حين نشر الأستاذ عبد العزيز بركة ساكن منتقداً صورة لصلاة العيد في زمن الجائحة كان أكثر الاعتراضات عليه وجاهة أنه لم يشمل في نقده تجمعات أخرى مثل الزحام في السوق. والرد على هذا الاعتراض يسير. فليس للسوق قيادة مثل التي للصلاة. وقد سبق أن قررت قيادات إسلامية أخرى تعطيل صلاة العيد هذا العام. والقيادة إصلاح واجتماع على الخير ورأفة ناظرة لموارد الدين نفسه. فسبق لمفتي السودان أن سوغ للجنود السودانيين فطور رمضان خلال الحرب العالمية الثانية تخفيفاً للمشقة. ووسع الدين نفسه عن صلاة العيد بالذات مذاهب جعلتها واجبة، وفرض كفاية، وسنة مؤكدة في مذهبنا المالكي وبعض الحنفية التي هي عقيدة الدولة فينا. فالرخص واجدة.
الإمام الذي يؤم الناس في مثل هذه الصلاة في الجائحة استدبر تبعة القيادة. ومن وهن القيادة ما شهدته من إمام بجهة الثورة بأم درمان. فلم يحرص حتى على تبويب صفوف المصلين مراعاة للتباعد الاجتماعي. وكان في الميدان الذي انعقدت فيه الصلاة سعة. فضيق بذلك كل واسع من كابينة القيادة. وبدا لي من خطبته أنه بيت النية على الصلاة ليفرج عن لوثة معارضة طاعناً في الحكومة الانتقالية.
وللقيادة سمت. وصليت العيد في بيتي وراء إمام افتراضي. وقال عن صلاة العيد في الدور إنها "فرح البيوت". والقيادة لغة. فقال إن البيوت تتهلل بصلاة العيد فيها وهي التي كانت مناط الصيام والقيام. فأنظر لإمام يزين للناس لا صلاهم فحسب بل وبيوتهم بينما تعدي إمامة زول الثورة الناس، وتعرضهم لجراثيم تقدح الحزن في البيوت، وعاقبتها صلاة لا سجود فيها فحسب بل قل شهودها.
وطالما كان الحديث عن أم درمان خطر لي قول دكتور سليم عطية والد إدورد عطية اللبناني الأكسفوردي الذي خدم في قلم المخابرات الإنجليزي في السودان بعد فترة تدريس قصيرة بكلية غردون. وهي الفترة التي تعرف فيها على معاوية نور (1909-1941) وكتب عن أيامه الفاجعة الأخيرة فصلاً قيماً في كتابه "عربي يروي حكايته". وكان سليم عطية طبيباً في أم درمان. ولخص خبرته مع أهل أم درمان بقوله: "يا ناس أم درمان لما يكون بوسع الطبيب علاج مريضكم تتركونه على الله ولما يستنزفه المرض ويشرف على الموت تأتون به للمستشفى".
ويا أهل تلك الحارة في أم درمان: نسأل الله لكم بعد اجتماعكم هذا الحفظ من الله وألا تروا مكروها. ولكن تذكروا حكمة دكتور عطية. فمتى أصابت الكورونا أحدكم، الله لا قدر، فقد تأخرتم، بصلاتكم التي لم تراعوا فيها حتى التباعد الاجتماعي، طويلاً في بلوغ دكتور عطية.
ورجاء أخير: حافظوا على أعصابكم متى سمعتم منه النبأ الحزين. لا تضربوه ضرب غرائب الإبل. أرجوكم. إيمانكم قبل اعصابكم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.