طلب السيد سلفا كير، النائب الأول لرئيس الجمهورية في قداس بكاتدرائية القديسة تريزا بجوبا، من الجنوبيين إلى مسامحة الشماليين على نهج المسيح لتسببهم في قتل أشقاء وشقيقات من الجنوب في حروبهم الكثيرة على أرضه.   
ولن يمنعني مقام الرجل السامي من أن أطلب منه أن يكف عن توزيع صكوك الغفران من فوق حصانه المسيحي الأخلاقي السامق. ولا أجد غير المضاضة في نفسي لتطاوله الخلقي طالما لم يفرز بين الشماليين وجاء بهم على إطلاقهم. فأنا وجيلي الشمالي من الرعيل اليساري الباكر في الحركة الجماهيرية الديمقراطية لا نرزح تحت أي إحساس بالذنب الموجب للغفران تجاه محنة الجنوب. فقد حاولنا جهدنا الوقوف معها فكراً وممارسة. وأدبياتنا في وجوب احترام التنوع وحسن إدارته ملء الصحائف:
 وقف نائبنا المحترم حسن الطاهر زروق في البرلمان الأول كالسيف وحده يطلب للجنوبيين مواطنة حقة بمساواة أجورهم (والنساء) مع رصفائهم رجال الشمال. والتمس حماية ثقافتهم من الأسلمة والتعريب وترتيب حكم ذاتي لهم. وكان أول كتاب نشره أستاذنا عبد الخالق محجوب تعريباً لكتاب ستالين عن اللغة ومسألة القوميات. وسهر بعده على حق القوميات في أمنها الثقافي حتى ضمنها "حول البرنامج"، آخر ما خطه قبل رحيله في 1971. وجسد هذه المعاني رفيقنا الدكتور مصطفى السيد خلال عمله في مريدي كما صورها في كتابه "مشاوير الحياة". وبلغ من حرصه على ثقافة الجنوب أنه كان يطبع منشوراتنا للزاندي بلغتهم. وستجد انغماسه الجنوبي مذكوراً في كتاب التحقيق عن أحداث الجنوب (1955). فقد وصفه المحققون، لبياض لونه، ب "الطبيب المصري" الذي يخالط الجنوبيين ويسيسهم.   
وكنا ترياقاً مضاداً للشوفينية الشمالية حين استفزها بحق ذبيح 1955 والانفلات الجنوبي عصاري لأحد الدامي في 1965. وقفنا نسأل الشماليين التعقل بعد "تمرد" 1955 الذي قتلت فيه الفرقة الإستوائية الجنوبية الشماليين المدنيين العزل من الرجال والنساء والأطفال . . . وبالعائلة جملة واحدة. وهي المذبحة التي ميزتها سيدي نائب رئيس الجمهورية وجعلتها عيداً للمحاربين الجنوبيين القدامي. واستعجبت لك أكثر مرة كيف يربح محارب قديم من الفتك بالأبرياء. وعَيّنت اليوم سيدي نائب الرئيس في غير ما ضرورة ملجئة. فأيام حرب الشمال والجنوب طويلة وعديدة. ولم تعتبر بالأخاء السوداني فتحيله جاذباً .
لم تقرأ سيدي عن جيلنا اليساري والوطني يدعو أهله للتسامي فوق الشحن البغيض الذي تبرع فيه مثقفون كبار بتذكيرنا بيوم لنا في عهد الزبير باشا. ووقف نفس هذا الشباب يوم الأحد الدامي في 1965 يحمي ظهر الجنوبيين في بري اللاماب وشمبات. سهرنا الليلة بطولها في بري اللاماب مع أستاذنا عبد الخالق محجوب والمرحوم أحمد السيد حمد نأخذ بيد بالجنوبيين حتى نبلغ بهم عتبة السلامة. وكنا في اتحاد الطلبة جامعة الخرطوم نحمل المؤن من مطاعمها لمن لجأوا بدار الرياضة بالخرطوم طلباً للسلامة.  
ومن بين الجيل الوطني واليساري اندلعت ثورتان ضد "نظام جلابة الخرطوم"، كما هي عبارتكم. وكانت المسألة القومية الجنوبية على رأس أجندة الثورة واستعادة الديمقراطية. وستحتاج ايها النائب الأول إلى أن تسأل ما فعلتم بثمار الثورية الشمالية. فقد أرخى الانفصاليون من أمثال أقري جادين بصلفهم فوق مدوالات مؤتمر المائدة المستديرة واستعلوا علواً كبيراً على  التجربة الديمقراطية الني أطلت ودخلوا الغابة. وسيظل جيلنا يذكر للشهيد وليام دينق أنه انغمس في اللعبة الديمقراطية ودفع حياته ثمناً. نذكره رجلاً حراً وعزماً لا يلين. قتلوه سودانياً جسوراً رائداً في طريق الحق في ركب كثير ممن سبقوه ومن تبعوه. وكنت سيدي النائب الأول للرئيس من قادة الحركة الشعبية الذين قاطعوا برلمان 1986 بسبب أوهى من خيوط العنكبوت. ولم تقل انتفاضة 1985 "أحي يا العافية" يوم اعتزلتموها وسحبتم وزنكم المرموق من المعادلة الديمقراطية في البلد. وأرتمت الديمقراطية على قارعة الطريق من فرط الاهمال لم يقل أحدنا "جر" لمن طلبها وانقلب عليها.  
الكلام كثير سيدي. وخلاصته: أنا عبد الله الشيوعي دا لم أطلب منك صفحاً ولن أقبله منك. بل أرنو ليوم تجد في نفسك الشجاعة فتجرد الحساب لتعتذر لشماليين بلا حصر لم يألوا جهداً في الدفاع عن مسألة الجنوب التي ليست بالضرورة مسألة الحركة الشعبية.
وكا قالت أمي يوماً: تمر أيام وتتعدى ونقعد نحسب المدة.
   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.