من وظائف رئاسة الجمهورية عند الأمريكيين أن يتحلى من على سدتها برباطة الجأش والوجدان ليكون، بجانب أنه القائد الأعلى لقواتهم المسلحة، المعزي العام (comforter-in-chief). وبدا للكثيرين على أيام الجائحة الوخيمة المعلقة أن الذي ينهض بالدور القيادي، بشقه السياسي والتعزي، هو أندرو كومو الحاكم الديمقراطي على ولاية نيويورك الأكثر تأثراً بالجائحة دون كل الولايات. فجذب الأفئدة إلى جلسات تنويره اليومية لأهل الولاية والأمريكيين لا بحقائق الجائحة الدامغة فحسب بل بعزائم مواجهتها وتخطيها. فلما صار كومو وجه الوجع الأمريكي والعزيمة بثت قنوات الأخبار جلساته مع الصحفيين بحذافيرها بغير توقف للإعلان حتى. ولم تتأخر حتى قناة فوكس اليمينة عن الركب. أما البيت الأبيض فأخذ ينتظر تنوير كومو قبل أن يعقد مؤتمره الصحفي اليومي الذي لا يخلو من إشارات لما جاء عند كومو من استجابات لمطالبه بصورة أو أخرى. واستجمع التنوير طائفة من المعجبين على النت بالهاشتاق.

للقيادة في أمريكا أعراف وتراث ولغة شدت انتباهي مؤخراً. ويستمد جانب التعزية فيها بالذات من التاريخ. فليس من مصيبة حاضرة إلا هي صدى لمصيبة أصابت أمريكا واجتازتها بنجاح. فليست المصيبة المعلقة نهاية الدنيا فلا يطير قلبك شعاًعا. فاللحظة لأخذ نفس عميق، كما يقولون، للثبات. فواتى كومو في إحدى لقاءاته مقطع شعري للشاعر الإنجليزي ريدار كبلنق صاحب قصيدة "الفزي وزي" عن شعب البجا الذي صار كسر المربع الإنجليزي إحدى هواياته في حروب المهدية في شرق السودان. قال كبلنق عن رباطة جأش القيادة في الموقف العصيب:
إذا احتفظت برباطة جأشك حين انحل وثاقها عند الأخرين
وتباروا في لومك
وإذا وثقت بنفسك حين ساء ظن القوم بك
وتصالحت، ما تزال، مع من شكك فيك وساء

فليست رباطة الجأش في أن تلقى التحدي موفور الثقة في نفسك فحسب بل أن لا تضيق ذرعاً بمن ساء ظنه فيك هلعاً. فأرخ جناح الرحمة له فالمسكين انسدت دروب الأمل في وجهه وانفرطت جبارته.

ووجدت من كتاب الأعمدة من رجع في بأس القيادة إلى الرئيس لنكن الذي رفض تأجيل الانتخابات عام 1864 خلال الحرب الأهلية الأمريكية. وأصر على قيامها في حين كان يعلم أن حظوظه للفوز بالرئاسة مرة أخرى ليست مبشرة. فلم يتحجج بالحرب ليؤجل انتخابات قد لا تأتي به بل قال: "إذا نجح التمرد (الولايات الجنوبية المتمردة على النظام الفدرالي) في إلغاء الانتخابات العامة أو تأجيلها فصح القول إنه سبق له النجاح في هزيمتنا وخراب عامرنا".

أما الإشارة الكبرى للرئيس المعزي فكانت لروزفلت صاحب القولة الغراء: "الشيء الوحيد الذي وجب أن نخشاه فهو الخشية نفسها". وربما اقتدى كومو به في عقده لجلسات دردرشة على الراديو يلطف من وقع الأزمة الاقتصادية على الأمريكيين من غير أن يواري حقائقها. ف"المتفائل العبيط وحده من ينكر الحقائق السوداء للحظة التي نحن فيها".
وكانت تلك الحقائق مخيفة حقاً. فربع القوة العاملة عاطلة مثلاً. وطاش العقل الأمريكي لا يدري طريقاً للخلاص. وجاء روزفلت بالدردشة على الراديو، في قول روبرت سايلسون من الواشنطن بوست، ليؤمن سبيله إلى أفئدة الناس، ويكسب ثقتهم، فيفوضونه للقيام بإجراءات استثنائية مثل إغلاق بعض البنوك بلا رحمة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي. وسبق ذلك الإغلاق بدردشة قال فيها: "أريد أن أتحدث إلى شعب الولايات المتحدة لدقائق عن البنوك". وكان نجاحه نتيجة استثماره ثقة الشعب فيه. ومن ذلك أنه جرب الخطط ليفشل في بعضها ولا تثريب. وكافأه شعبه. فكتب له ملدرد قولدشتاين من بلدة جوليت بولاية إلينوي: "أنت الرئيس الأول الذي دخل بيوتنا ليشعرنا بأنه في خدمتنا. حتى ليلة الأمس كان رئيس الولايات المتحدة مجرد أسطورة، صورة نحدق فيها، ولكنك إنسان حقيقي".
ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.