(في مناسبة مرور 51 عاماً على انقلاب مايو 1969)

(قامت صناعة لنميري عاقبة لسقوطه المدوي في أبريل 1985 من محض أغراض لآخرين لم يتلطف أحد بإشراكه فيها. فمعارضة الإنقاذ من فرط تبرج النظام في الفساد تبرج الجاهلية الأولى جعلت نميري قديساً خرج من الدنيا من بيت متواضع وهو الحري أن تكون له العمائر والقصور. وهذا محض سقم لا سياسة. وأجد الثورة المضادة الآن توظف هذه الزلة التاريخية لمعارضي للإنقاذ. فقرأت لمن قال إن تفكيكهم للإنقاذ شعواء سياسية لا حقائق على الأرض تسندها. ويضربون مثلاً بأن معارضة نميري التي اتهمته طويلاً بالفساد فخرج عليها زاهدا، ناصح الجيب، درويشاً ذا عبل. وقال قائل الثورة المضادة القائمة إن قحت ستكتشف بعد قليل أن فساد الإنقاذ كان محض غبن معارضة كما حدث مع نميري. وإلى كلمة قديمة عن فساد نميري الذي فر من مواجهته أمام المحاكم التي انعقدت للغرض)
كتب جمال عنقرة كلمة استعرض فيها كتاب محمد الشيخ عن الرئيس نميري كذب فيها كذباً أشر. فقال مزوراً للتاريخ: "ومعلوم أنه بعد سقوط مايو سعت الأحزاب السودانية بقيادة قبائل اليسار لإثبات مفاسد يدينون بها نميري ورجاله، وكانت قد جرت محاكمات لكثيرين من رموز وقيادات مايو، فلم تثبت تهمة الفساد المالي على أحد منهم، ولم يجدوا من بينهم من اعتدى على أموال الدولة".
وتلك محاكمات شهدها قوم كثيرون أحياء. ووقائعها مثبتة في ديوان القضاء وكثير منها مبثوث على الإنترنت ومنها أم القضايا (م ع-ط ج-أ د—1985-1985-أ م) أمام المحكمة العليا المعروفة بحكومة السودان ضد بهاء الدين محمد إدريس. وأيدت المحكمة العليا محكمة الموضوع في أكثر ما ذهبت إليه بل وجهت بتشديد العقوبة.
ومن قسمات حكم المحكمة البارزة رفضها بصرامة عدلية الأخذ بحجة أن المتهم بهاء إدريس مرؤوس كان ينفذ تعليمات من الرئيس. وهي ما يتذرع به مخالب الفساد حين تقع الواقعة ينكرون المسؤولية حطب ويعلقونها على رئيس غالباً ما كان هارباً من العدالة وغائباً في الزرائب. قالت المحكمة لا فض فوهها:
يطعن الدفاع في قرار المحكمة بإدانة المتهم تحت المادة 96 (ب) بشأن احتكار تسويق القطن والسعي للسيطرة على مؤسسة التنمية. ويقول الدفاع إن حكم المحكمة تجاهل الوضع الدستوري الذي كان قائماً في البلاد والذي كان يحكم علاقة المتهم برئيسه المباشر. ولا نرى أن محكمة أول درجة تجاهلت ذلك، وانما أعطته حيزاً من حكمها عندما تناولت المادة 44 من قانون العقوبات وهي التي تعفي الشخص من المسئولية إذا اعتقد بحسن نية أنه ملزم بأداء فعل معين. ولقد أوضحت المحكمة أن حسن النية يقتضي توخي العناية والحذر اللازمين أنظر المادة 37 من قانون العقوبات. هذا إذا فُرض أن المتهم كان يعمل كمأمور ينفذ تعليمات رئيسه. ولكن الثابت أن المتهم لم يكن ذلك الشخص المأمور المطيع الذي اقتصر دوره علي تحويل الرسائل من وإلى رئيسه المباشر، وإنما كان هو الشخص المؤثر في اتخاذ القرار.
ونكتفي هنا بقرار المحكمة العليا دون الحيثيات ليظهر افتراء جمال عنقرة على التاريخ ودفاعة عن الباطل ورميه شعبه بالأفن لثورته على إمام صحابيّ. تؤيد المحكمة العليا إدانة المتهم في:
1-السماح لعدنان خاشوقجي بالتدخل في أمور سياسية من شأنها أن تؤدي إلى المساس باستقلال البلاد تحت المادة 96(ب) من قانون العقوبات لسنة 1983م.
2-صفقة شراء الطائرات تحت المادة 93/16 من قانون أمن الدولة لسنة 1973.
3-قرض المائتي مليون دولار تحت المادة 16 من قانون أمن الدولة لسنة 1973م.
4-السماح لشركة دايو باستعمال معدات فندق قصر الصداقة تحت المادة 351 (أ) على أن تكون تحت قانون العقوبات لسنة 1974م.
5-تزوير اتفاق الشقق السكنية تحت المادة 406 من قانون العقوبات لسنة 1974م.
(ب) نلغي ادانة المتهم في التهم المتعلقة برفع الحظر من شركة كوكاكولا تحت المادة 407 و154 من قانون العقوبات والمادة 7 من قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958م.
(ج) نؤيد براءة المتهم في بقية التهم.
(د) نرفض التوصية بالمعاملة الخاصة.
(هـ) نعيد الأوراق لمحكمة أول درجة لاعادة تقدير العقوبة وفق ما ورد في الحكم.
مثل جمال عنقرة كثير. ففي كلمته برأ نميري من الفساد. ويمكن للرجل أن يكون برئياً حقاً متى وقف أمام المحاكم. ولكن فساده، إن وجد، لا يغطي عليه فساد الإنقاذ الذي نوه به جمال. وأشك في أن جمال ومن تبعه مشغولون بحرب الفساد لا الأمس ولا اليوم ولا الغد. فهو كلام على عواهنه. فمن يزور لتغطية فساد مشهود مثل فساد نميري وعصبته حتى ثار الناس عليه وعليهم قل أن يكون معنياً بأي شيء. فتتعاوره النظم ويتخبط فيها: "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث".
وسنعود إلى فساد نميري والخاشقجي بلاشتراك.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.