كنت أتعزى بكلمة للشاعر أحمد فؤاد نجم كلما أسف المسفون بحق العرب. قال نجم تلك الكلمة لصحفي أمريكي زاره في شقته بالقاهرة. ولما خرجا إلى البلكونة أخذ الصحفي في الحملقة في غزارة لمصريين في الشارع. فقال له نجم:
- الذين تراهم مش مصريين. ديل ناس مضطهدين وبس.
وبثورة 25 يناير شفنا "مصر تحت الشمش" كا قال الأبنودي. خرجت لنا مبرأة من الاضطهاد وفصيحة كما أحببناها ورضعنا من ثدي بلاغتها. قال وائل غنيم في يوم تنحي مبارك "وحشتينا يا مصر. كنا بنقرا عنك. ضحكوا علينا" لم نر منك غير أمن الدولة والتعذيب والإهانة. "دا كان البكلمونا عنك. قالوا دي مصر. حمد لله على سلامتك يا مصر. رجعتيلنا". وحتى الخائن في مصر لا يتصاقع. فشدني إلى خطاب مبارك الثاني طرقه المتعددة لاستخدام الثلاثي "فرق". قال إن مصر تقف في "مفترق الطرق" وأن هناك علامة "فارقة" ما وأن على المصريين اللعب "كفريق" لا "كفرقاء".
سَوَّد التلفزيونات خبر هروب السواح من مصر. ولكن كانت مصر الطالعة من الاضطهاد قد سمرت عيون العالم يتفرج على عجائبها المستحدثة. ولا أعرف من بدا لي تسمر إلى التلفزيون مثل الرئيس أوباما. فخطابه الذي اذاعه بعد تنحي مبارك لا يوحي بانه من تأليف غيره. ففيه لمساته ونبضه كقادم للرئاسة من ضفة الاحتجاج التاريخي لا الحكم. كان شغوفاً بأنه رأى التاريخ يحدث مرأى العين. قال: "في حياة كل منا لحظات قليلة يكون لنا فيها أمتياز أن نشاهد التاريخ يقع أمام ناظرينا" وقد تحدث شعب مصر تاريخاً. وعلق: "هذه واحدة من تلك اللحظة. تلك واحدة من تلك اللحظات". ولا يصرح بتاريخية مصر من حيث المعاني، لا المباني، سوى مثقف أسود. فقال إنها لعبت دوراً مركزياً في التاريخ الإنساني لست ألف سنة. وأضاف" " ولكن عجلة التاريخ دارت في الأيام الماضية  سراعاً حين  خرجت مصر تطالب بحقوقها الشرعية"
أما أقوى حيثيات مشاهدة أوباما المباشرة المتأملة لثورة مصر  فهي الطريقة التي استصحبها عائداً لتاريخ حركة الحقوق التي قادها مارتن لوثر كنق في الستينات والتي قامت على "قوة المنبر" لا "القوة السوداء". ودعا للأخيرة ستوكلي كارمايكل وآخرون. وهذا ما جاء في كتاب كنق "اين نمضي من هنا: الفوضى أو الجماعة". فقد أخذ أوباما بسلمية  ثورة مصر. قال إنه سمع  من المتظاهرين "سلمية سلمية". قالها بالعربي. وأثنى على تعقل الجنود الذين لم يطلقوا النار على من اقسموا على حمايتهم. وايضاً على تطوع الشباب لتفتيش الداخلين ميدان التحرير لضمان خلوهم من السلاح. كذلك تنادي المسيحيون والمسلمون للصلاة بجوار بعضهم البعض. وهي مشاهد قال إنها تلهمنا أن نٌعَرِف أنفسنا لا بما يفرق بيننا بل بالقاسم الإنساني المشترك الأعظم.
وفي روح كنق نسب أوباما نصر مصر إلى شوكة الكرامة الإنسانية التي كذبت الفكرة القائلة بأن الطريق المثلي لتحقيق العدالة عن طريق العنف. وزاد بأن الذي حنى قوس التاريخ جهة العدالة مرة أخرى هو الشوكة الأخلاقية المصرية السلمية لا الإرهاب وقتل النفس بغير حق. وتابع قائلاً إنه وبينما تناهت إلينا أصوات مبهرة من مصر خالصة ولكننا لا نملك إلا أن نسمع فيها صدى التاريخ. وذكر مناضلين سلميين خص منهم جماعات له بها صلة ما. فذكر صدى من نضال طلاب أندونيسيا التي عاش فيها زمناً ثم  كلمة لكنق في احتفاله بمولد دولة غانا قال فيها:"ثمة شيء في الروح يَعوِل للحرية". وقال إن ميدان التحرير- وتحرير مصر سيخاطبان ذلك الشيء في أرواحنا الذي يعول للحرية.
قال أحمد عكاشة، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي قبل ثورة 25 يناير بأيام أن الحكومة جعلت الشعب المصري يعوي فقط وأفقدته القدرة على العض.
كان الشعب في البادي يعول للحرية . . . لا يعوي.  ويعض.
 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.