قال رجل ثاقب النظر إن لجان المقاومة تجل عظيم للأريحية السودانية. وأصلها في "ود الحلة" الساهر على عوجها، قاضي الغرض، مأمون الرفقة. وظللت متأخراً اتلقى خبر وفاة نفر من "أولاد الحلة" بحي الداخلة بعطبرة ممن تفيأنا ظلال يدهم السخية. جاءنا خبر من هم بمثابة إخوان كبار هم وداعة الله عوض، وعلى عطا طمبل، وعبد الفتاح جاد السيد. ولحق بهم سريعاً من جيلي أحمد ود اب حجل (خواجة) قبل يومين.
متى ما عدت بالذاكرة إلى انتسابي للحزب الشيوعي في نهاية الخمسينات لم أجد سبباً يضارع أنه كان حزب ولاد الحلة. فكان جمعهم عنواناً لحداثتها. استرقنا السمع إلى أجهزة تسجيلهم، وتأملنا أناقة ملبسهم، وغشينا الأندية التي كانوا نوارتها، وسمعنا بالأمم المتحدة من لوحة معلقة بها لخارطة هيكلها القيادي، وأحسنت أنا بالذات رياضة الحصان في دارتهم، أطلعونا على العالم في مهرجانات لشباب الحي حيوا بها مهرجانات عالمية انعقدت في بلاد الاشتراكية، واختلسنا النظر لصحفهم ومجلاتهم. و"الصراحة" بوجه أخص، ووقفنا على ولائهم للطبقة العاملة: سلام وقاسم والشفيع.
وكانوا "يتبون" في كل أمر قداميين جسراً يربط بين "عصبيات" الحلة ويسلس قيادها في الخير : محمد عثمان خلف الله كرن، محمد علي إبراهيم، محمد علي الصافي، طه حسن طه، الملك محمد عبد الرحمن، هاشم سوركتي، أحمد البدوي السافلاوي، الرشيد سر الختم، وعبد الله محي الدين.

كان لفقد وادعة الله عوض، ابن عمي، وقع الصاعقة. فهو كان مضيفي في عطبرة بعد أن غادرنا المدينة. أذكر أن دعتني المدينة مرة لمحاضرة وأعدت لي نزلاً فيها. فقلت لهم لا أبيت في المدينة في غير دار وداعة وبنت عمتي نعمة الله.
كان معروفاً ب"ود الكوة". لا أعرف منشأ الاسم ولم أسأله. كان معروفاً ب"الرجمنت". وهي من الإنجليزية regiment. وهي كتيبة الجيش. ولابد أن أهلنا في الداخلة استقوها من الكتائب الهندية التي جاءت خلال الحرب العالمية الثانية وعسكرت في حي العمال غربي مستشفى عطبرة وشمال شرقي حي الداخلة. وبقي بعد رحيلها صفان انيقان من أشجار النيم يبدو أنها كانت مدخل المعسكر. وكنت تراها حتى ستينات القرن الماضي.
وسبب تسميته الرجمنت راجع إلى فدايئته في فريق الوادي المعروف بنادي الشايقية خلاف الوطن المعلوم أنه فريق ناس الداخلة الأصل. ثم غزا الأصليين "ناس السكة-السكاكة" من الشايقية وغير الشايقية من هجروا القرى إلى الورش . . . يا السكة الحديد. ومع ذلك فود الكوة من أهل الداخلة من جهة الأم بزواج عمي من زهرة بت البقيع. وجذب حوش البقيع الرحب أكثر من شايقي بالزواج من نسائه البارعات. واذكر صغيراً وفاة زهرة كأول موت خلد بذاكرتي. وقضينا أياماً في الفراش توطدت خلالها علاقتي بالنوراني شقيق ود الكوة الأصغر إلى يومنا. ولو يذكر كيف أخفينا في تلك الأيام جنيهن سقطا من اليماني بائع الرغيف. ولم نترك بعدها طعاماً ولا لهواً لم نستنفده ولم ينفد الجنيهان مثل كعكة المسيح.
وكان ود الكوة معروفاً بالعنف القانوني وغير القانوني في لعب كرة القدم. ويروى أنه كان متى تهيأ لمباراة بدار الرياضة جاء للنادي لينضم للفريق في رحلتهم لدار الرياضة. ثم يقف فجأة ويغادر النادي إلى داره ليحضن صغاره طويلاً حضن مودع قبل أن يتأبط شراً لمنازلة الفريق المنافس.
كان رباي يتامى. فقدت بناته الأزواج بالموت وغيره فحمل عنهن تربية البنات والأولاد بخاطر باسل لا يحوجهن إلى شيء. كان عاملاً في ورشة الكهرباء بالسكة حديد. وكان يسترزق من خدمات في مهنته يؤديها هنا وهناك. من ذلك اشترى ميكرفونات للإيجار. ويروى الجيل طرفة رفض الفنان محمد وردي الغناء بميكرفون ود الكوة حتى جاءوه بآخر يليق به. وما ترك السكة حديد حتى فرش فحماً وقشاً وحطباً في سوق الداخلة. وكان يقول لي: "يا عبد الله الناس بتهاجر السعودية ووين وين. نحن سعوديتنا هني دا والحمد لله".
وكان مشاغباً كبيراً فيه الكثير من عمي عوض الذي زعم أنه جيفارا حين عرف عنه حبه للحق كما كتبت يوماً. لا تجده يستقر إلى موضع في النادي. فتراه يتنقل من دائرة إلى أخرى. ويظل واقفاً لا يجلس. يعلق ما شاء ويستفز من يريد. وكم نالنا لسانه في حلقة الندوة التي تحفل بالشيوعيين. وكان يطاعننا من موقع الختمية أو الحكومة أو ساكت كده. وأذكر يوم قال لي يا ناس الخرطوم حسن خليفة العطبراوي دى شبع تكريم. إنتو ما عندكم شغلة غير تكريم حسن خليفة.
رحم الله حبيبنا الرجمنت. كان حفياً بالحياة جلداً عليها. ابتلته بفقد الولد والبنت. فصبر وصابر لم ينفرط له جأش يقول ما شاء وقت ما شاء على كيفو. طلب الزرق الحلال في "سعوديته" يرمي الغاشي والماشي لزريبته بالشرر المليح.
صبر الله نعمة الله بت عمتي سلامة وبناته وأحفاده. والحمد لله.
وأذكر ابن عمي الآخر فتاح جاد سيد بكلمة عن محب له في معنى مؤسسة ود الحلة التي خرجت لجان المقاومة من حاضنتها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.