وقع صدام الشيوعين، ضمن تكتل سياسي حول انقلاب 25 مايو 1969، وقيادة الأنصار في أبا في 1970 في سياق خصومة للحداثة والتقليد بدأت بثورة 1924. وهي الخصومة التي وصفناها بخصومة أهل الإرث مثل زعماء الطوائف والعشائر وأهل الكسب من الأفندية الذي خرجوا من معطف الاستعمار. وبقي على هذه الخصومة جماعتان هما الشيوعيون والحزب الجمهوري حين حدثت المصالحة الكبرى بين المؤسسة التقليدية وطلائع الخريجين من اتحاديين وقوميين واستقلاليين من فوق منبر مؤتمر الخريجين (1939). فنهضت الجماعتان الوراثتان للخصومة، كل بطريقتها، بمهمة التغيير الاجتماعي والثقافي الحداثي الجذري الذي تنصل منه طلائع المتعلمين كما سنرى.

حرصت في مقالاتي عن الشيوعيين وأبا (1970) هذه أن أميز بين جمهرة الأنصار وصفوتهم وعلى رأسها بيت المهدي وتحالفاته السياسية المختلفة. ولا أفعل هذا كيداً بل لأن هذا التمييز كان جوهر خصومة الشيوعيين مع تلك الصفوة. وأجرؤ على القول إن الحزب الشيوعي كان أشفق بجمهرة الأنصار من قيادتهم. وكانت شفقتهم بهم على وجهين. أما الوجه الأول فكانت حفاوة الحزب بتاريخهم وسابقتهم في الجهاد لتحرير الوطن من الأتراك. وكان الوجه الثاني هو استنهاضهم للصراع ضد ما اسميناه "علاقات الإنتاج شبه الإقطاعية" في أبعاديات دائرة المهدي وطائفة من صفوة الأنصار والرأسماليين. ففتحنا صفحات جرائدنا لتظلمات غمار الأنصار ضد تلك العلاقات الجاحدة وضروب الظلم التي يتعرضون لها تحت زعماء العشائر. وجئناهم بأداة اتحاد المزارعين لنؤمن لهم العمل جماعي للمساومة حول حقوقهم والنضال لتحقيقها.
سأعرض في هذا المقال لتوقير الشيوعيين لتاريخ المهدية مما يستغرب من جماعة غلب فيها شماليون تربوا على "التاريخ الخماري" للمهدية. وأعني به ما نشأت عليه الأجيال منا تكريهاً في الدولة المهدية التي تقول حبوباتنا إنها بلغت من العدوان على موجودهم أن لحسوا العجين في الخمارة. فنشأت أنا مثلاً على دعاء ذائع لولي فينا يقول: "ود حجر القلب العيش حجر". وكرامته أنه حول العيش في المطامير إلى حجر لمنع الأنصار من الاستيلاء عليه. وأذكر أن استدعاني (لا دعاني) قريبي المرحوم حسن الكد بواسطة ابن أخيه طه حسين الشاعر على الغداء ذات يوم ليقرعني على تأليفي "الصراع بين المهدي والعلماء" (1968) المنصف للمهدي.
قال لي التجاني الطيب، ونحن في "غملة" العمل السري للحزب الشيوعي، إن جيله من الشيوعيين في الأربعينات والخمسينات هو من جعل المهدية صفحة شرعية من تاريخنا الوطني. فكانت قبلهم كما قال عظمة نزاع بين الأنصار والختمية في فترة صراع للسيدين معروفة. وكان تاريخ المهدية في هذه الخصومة اللدودة مجرد استعادة لتاريخها يوم قيامها. فالختمية منكرون مهدية المهدي بينما يلح الأنصار على أن "البلد بلدهم ونحن أسيادها". وجاء الشيوعيون بخطة أخرى فلفصت تاريخ المهدية من براثن هذه الخصومة العجوز الضريرة ليدشنوها حركة وطنية ضد الاستعمار. وصوروا النضال القائم آنذاك ضد الاستعمار البريطاني امتداداً لها. ووصفنا دولتها على علاتها بأنها حجر الزاوية في دولتنا المستقلة القادمة.
وما عتم أن وضعت أصبعي على الحادثة التي أسست لهذا الفهم للمهدية فخرجت بها من الخصومة الطائفية المعادة إلى رحاب التاريخ الوطني. ووجدت الإشارة إلى تلك الحادثة في كتاب الدكتور مصطفى السيد "مشاوير في دروب الحياة" (2007). وعرفت صغيراً الرجل شاباً بحلة المحطة بعطبرة يختلف إلى كلية الطب بالمدارس العليا ويزور أهله في العطلات. وله كارزيما أحس بأثرها وأسرها على ابن عمي الذي سبقني إلى عضوية الحزب. وكان مصطفي ممن التحق باكراً بالحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) في 1946. وإليه يعزى تكوين أول خلية شيوعية في المدينة جاء بحكايتها في كتابه. وترأس اتحاد المدراس العليا. وفصلوه. وأكمل دراسته في مصر. وعاد طبيباً للعيون. وعمل في مريدي في منتصف الخمسينات. وله أدوار في الزمالة الشمالية الجنوبية رواها في كتابه "ومسرحتها في كتابي ". . . ومنصور خالد". وذكر تقرير القاضي قطران، الذي حقق في حوادث الجنوب في أغسطس 1955، أداوره اليسارية في المدينة ووصفة ب"الطبيب المصري". وهو سوداني مولد متزوج من مصرية. ولما سمعت به ثانية عرفت أنه كان من بين من انضم لجناح معاوية إبراهيم وأحمد سليمان في نزاع 1969-1970 حتى وقوع الانقسام في الحزب في أغسطس 1970.
ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.