ذكر هيكل ثورات مصر فاستدعى ثورة 1919 فثورة 23 يوليو ثم ثورة هذه الأيام. وأغفل ثورة 1946 التي قادتها لجنة العمال والطلبة. واستغربت لرجل حديد الذاكرة مثله يهمل ذكر هذه الثورة الجماهيرية التي هي أشبه بثورة الغضب من ثورة-انقلاب 23 يوليو مثلاً. ولما وقعت ملاحم هذه الثورة الفارعة في فبراير قبل 66 عاماً عجبت كيف لم يقع حافر ذاكرة هيكل على الحافر. وسقف القاريء من عرضنا التاريخي الموجز أن ثورة الشباب تكاد تستذكر ثورة 1946.    
قوي ساعد الحركة الطلابية المصرية ضد الاحتلال البريطاني في نصف الأربعين الأولى فدعت في صيف 1945 إلى تكوين لجنة وطنية للنضال للتحرر الوطني في مصر التي كان ترزح تحت ثقل الوجود البريطاتي العسكري نتيجة الحرب العالمية الثانية. وكان من رأيهم أن وقت المفاوضات التي درج عليها حزب الوفد قد انتهى وجاءت المواجهة التي قد تفضي إلى الكفاح المسلح. وتنادى الطلاب إلى اجتماع في 9 فبراير 1946 لهذه الغايات. فأجتمعوا في جامعة فؤاد (القاهرة حالياً). ونادوا بوقف كل تفاوض مع البريطانيين إلا على رحيلهم. وتحركوا في مظاهرة من أكبر ما شهدت مصر منذ بدء الحرب. وسمحت الشرطة للمتظاهرين بعبور كبري عباس ثم فتحته ليتساقط الطلاب في النيل ويتأذى 200 منهم. وعليه صار 9 فبراير هو يوم التضامن مع مصر وللطلبة. وأثار ذلك العنف الطلاب الذين لم تتوقف مظاهراتهم ما بين التاسع والسادس عشر من الشهر وشملت أجزاء كبيرة من البلد بما في ذلك تسيير جنازة صامتة على الشهداء يوم 12 فبراير. وأدى طلاب الأزهر صلاة الغائب على الشهداء. وانتشر التظاهر في أرجاء مصر من الإسكندرية إلى أسيوط.
وتحت وطء ثورة الطلاب استقالت حكومة محمود النقراشي فعين الملك فاروق إسماعيل صدقي رئساً للوزراء. وسمح صدقي للطلاب بالتظاهر وحذرهم من المخربين. بل قالت حكومته إن تلك التظاهرات تسندها في طاولة المفاوضات مع الإنجليز. ففي فبراير 18 احتشد 40 ألف متظاهر في ميدان عابدين وتجمع  ألف في مظاهرة بجامعة فؤاد. واجتمع خلال تلك الحشود ممثلون للطلاب والعمال ليكونوا للجنة الوطنية للعمال والطلاب التي تآخي فيها وفديون وشيوعيون وإخوان ومستقلون. وأصدرت اللجنة بياناً بالدعوة للإضراب العام يوم 21 فبراير 1946. وفي اليوم الموعد سارت المظاهرات السلمية ثم قوبلت بالعنف من قوات الاحتلال الإنجليزية فمات 20 شهيداً وانجرح 150 متظاهراً. فقررت لجنة العمال والطلاب أن تجعل من يوم 25 فبراير يوماًً للحداد على الشهداء متبوعاً بإضراب عام. واشتبكت الشرطة بالطلاب فاستشهد 20 متظاهراً وانجرح 342. وقٌتل جنديان بريطانيان  وجرح 4. وواصلت اللجنة نشاطها في مقاومة التفاوض غير المشروط مع الإنجليز ووضع قضية وادي النيل أمام المجتمع الدولي في الأمم المتحدة. وجعلت اليوم الحادي عشر من يوليو، يوم قذفت بريطانيا الإسكندرية بالحمم في 1882، يوماً لتجدد حرب الاستعمار. وسبقت الحكومة اللجنة في 10 يوليو واعتقلت زهرة الحركة من الطلاب والمثقفين والنقابيين وأغلقت عدة صحف. وكانت تلك نهاية اللجنة الوطنية للطلاب والعمال. وبجانب القمع ضر اللجنة أنها لم تستصحب الفلاحين. ولكنها تبقى كأول محاولة لاستنباط قيادة جديدة تخرج من بين صلب الشعب والترائب خلافاً للصفوات التي توارثت جكم مصر. 
ووجدت إشارة عظيمة الدلالة لثورة 1946 في كتاب أنور عبد الملك (1924-  ) "الوطنية هي الحل" (2007). دعا عبد الملك إلى قيام مصر على قاعدة للوطنية وإيقاظ الوعي لإقامة جبهة وطنية متحدة دون استثناء. ووجد في لجنة الطلاب والعمال لبنة تاريحية باكرة لهذه الجبهة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.