تبني الثورة المضادة إعلامها على ما يعرف ب"نقاط المحاججة" (talking points) (في انتظار تعريب أرشق). وهي ما اتفق لجماعة من أفكار تدفع بها لحلبة النقاش ضد خصمها لإفحامه، وجعل سرديتها عن مسألة النزاع هي العليا. وبدا لي أننا في صف الثورة لا نرى من الغابة التي تستزرعها الثورة في وجهنا إلا أشجارها فردا. ففينا سفه لحجاجها وحدة بعد الأخرى أكثر من رصدها واحدة بعد الأخرى، وتجميعها كغابة والسهر في الرد عليها بصورة مقنعة. فبدا لي من هذا وكأننا لا نرى في خطاب الثورة والثورة والمضادة سوى نحن وهم. وهم في نظرنا قوم بورا وكفى: كل كوز ندوسو دوس. وننسى أن هذه الخطاب من الطرفين موجه إلى جمهور كسبه ضربة لازب بإحسان عرض مسألتنا له. فكثير من هذا الجمهور معنا ولكن من الكياسة إلا تأخذه على العواهن. فإن لم تحسن الرد على نقاط المحاججة بنفس طويل وحجة مقنعة تسرب،ـ على المدي الطويل، من بين يديك فردا فرداً وانطوى في السلبية إن لم ينحاز إليهم.

أكثر نقاط محاججة الثورة المضادة ما استدعى سوابق التاريخ. فيستنكرون مثلاً أن تجرى محاكمتهم على القيام بانقلاب 1989 بينما لم تجر مثل هذه المحاكمة لانقلابيين سبقوهم إليه. وهي ما جاء عند إبراهيم السنوسي مؤخراً. ووجدت الأستاذ محمد سيد أحمد كشف فساد بعض وجوه منطق الثورة المضادة على صفحات سودانيزأونلاين. وبوسعنا ما يزال نسف حجتهم هذه وطربقتها على رؤوسهم بالموعظة الجسنة.

فالمعلوم أن الإخوان المسلمين (مع حلفائهم حزب الأمة والوطني الاتحادي (أزهري)) هم من وقف "دت" ضد محاكمة طغمة انقلاب 17 نوفمبر. فكان من رأيهم رفع اليد عنهم طالما تواثقنا معهم على تسليم الحكم ففعلوا. وأوفوا العهد. ولم يكن ذلك هو الرأي الغالب في الشارع المطالب بالقصاص: لا تحفظ بل إعدام. وسوفوا في أمر المحاكمة حتى انعقاد الانتخابات وقيام البرلمان وتكوين الحكومة في يونيو 1965. وتقدم الشيوعيون للجمعية التأسيسية باقتراح محاكمة طغمة 17 نوفمبر ليكتفي النائب حسن الترابي عن الخريجين بإدانتها لخرق الدستور وحسب. وجاء بحجة في استحالة هذه المحاكمة . . . مبالغة. وهي مما هو ماركة مسجلة له. فهي الحق متى قالها وكفى بربك حسيبا. قال الترابي إنه اكتفى بالإدانة لأنه، متى أردنا محاكمة الانقلاب، اضطررنا لمحاكمة الجيش كله من سبيبة رأسه إلى أخمص قدمه. وزاد بأنه، متى حاكمنا أعضاء المجلس الانقلابي، وجب علينا محاكمة ثلاثة أحزاب كبيرة أيدت الانقلاب فيها حزب الأمة والختمية. وزاد بأننا سننتهي إلى محاكمة أغلبية الشعب السوداني. ويا كبرة فولاية.

ولم يكتف الإخوان وشركائهم في الثورة المضادة آنذاك عند هذا الحد. فوقفوا ضد محاكمة قادة ذلك الانقلاب حين ناقشت الجمعية التأسيسية تقرير القاضي شبيكة المحول لها من مجلس الوزراء. وحوى التقرير تهماً بحق أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بخرق الدستور. فتداولت الجمعية فيه عجلى غير متأنية. وصوتت بالأغلبية ضد المحاكمة في يوم 7 يوليو 1965. صوت ضده 88 نائباً، جلّهم من حزب الأمة ومعهم بعض نواب الحزب الوطني الاتحادي، ونائبا جبهة الميثاق الإسلامي-الإخوان. وكتب الدكتور سلمان محمد سلمان مؤخراً عن عاقبة الامتناع عن محاكمة طغمة 17 نوفمبر قائلاً إن قرار الجمعية وأد مطلبٍ أساسيٍ لثوار أكتوبر، وأجهض المحاسبة القانونية لمن قاموا بتقويض النظام الدستوري، وشن الحرب على الشعب السوداني.

ان احتجاج السنوسي بأننا نستن سنة محاكمة مرتكبي انقلاب 1989 بغير سابقة مؤاخذة للانقلابات التي سلفت مردودة عليه. كنتم أنتم أفصح الأصوات في التفريط في محاكمة من سبقوكم للانقلاب.

لا ينبغي لإعلام الثورة أن يغفل لثانية عن سردية الثورة المضادة التي تغزلها على نقاط محاججة تستدعي فيها التاريخ. قد تبدو السردية في كثير أجزائها كترهات. ولكن الحقائق البديلة الخطرة العاقبة من مستصغر الترهات. ورغبت لو انعقدت غرفة عمليات إعلامية ثورية تأخذ نقاط محاججة الثورة المضادة بجدية وبحث إرشيفي لردها على أعقابها. فسرديتنا وسرديتهم في سباق لكسب العقول والأفئدة. وهم الخاسرون إن شاء الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.