قلت في المقالة الأولى تحت هذا العنوان إن جمهرة الأنصار كانت من بين قوى الكادحين التي أراد الحزب الشيوعي استنهاضها في حلف مع الطبقة العاملة لبناء سودان حديث. وشمل ذلك تحرير قسم منهم من ربقة العلاقات "شبه الإقطاعية" (مما سنعود إليه) في مشاريع دائرة المهدي وصفوة الأنصار الزراعية، وتحرير الآخرين من ظلم الإدارة الأهلية. فأخذهم الحزب في الطريق النقابي بتكوين اتحادات المزارعين في الريف المتقدم وجبال النوبة. وفتح صفحات جرائده لشكاواهم من جور العلاقات شبه الإقطاعية المار ذكرها. ونذكر عرضاً أنه من باب التظلمات من الإدارة الأهلية، التي خول لها الاستعمار تشغيل أهلهم بالسخرة، نجح الحزب في إلغاء السخرة في جبال لنوبة أولاً وفي سائر بقية القطر. كما تبنت صحف الحزب مطلب الريف الأنصاري بحقه في تقديم مرشحين من وسطهم للانتخابات البرلمانية بدلاً من استيراد النواب لهم من المركز. وفصّلت في هذه الشفقة الثورية للشيوعيين على الأنصار والريف عامة في كتابي ". . . ومنصور خالد".
تركنا المقال الأول من يومين عند عناية أخرى للشيوعيين بالأنصار وهي توقيرهم تاريخ المهدية الأولى. بل كانوا من لهم الفضل في ترقية هذا التاريخ فوق لجاج "أنصار وختمية" الذي طبع تاريخ المهدية خلال نهوض الحركة الوطنية في الأربعينات. وكانوا هم من أدرجوا المهدية في التاريخ الوطني العام كحركة مناوئة للاحتلال الأجنبي شديدة العزة بوطنها.
وقفنا في مقالنا الأخير عند رواية الدكتور مصطفى السيد، من طليعة الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو 1954) نواة الحزب الشيوعي ومؤلف "مشاوير في دروب الحياة (2007)، عند الحيوية التي بثها طلاب حستو في المدراس العليا. فأدت إلى انتخاب لجنة تنفيذية للاتحاد غلبت فيها حستو وترأسها مصطفى نفسه. وكان من بين برنامج يوم الآباء فيها محاضرة عن المهدية أثارت فضول الناس حتى طلبوا استعادتها في الأيام التالية. وكان ما شنف آذان الناس سماعهم لأول مرة أن حركة المهدي حركة تقدمية حارب فيها السودانيون استعماراُ لتحرير بلادهم. وتوجوا نضالهم بالنصر. ولم يكن مثل ذلك القول يتفق مع ما تواضع الناس من غير الأنصار عليه من فوضى عصر المهدية التي تمثلت في القول الشائع: "إنت قايل الزمن مهدية". وهي العبارة التي اكتسبت رشاقة ثورية عند ود المكي في حب الوطن:


فليسألوا عنكِ أفواف النخيل رأت رملاً كرملك مغسولاً ومسقياً
وليسألوا عنك أحضان الخليج متى ببعض حسنك أغرى الحلم حوريه
وليسألوا عنك أفواج الغزاة رأت نطحاً كنطحك والأيام مهديه

قال مصطفى إن محاضرة الطالب (وربما كان هو مصطفى نفسه) قلبت مفاهيم الناس "حتى أن كثيرين منهم أخذوا نسخاً من تلك المحاضرة ليحتفظوا بها". بينما ذهب "الطلبة الأكثر حماساُ إلى المكتبات لمراجعة ما كُتب عن ثورة المهدي ودبجوا المقالات لتصحيح تلك المفاهيم الخاطئة". وكان المحاضر قد قرأ أول ما قرأ عن المهدية بالمنظور الجديد في منشور سري لحركة مصرية تحدثت عن الكفاح المشترك بين الشعبين المصري والسوداني وعقدت في حلال ذلك الكفاح ثورتي المهدي وعرابي في مصر.
ووالى الحزب الشيوعي هذه الحفاوة بالمهدية كحركة وطنية مناهضة للاستعمار. فنشرت مجلتهم "الفجر الجديد" (العدد الخامس، يناير 1958)، التي كان رئيس تحريرها أستاذنا عبد الخالق محجوب، مقالة بعنوان "الخليفة عبد الله بمناسبة مرور ثمان وخمسون عاماً على استشهاده" تحت عنوان "شخصيات مناضلة". و"اتهم" أن لمقال من وضعه.
بدأ المقال بربط المهدية ببطولات تاريخية شملت كاشتا وبعانخي وترهاقا. وقال إن المهدية جاءت بأبطال في طليعتهم المهدي والخليفة وعثمان دقنة والأمير يعقوب وود النجومي ومحمود ود أحمد. وهم "من خيرة الممثلين لأماني أمتنا وأملها في الحياة الحرة الكريمة". وذكر المقال للخليفة محاولاته تقريب الشقة مع الأشراف بعد الخلاف المعروف. فلم يخرجه من طوره خطاب الأشراف لمحمد خالد زقل في دارفور أن يحتفظ بجيشه ولا يسلمه للخليفة. واكتفى بعزل دقل. وسمح للأشراف بعد وفاة المهدي بالسفر إلى الجزيرة حيث أساءوا لعمال الخليفة. ولما كثرت الشكوى منهم حول الخليفة الشكاوى للخليفة شريف. ولكن واصل الأشراف مساعيهم لإزاحة الخليفة. فاحتلوا يوماً قبة المهدي والدور التي جاورتها. وفشل الانقلاب. وقبل الخليفة توسط علي ود حلو وعفا عنهم. ثم عاد بأمر مجلس القضاة ينفيهم إلى بحر الغزال وأعدم نفراً منهم وحبس الخليفة شريف. وضعّف المقال ما يقال من أن الخليفة أطلق أهله في حق الناس. وقال إنه كان ينصحهم ويذكرهم بقول المهدي: "إن من أخذ غَبرة من الغنائم تقع يوم القيامة في قعر بحر من نار ويؤمر بأن يخوض في البحر ليخرجها".
وميز المقال القيادة العسكرية والشخصية للخليفة. وكان قرر الخليفة أن تكون مواجهة العدو في أم درمان نزولاً عند رأي قادته الذين لم يستصوبوا لقائه في المتمة. وهو الذي أمر ببناء الطوابي لحماية المدينة من الغزو. وكان بين الأنصار يشجعهم. وقاتل في كرري. وبعد الهزيمة لم يستسلم ونوه المقال بشجاعته وقادته في استقبال الموت في أم دبيكرات. وختم المقال ب:
"وهكذا انتهت حياة الخليفة عبد الله الذي ظل رأساً لدولة السودان الوطنية أربعة عشر عاماً. ومهما اختلف الناس حول صحة إجراءاته فإنهم لن يختلفوا أبداً في أنه كان أحسن رجل عمل بإخلاص، حسب رأيه، لنصرة المهدية في الداخل والخارج".
يطفف من وصم الشيوعيين ببغض الإسلام لصدامهم مع قيادة الأنصار في أبا في 1970. وويل للمطففين. فلا أعرف حركة سياسية أفرغت نفسها لإعلاء المهدية الأولى مثل الشيوعيين. فتجد مثل أحمد على بقادي، محرر جريدة الميدان في الخمسيناتـ، يعود من زيارة لمتحف الخليفة ليصف استراتيجية العرض فيه كقتل ثان للرجل. وكانت باكورة أبحاثي عن "الصراع بين المهدي والعلماء". و"قرح" المرحوم القدال في سيرة المهدي وسياسات دولته الاقتصادية. ناهيك مما كتب محمد سليمان وصلاح محي الدين وغيرهم. فما اختصم الشيوعيون مع قيادة لأنصار إلا لتكبيلهم أولئك الأنصار سلالة "أشجع من مشى على الأرض"، في قول كتشنر، بعلاقات إنتاج وإدارة مذلة قد نختم بها هذا الحديث الذي طال عن أبا 1970.

عبد الخالق محجوب عن خليفة المهدي (1958)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.