 96 عاماً، بنيها وأحفادها  أن يتعلموا التاريخ لأن من جهله كان كمن يأوي إلى منزل بلا نوافذ. وجهل أكثر شبابنا بتاريخ ثورة أكتوبر، ماعدا مايقع لهم من أهازيجها العجاب، ناجم من اعتصامنا الطويل بهذا المنزل الضرير. ولما لم تعد أكتوبر تأريخاً "تأسطرت"، في قول الدكتور البوني، أي صارت أسطورة. والتاريخ خلاف الأسطورة. فالأسطورة تجمد الحادثة في منشأها ولا تفتحها إلا للمنتحلين والمزايدين والمزخرفين وأرباب الطقوس. أما في التاريخ فالحادثة نهب للمستجدات تستدعيها، وتتفحصها، وتستوثق منها بلا انقطاع. ولذا استهجن القرآن أساطير الأولين لأنها مما يحجب الناس عن فعل التاريخ الذي كان يتنزل عليهم في هدي الإسلام.
وأكثر من انتفع بأكتوبر الأسطورة هي جماعات النادي السياسي المعارض للحكومات المستبدة التي تعاقبت علي حكمنا. فهذه الجماعات لا تريد من الثورة/الأسطورة غير ترويع الحكومة القائمة عسى أن تكون "البَركة" ولداًُ أيضاً. وهي لا تخشى شيئاً مثل التاريخ الذي انطوت عيه الثورة الذي هو ،بإيجاز، إمكانية بلوغ تحالف من غمار الناس والمستضعفين سدة الحكم. فالطريق الممشوق لمستقبل القوى الشعبية في مركز القرار والحكم، الذي أذنت به أكتوبر، مازال يسد حلق السياسة عندنا. فالقوى الشعبية  لم تعبره إلى الغاية المنشودة. فقد ضاق صدر قياداتها بأذى الخصوم وكيدهم  فتنكبت الطريق السوي إلى أزقة المغامرة بالانقلاب حيناً وبطلوع الغابة حيناً آخر حتى "انمحقوا" وبقي منهم من بقي شجاعاً قوي العقيدة شحيح الحكمة. ومن الجهة الأخرى، لم تقو قوى النادي السياسي التقليدي علي تأليف القلوب علي نظام وطني مقنع فتأرجحت بين البرلمان و"ثورات" إنقاذ لنا من براثنه بصورة صدقت عليها حجوة أم ضيبيبينة.  وتريد هذه القوى إطالة عمرها السياسي بعد أن رأت منذ أكتوبر نذر نهايتها. ولذا لم تدخر وسعاً في عداء الثورة وهي طفل بعد وصورت الأمر وكأنه عداء للشيوعيين.
وربما كان في الشيوعيين ما نفَّر النادي السياسي منهم. غير أن الأمر أعمق وأدهي. والمشاهد ما انتهت إليه شيع النادي السياسي التقليدي من بشاتن وكشف حال وقد من يداويها. وقد عجبت لذوي النوايا الحسنة من الشباب والمخضرمين يعلقون آمال تجديد الوطن علي إصلاح أحزاب النادي السياسي ويتحرقون للقيادات الجديدة التي قد تسفر عن مؤتمراتها التي تأتي ولا تأتي. وقلت للسائلين من ذوي النوايا الحسنة إن جهدكم هذا، للأسف، هباء. فقد فارقت هذه الأحزاب والجماعات جادة السياسة والحكم منذ لم تتصالح مع أشواق غمار الناس وأرقهم لحياة أخري تعرف أنه ليس بوسعها حتى الوعد بها. قلت للسائلين لقد دخل هذه الأحزاب المرض الكعب ولا شفاء لها منه. وقد أعجبني وصف من راح علي اسمه بأن ما نعاني منه في محيط القيادة السياسية هو حالة تخثر. وهي بذاتها حالة الانحطاط decadence) ( التي ذمها قرامشي، الماركسي الإيطالي ذائع الصيت، وقال أنها تقع حين يسف الوضع القديم إسفافاً بلغ الحد في حين لم يأذن الظرف بعد بميلاد الوضع الجديد. وكانت أكتوبر هي لحظة ميلاد هذه الدقيقة الفاصلة في حياتنا.
وما جعل أكتوبر فينا بقايا أسئلة وتخرصات، كما قال شاموق، هو أننا جعلناه لغزاً حين قلنا أنها كانت محض صدفة وكان يمكن لها أن لا تقوم أبدا. وهكذا آوينا إلى بيتنا الذي بلا نوافذ علي التاريخ حين لم نتجه بالنظر والتحليل إلى الثورة كواقعة تاريخية متعينة في زمان ومكان وأرشيف. فليس من واقعة، مهما شذت، أعيت النظر التاريخي أو ردها كنشاز معتذراً بعدم الاختصاص. فالأصل في هذا النظر أن الحادثات، علي ما يبدوا من عشوائية بعضها، تقع بأسباب يتدرب المؤرخ في استخلاصها وتأويلها من أرشيف الحادثات الذي تنزلت فيه. فحتى واقعة القول بأن واقعة ما هي صدفة يقصر التاريخ عن تفسيرها هي في حد ذاتها مادة للنظر التاريخي. فأكثر القول أن أكتوبر صدفة عارضة مما أراد به خصوم الشيوعيين الأشداء أن يجحدوا به سبقهم بها وكسبهم منها أو ما قصد به آخرون أرفق بالشيوعيين ردهم عن الغلو والإدعاء  وهم في حال سكرتهم بكسبهم وتحبيب الموالاة والإحسان لهم. وقد سبقهم الي هذا الهدي أستاذنا عبد الخالق محجوب حين قال في أول بيان له بعد الثورة باسم الشيوعيين السودانيين إنهم قوم يردون الوغى ويعفون عند المغنم. ولم يتقيد أكثرنا بهذا القبس التربوي الجميل حين ناشنا الخصوم.
لعله من الظلم الصريح أو الكسل المفرط أن ننسب أكتوبر إلى الصدفة إلا إذا فهمنا من الصدفة أنها أيضاً مما يقع لأسباب. وقد وقفت علي جدلية الصدفة والضرورة في وقت باكر في طلبي المعرفة الماركسية. فقد عرفنا عن الأستاذ محمود أمين العالم، رحمه الله، في وقت كنا نلاحق بشظف وشغف ما يكتبه علي صفحات الرسالة الجديدة والكاتب في مصر، أنه كان كتب رسالة الماجستير عن موضوعة الصدفة والضرورة. ومفاد ما قرأناه أن  الصدفة حق وتقع في حساب احتمالات أريحي سخي يأذن ببدائل للمصادفة المخصوصة مثل أكتوبر في زمان آخر ومكان مختلف. ولا يغير هذا من حقيقة أن الصدفة بنت الضرورة التي تنشا عن، وتحكم، تدافع الناس في الحياة طلباً للمعاش وأملاً في المعاد. فلو لم تكن أكتوبر لكانت ديسمبر، ولو لم تكن ندوة البركس لكانت مظاهرة في أمدرمان، ولو لم يكن القرشي لكان إنسانا آخر في جماله ويقينه وشغفه بالحرية. فقد كان نظام 17 نوفمبر قد شارف نهايته بفعل جهاد قاصد ضده لقوي مختلفة الحظوظ في ذلك الجهاد. لقد دقت أزمة النظام الثورية. فلم يعد الناس يرضون بحكمه فحسب بل لم يعد هو نفسه يقوي علي الحكم لأكثر مما فعل. ومن أراد أن يسمع مثل هذا الحديث عن الأزمة الثورية من غير هذا الماركسي المحال الي الاستيداع فليقرأ كتاب هولت عن الثورة المهدية الذي تساءل فيه عن لماذا لم تقم المهدية في 1823،حين كان سخط السودانيين علي أشده علي الحكم التركي، وقامت في 1881 في ظروف لم تشتهر بسخط شديد. وجاء هولت بأسباب لذلك هي الأزمة الثورية بذاتها وصفاتها. وليرجع  أيضاً من أراد الأمر إلى كتابي  الصراع بين المهدي والعلماء فقد جئت فيه ببعض حديث هولت.
ومن السخرية حقاً أن يشيع الذين ما كفوا عن تزيين أدوارهم في حرب الديكتاتورية العسكرية الأولي أن أكتوبر محض صدفة. وبعبارة أخري، صح أن نسال كيف فاجأ سقوط النظام من شمر لإسقاطه وكيف أستغرب أكتوبر من رتب نفسه لها أو لشبيهات لها حتى يزيل الحكومة التي ظل يدعو الناس ويحشدهم للإجهاز عليها، ويرخص لهم تضحياتهم الجسيمة كثمن للحرية التي طرقوا بابها بكل يد مضرجة. ولا يفاجئ مثل هذا المشمر بوقوع ثورة بذل النفس والنفيس لها إلا إذا لم يصح عزمه أصلاً، أو أن  بغيته كانت أن يغير من الحكم وجوهه ووجاهاته لا وجهاته ومقاصده . وكانت أكتوبر، بما تمخض عنها من حكومة شعبية جذرية المقاصد، أهلاً لتخييب ظن المعارضين في نادي الحاكمين في السودان. وقد ناصبوها العداء، وضيقوا عليها، وربطوا لها، واستنزفوها، وأحدقوا بها، وانقلبوا عليها عياناً بيانا في حكومة سرالختم الخليفة الثانية في 1965. وإذا سمي هؤلاء أكتوبر صدفة فلأنها ربما كانت أجمل من توقعاتهم كثيراً وأذكي فؤاداً وأرحم بالمحكومين الذين رأوا فيها عينة بينة علي وطن "الوجود المغاير"  الذي رنا له التجاني يوسف بشير.
من قطع الوصل بين الصدفة والضرورة جعل حبل التاريخ على الغارب.  فالقول بان أكتوبر صدفة هو قول لئيم وتغبيش للوعي بتأريخ فترة فيصل نشأ فيها خيال جديد لحكم الشعب بالشعب بعد أن ظل ذلك الخيال حبيس المعارضة علي آخر عهد الاستعمار وفترة الحكم الوطني. وهذا الخيال من قبيل روح الاستقلال الوطني الذي شم عبيره الشاعر المرحوم علي نور فتعارفا:
كنا ننميه سراً في جوانحنا  حتى استحال إلي الإشهار والعلن 
فالصدفة، كخبط عشواء، لامكان لها في شغل التاريخ. أما إذا كان المعني بالصدفة تلك الواقعة الغراء، التي تتولد في كنف أسرها ومنطقها الخاص، في أشراط الضرورة التاريخية، فهي زبدة النظر التأريخي بحق وحقيق. وسيكون منطلق حديثي هنا أن أكتوبر هي ثمرة عمل سياسي تاريخي قصد إلي تغيير سياسي معلوم. وسأركز هنا علي مساهمة الحزب الشيوعي، أو مزاعمه، في التبشير والتحضير للثورة. وهذه مساهمة أزعم لنفسي حضوراً فيها ومعرفة بها لأنها مما يليني وأترك شرح المساهمات المقدرة لقوى أخرى كثيرة لمن هم أعرف بها مني متى كفوا عن شح النفس بنسبة الثورة إلى مجهول تاريخي. ولم يغفل فعل الشيوعيين القاصد لتحضير أشراط الثورة من شغف بالمفاجآت الذكية التي قد تتولد فيها لحظة الثورة نفسها. ولذا زكي لنا أستاذنا عبد الخالق محجوب في بيانه الأول المار ذكره  "عبقرية الشعب" التي صدرت عنها الثورة. وهذه العبقرية معني في الولاء لعلم الشعب لم يتثبت منه المهرولون بالانقلابات لتجريع الناس غصص السعادة والتقدم ولم يثبتوا عنده.
وتمثلت مساهمة الحزب الشيوعي في التحضير لثورة أكتوبر في الأبواب التالية:-(1) انتقل الحزب من طور فضح عصابة 17 نوفمبر وتأجيج السخط عليها إلى طور تعبئة القوي الشعبية لإسقاط نظامها. فقد أبلي الحزب البلاء الحسن بتضحيات جمة لأعضائه والديمقراطيين من حلفائه في كسر رهبة النظام الباكرة حين عمد نفسه بالتشريعات المستبدة مثل قانون دفاع السودان. وهو القانون الذي استنسخته كل النظم الديكتاتورية اللاحقة. كما عمد نفسه بالدم بشنقه للضباط الذين انقلبوا عليه في 1959.
(2) وكان الفيصل بين الطورين هو اقتراح الحزب الشيوعي علي المعارضة والشعب خطة الإضراب السياسي العام في صيف 1961 ليتركز عندها شغل المعارضة لغاية إسقاط النظام.
(3) وعبر الحزب عن جديته في أخذ مسئوليته في إسقاط النظام مأخذ الجد بخروجه من جبهة أحزاب المعارضة التي لم تقم لها قائمة مذكورة منذ وفاة السيد الصديق المهدي في 1962.فلم يرد الحزب أن يمني الناس الأماني عن جبهة عاطلة.
(4) وقرر الحزب أنه طالما رهن مهمة إسقاط النظام بالقوي الشعبية فعليه حفزها لاستعادة منابرها النقابية. وزكي لها ألا تخشى القوانين الجائرة التي ستحكم نشاطها لأنه لم يعد بوسع النظام المنهوك القرار لوحده في آفاق نشاط القوى الشعبية إذا صممت وعزمت وتوكلت. 
(5) وقرر الحزب في نفس السياق أن يدخل انتخابات المجلس المركزي الذي هو صورة النظام لمسخ الديمقراطية التي كانت مطلب خصومه. وكانت أقوى حجج الحزب على ذلك أن المجالس المحلية والريفية، وإن زجها النظام في مسخه  للبرلمان الوطني العام، هي منابر انتخابية أصيلة للتأثير في السياسات المحلية التي هي أكبر هموم الناس.
(6) وكان الحزب قبل هذا كله قد أقبل علي ترتيب بيته الداخلي يضمد فقد وجراح فترة تعرية النظام بثمنها الباهظ. وكان هذا وقت صدور مساهمة أستاذنا عبد الخالق الرائدة في كتابة تاريخ الحزب ، المعنونة لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ليقف عليه "جيل التضحيات" من التابعين الذين جذبتهم إلي الحزب حربه الهميمة للنظام المستبد ولم تتح له معرفة أبلغ بماضي الحزب أو وجهاته المستقبلية. كما صدر لأستاذنا كتابه نحو إصلاح الخطأ في العمل الجماهيري لتربية الأعضاء في ما أسماه ب"عبقرية الشعب" كما مر ذكره.
وحفت منذ حين بهذه الإجراءات التكتيكية والفكرية شبهات الخصوم وأسئلة المتسائلين وضجر الطالعين من الشباب ممن ورثوا الشبهات والأسئلة ولم يعنهم أحد على فض مغاليقها. فلم يتفضل عليهم الحزب الشيوعي حتى بإعادة طبع كتابه الوثائقي الحسن ثورة شعب  الذي صدر مرة واحدة في 1965 وكفي الله المؤمنين القتال. فلو قرأه الجيل الحدث لما قبل ما يشاع من رحمة النظام النوفمبري وعمرانه وهو الذي قتل النفس، وأشعل فتيل حرب الجنوب التي لم تهدأ بعد، وقتل الأنصار في مولد أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم، وهتك أعراض البنات والأولاد، ونزع الناس عن أوطانهم الصغيرة بليل, وبدأ به هوان الاعتماد علي الغير بقبول المعونة الأمريكية بغير حاجة إلا لزوم البيعة لدولة كبري في دراما الحرب الباردة ، وترك لنا ديناً خارجياً مقداره 300 أو نحوها من الجنيهات الإسترلينية، وحجر علي الصحف حتى  الخوض في شأن الهلال والمريخ. مالكم كيف تحكمون؟  ولو أعاد الحزب أو غيره طبع الكتاب لنفع الناشئة وغير الناشئة فالرجاء أن يلقي بالاً لما كتبه السيد علي محمد بشير عن قريب من أن هذا السفر القيم قد خلا من كل ذكر للمرحوم قاسم أمين . ولو صح زعم علي لكان إهمال ذكر قاسم، الذي لم يكن في أفضل مقاماته في الحزب آنذاك، في الكتاب مأثرة في سوء الزمالة. فلو هون الناس دور الشيوعيين وبخسوه في ثورة أكتوبر فقد سبقهم الشيوعيون إلى الإزراء بواحد من خيار خيارهم. وكما تدينوا تدانوا.  
\\\\\\\\\\\\\\\\\\