لم أعد اطيق قراءة ما يخطه الأستاذ الحاج وراق. وجدت قلمه منذ جنح نحو الحركة الشعبية قد نزل في إجازة طويلة عن نقدها واغلظ في نقد سواها. فحتى مقاله "القائد لا يتحول إلى ديوث"، الذي قاضاه جهاز الأمن بسببه، هو طلاء علاقات عامة يزين لسحب الحركة للأستاذ ياسر عرمان من سباق الرئاسة. بل ربما احتاج له وراق نفسه بمثابة العزاء عن مصرع حملة إنتخابية "ولدة نجاح" كان هو أحد أركان حربها. زعم وراق في المقال أن عرمان انسحب لأنه  لا يريد أن يكون طرفاً في انتخابات مزورة. فهو قائد وليس ديوثاً. ولا ادري كيف جاز لمثل من هو في خبرة وراق وقوة عارضته وذوقه الترويج  لمثل هذا الزعم ًالباير.
عادني هذا الخاطر وأنا أقرأ لوراق مقتطفاً من كلمة له ب "حريات" في مناسبة إدلاء الجنوبيين باصواتهم في استفتاء تقرير مصيرهم. فوجدته لا يكترث ل "وزنة بلوفة" القلم التي هي سمت الكاتب. وجاء فيه بتاريخ أحادي الجانب للعلاقة بين الشمال والجنوب. وهو التاريخ الفاسد الذي ذاع عن الشماليين (بلا فرز) في دوائر معارضة الإنقاذ.  وهو تاريخ أعدى أهله ب"عقدة الذنب الليبرالية" بإخجالهم من تاريخهم جملة واحدة وحتى النخاع. ومعروف أن هذه  العقدة أوسع الأبواب لعقم السياسة لأن المصاب بها يتعاطي الآخر ، الجنوبي في حالنا، بوصاية وشفقة.
ووجدت إناء وراق ناضحاً بهذه العقدة الليبرالية. قال مخاطباً الجنوبيين حال توجههم إلى صناديق الاقتراع للتصويت ما يلي:  
( اذ تتوجهون اليوم الى صناديق الاقتراع, فاننا نعلم بانكم تصوتون وطائرات الانتنوف التي تقصف المستشفيات والمدارس ودور العبادة تتراءى في مخيلتكم ، وسنوات المنافي والشتات تثقل على افئدتكم ، ومرأى القرى المشتعلة والاشلاء المبعثرة يطفر الدمع في عيونكم ، وملايين الضحايا من الاعزاء والاحباب تطوف اخيلتها بكم , اننا كديمقراطيين شماليين نعلم بكل تلك الفظائع ، ونقر بانها ارتكبت باسم ثقافتنا , ونحن الآن نبرأ منها ونعتذر عنها ، ونتفهم كيف ان التصويت اذ يتم في هذه الظروف الطاردة والبغيضة فانه ليس بين الوحدة والانفصال وحسب ، وانما كذلك بين الكرامة والمهانة).
لولا أنني ووراق شركاء في "ديمقراطي" بإيحاءاتها اليسارية ، لما اكترثت لما كتب لأنني منصرف منذ زمن لوقف ضخ هذا التاريخ الرديء في منبعه عند منصور خالد. ولا أدري كيف ساغ لوراق أن يفترض فينا، نحن معشر الديمقراطيين، الغفلة عن  محنة الجنوب حتى خلا الجو لأشرارنا فارتكبوا الموبقات باسم ثقافتنا. فحقيقة الأمر أننا نازعنا شرارنا في ثقافتنا بنفثنا فيها من روح العصر وفكره فصارت حفية الأكناف بالاخر إرثاً وحاضراً: الجنوبي والمرأة والشباب والمستضعفين قاطبة. لقد سهرنا عليها تتفتق بصبر عن منظمات حديثة جامعة مانعة تأوى إليها الإلفة السودانية الناشئة. فالنقابة لعمال المنشأة جميعاً بغير نظر لقبيلة أو عرق أو نوع أو مذهب. فما بلغت نقابة السكة الحديد بابنوسة وواو حتى دخل فيها مستخدموها من البقارة والجنوبيين بنعمة الله إخوانا. لم نترك للاشرار ثقافتنا العربية الإسلامية يسومون الآخرين العذاب بها. لقد وقفنا دون حياض إنسانيتها نذود عندها "لنا الصدر دون العالمين أو القبر".
وكنا نريد للجنوبيين عند التصويت أن يستصحبوا، بجانب بعض ما بالغ فيه الوراق من ضروب أذاهم، المعاني العربية الإسلامية الغراء التي اسهدتنا لثلثي قرن وما تزال. وقدوتنا كان أستاذنا عبد الخالق محجوب. قيل لنا "أولاد الزبير باشا". فقال في مؤتمر المائدة المستديرة(1965) نحن لا ندفن رؤوسنا في الرمل من تاريخنا ولكن صار لاولاد الزبير حزباً شيوعياً.
ابو الزفت!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.