(مر بمارس هذا 15 عاماً على وفاة الأستاذ أحمد عبد لحليم. وكتبت في نعيه كلمة أعيدها هنا سترى فيها أن السياسة لم تفسد ودنا لمّا تواضعنا على أننا بعض كسبنا والتفريط فينا وهن لا نستحقه)


رأيت اتفاق نعاة المرحوم أحمد عبد الحليم على أنه لا يتأخر عن محتاج. ولا يحول دونه ودون قائل "يا ابو مروءة" حائل من سياسة أو حزبية أو طائفية أو مذهبية أو جهوية. وكثيراً ما كنت أنا نفسي على الطرف المنتفع في علاقتي الطويلة مع المرحوم منذ مطلع الستينات. وقادني هذا الاتفاق على هذا الخلق الجميل عند أحمد للقول بأن أحمد ممن هداهم الله الي الإلحاد بالسياسة كما مارسناها منذ الاستقلال. فقد هرجت هذه السياسية فوق رؤوسنا طويلاً وضاقت واستحكمت حلقاتها . . . ثم ضاقت حتى لم يعد السياسي يري أبعد من أرنبة جماعته الصغيرة. وقد استفدت في قولي بإلحاد أحمد عن السياسة بكلمة سمعتها من الدكتور ألان دورزوتش من اساتذة القانون المقدمين بجامعة هارفارد. وكان في هيئة الدفاع عن جي جي سيمسون، الأمريكي الأفريقي نجم كرة القدم الأمريكية السابق، الذي برأته المحكمة من تهمة قتل زوجته في آخر التسعينات. قال دوزويتش إنه قرأ لحاخام يهودي متبع قال إن ربهم قد شرع حتى أن تكفر به في حالات استثنائية مثل ان تري إنساناً يتضور في براثن الحاجة من جوع وفاقة ومرض. قال الحاخام إن الرب يتوقع من العبد متي رأي الحاجة الرعناء ألا ينتظر، وأن يزيل الحاجة ما وسعه، وأن لا يكل غوث المحتاج إلى بشر أو حتي رب.
وبدا لي أنني أستطيع تحديد تاريخ كفر أحمد بالسياسة الدارجة عندنا وانقطاعها عن الخير. كنت اركب معه عربته الفلكسواجن بلونها الضارب الي الدكنة يوما بُعيد ثورة أكتوبر بشارع النيل عائدين للخرطوم من مناسبة بأم درمان. ولطالما حملتنا هذه العربة في مشاوير نغشى بها اجتماعات في السر والعلن في أوائل الستينات بعد عودته من البعثة. وكان أحمد متضايقاً منذ ركب عربته من شيء سمعه او بلغه في تلك المناسبة. ثم وجدته يقول لي من غير تصريح إنه قرر من تاريخه ان تكون خدمته خالصة للوطن وللعباد بغير وسيط من حزب أو جماعة. وقبلت كلمته على عواهنه لم أراجعه فيها. وكنا قد تركنا مجلس الوزراء القديم من خلفنا نخب نحو جامعة الخرطوم.
بالطبع لم يهجر أحمد الانتماء الي الأحزاب. فقد كان قيادياً بالاتحاد الاشتراكي. ولولا غربته الدبلوماسية في بلاد بره لربما كان اشتغل بالمؤتمر الوطني الحاكم. ولكنه ربما اقتنع في قرارة نفسه أن هذا انتماء لا مهرب للمرء منه. فهي أحزاب تطابقت عضويتها مع الاستخدام في الدولة. فكل عامل بالدولة عضو فيها أراد او لم يرد. وهذا ديدن الاتحاد الاشتراكي بالذات. وربما قبل أحمد بها لأنه لم تعد أحزاباً بل مصالح حكومية كالأشغال والمخازن والمهمات. وبلغ تهافت الاتحاد الاشتراكي حداً كنت أنا نفسي عضواً به طلباً للتقية وأنا ضمن منظومة الكادر الموارب للحزب الشيوعي. وربما أراد أحمد استثمار عضوية هذا الحزب "الطلقيته" ليؤدي ما اتفق له من خدمة الوطن والعباد.
كان أحمد أنساناً غزير الموارد الإنسانية. كان بريئا ضحوكاً شغوفاً شفوقاً رحيماً. وقد تخفي علينا منابع الفطرة التي طبعته بان لا يري في الدنيا شراً. ولكن علينا بالظاهر. فقد تخضبت يداه بعبير الخدمة، وتربي في علم استماع الشكوى لأنه جاء من بيت عمد. فأمه هي بنت وقيع الله عمدة جلاس بالشمالية على حدود دار البديرية الجنوبية والحاكمة لقري الأركي وجلاس والبار والقلعة والبرصة وما بينهما. وللناس مواصفات دقيقة لما يكون عليه العمدة من سبق في الخدمة، ورياضة النفس لتلقي الحجج. فأنت تسمعهم يقولون في طليعتهم: "البشيل فوق الدبر ما بميل" أو "والله تاكل وتقش أيدك في طرفو". أو ما تجده في الطبقات من لازمة قيام الولي "بحوائج الناس".
وما لقيت المرحوم حتى خطر لي أصله في العمودية. فأنا من تابعية عمودية جلاس على أنني اشتهرت بأني من الرباطاب لكثرة إشاراتي لهم بحكم أبحاثي عن ثقافتهم. وهم قوم يشرف بهم المرء. وليس لشقتابي (وهم أولاد وبنات علي أبراهيم الكبير المعروف بشقتت) مثلي أن يلقي اياً من آل وقيع الله العمدة ولا يستعيد ذكري نزاعنا مع العمدة الطاهر، خال أحمد، حول ملكيتنا لطين بالجزيرة أم درق. وهي جزيرة خلدها المغني.
طاريك يا أم درق.
وقد نسي الشاعر ذكر الشقتاب في نص باكر للأغنية حتى ذهب تكاسة الشقتاب وعاتبوه بالمنفلات. واستصدروا منه بعد العتاب بيتاً قال فيه:
والشقتاب الكانت منابر
ورضينا. وكان الطاهر لا يري لنا حقاً في الطين وقد نازعناه بجَلد شقتابي مبين. وقد نشأنا ولا حديث لأهلنا في دواوينهم وبيوت مآتمهم وأفراحهم سوي قضيتنا مع العمدة. وقد تورنا محامياً. ومصطلح "تور" بليغ وعجيب. فكأن العدالة كانت نائمة حتى نهض المحامي. أو كأن المحامي نفسه فتنة ايقظناها. وربما كان محامينا الأول هو المرحوم إبراهيم المفتي ثم انشغل بالسياسة والوزارة وأحالنا الي آخر. وهذا مثل في تطاول القضية وقوة عارضتنا. وأصداء هذا القتال عن عيداننا في جزيرة ام درق مبثوثة في مسرحيتي "السكة الحديد قربت المسافات وكثيرا."
وكنت أيضاً إذا لقيت المرحوم نظرت الي رأسه ملياً للتأكد من كلمة قالها المرحوم خالي عبد الماجد. فقد عمل زميلاً لوالد المرحوم في الجنائن بمدني. وتحابا. وحضر خالي ولادة أحمد. وقال إنها كانت متعسرة والسبب رأس أحمد الغليد دا: "إنت ماك شايفو لما يجي في التلفزيون براسو الغليد."
وكانت في أحمد فصاحة العمد. وأذكر يوم انتخبناه مشرفاً على جمعية الثقافة الوطنية بالجامعة. وجاء الي مناسبة ما فيها اقتضته الحديث بالعربية والإنجليزية. فأطرب بشهادة الأستاذ عبد الكريم محمد عبد الكريم الذي تكلب اللغات شعرة جلده.
ولكن ربما كان منشأ هذا الولع بالخدمة وإفراح الناس هو نشأة أحمد المتواضعة بمدني الجزيرة. وقد دلنا عليها كتاب بديع من تأليف السيد محمود أبو العزائم اسمه "سحارة الكاشف". وأول ما عرفت به كان من الدكتورة هذر شاركي الأمريكية التي افادت منه في كتابها عن الحركة الوطنية الشمالية فائدة قصوى. وقد رَوضت هذه النشأة أحمد ليري العوجة ويصيبها في مقتل، وليري الفرقة ويسدها. فقد روي أبو العزائم ان أحمد رأي حاجة أهله فخرج باكراً إلى الكسب لم يتذرع ببراءة الطفولة. فقد عمل بزراعة الذرة وهو تلميذ بالعطلة الصيفية. وما ينتهي من الزراعة حتى يعمل في بيع الرمل. وكان يمشي خلف الحمار ومتي أفرغ بضاعته ركبه عائداً.
نشأ أحمد في كنف بيئة بندرية بمدني طبعته على مصطلح التضامن والإيثار. فقد حفت بحياته اشراقات الحركة النقابية والحركة الوطنية. فكان بيته مقصوداً لعرض الحوائج وفض النزاع. فقد كان والده رئيسا لنقابة الجناينية. وكان أخوه الأكبر رئيساً لنقابة الممرضين. وأضاف أبو العزائم أن "اخته زينب كانت الأولى على بنات المديرية كلها." وعرف أحمد مذاق البر فحفظ الجميل ورده بلا توقف. فلما فصلوه من حنتوب اجتمع مجلس المدرسة الأهلية بمدني بوطنية خريجين لمراجعة الحكومة في القرار. ولكن رئيسه الإنجليزي (مفتش التعليم) قال إن لا رجعة عنه. كما اعترض على نقله الي الأهلية الثانوية بأم درمان. وما كاد الاجتماع ينفض حتى عاد الي الانعقاد بغير المفتش في منزل أحمد الحضري. وانتهي المجتمعون الي وجوب إرساله لأم درمان الأهلية على نفقتهم. وصدقوا له بخمسة وعشرين جنيهاً دفعها آل ابو العلا (21 مصروف المدرسة و3 جنيهات مصروف شخصي). ولما جاء وقت سفره للدراسة الجامعية الي مصر سلمه أحمد الحضري قماش بدلة صوف وأجرة تفصيلها كما أهدي له استاذه سليمان أحمد سليمان ساعته من شباك القطر.
تباعدت لقاءاتي بأحمد منذ آخر الستينات. ولكن ما قلت ي أبا مروءة في عسراتي وعثراتي المزمنة حتى خف أحمد إلى. فقد أشرف مع اخي الزين على ترتيبات عودتي الي حياة الأفندية بعد فراقي للحزب الشيوعي في 1978. وحين تعذرت على فيزا الدخول الي مصر من الولايات المتحدة بعث بجنده المجندة الي المطار ليأخذوني من المطار الي داره. وأنست به. ولم اجده إلا وقد ازداد براءة... براءته الجذرية. ولقيته خلال جلسات مؤتمر الحوار الوطني حول السلام. واخذني الي بيته بالخرطوم وسط ليريني غرفة المكتبة الحدادي المدادي. ولا أعرف من بناة أهرامات ورياض الصالحين والطائف والمنشية وغيرها من تجد المكتبة طريقها الي معماره.
واختم بما كانت تختم به الحاجة الوالدة كلما فرغت من قصة عن فقد الحبان: "أماني ما وجعني يا أحمد".
من كتابي "الثقافة السودانية: خارطة طريق"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.