(هذه مقالة كتبتها في 1980 انتقد ظاهرة أطلت برأسها وهي انفتاح سوق مذكرات يعدها معلمون بالثمن للطلاب المقبلين على امتحانات الشهادات المدرسية. ونشرتها على بابي بجريدة الصحافة ثم لاحقاً في كتابي "عبير الأمكنة" (1988). وسررت لتعليق متفق معها بقلم المرحوم نصر الحاج علي من طلائع المعلمين ومدير جامعة الخرطوم بعد الاستقلال مباشرة)

على مدخل أكشاك الصحف أوراق مشرورة. وهذه الأوراق هي مذكرات يتولى اعدادها ونشرها نفر من المعلمين ليستعين بها تلاميذ الشهادات الصغر ى والثانوية السودانية على الامتحانات. وكل مذكرة مخصوصة بمادة. ويمكن لأكثر من مدرس أن يصدر مذكرة في ذات المادة. وقيمة المذكرة ثلاثون قرشاً في المتوسط. وأغلبها فلسكاب مستنسخ بالرونيو وإن بدأ بعضها في اتخاذ شكل الكتاب بالطباعة.

كان هذا الوصف هاماً لأمرين. أولهما بيان منزلة هذه المذكرات من السوق. فالتربية والسوق، إن لم يكنا نقيضين، فهما، في واقعنا الذي نعرف، ما اختلطا حتى فسدت التربية فساداً كبيرا. وثانيهما لنتوقى اعلان الحرب بلا معرفة بالخصم. فعادة فكرية رائجة أن يدعو الكاتب في صحفنا إلى لعن هذا وحرق ذاك من غير أن يتوقف عند ما استوجب لعنه أو حرقه ببيان خطره وكسب الأفئدة إلى ما يريد.

وأكثر ما يقلق من جهة المذكرات اتصالها بالامتحان. فالتربوي الرسمي يرى في الامتحان شراً لابد منه. ويعترف بنقصه في التعريف الأوفى بقدرة التلميذ. ويرنو إلى قياس هذه القدرة على مدار السنة، وفي دائرة المقرر وغير المقرر والهوايات سواء بسواء. غير أنه لم يقع على بديل معتمد. ولذا كان نصبُ هذه المذكرات لسوقها في منطقة الامتحانات، على ما رأينا من المحاذير بشأنها، أمراً مقلقاً. فتوجه المذكرات للامتحان، دون حلقات التعليم الأخرى، من إملاء السوق وليس في الأمر ذرة من تربية.

قصراً للقول انتخبت ثلاث مذكرات كلها في مادة التاريخ لتلاميذ الشهادة الصغرى لأقف على ما ترتب على "تسويق" الامتحانات في وقت تسود "البكاسي"، وهي المصطلح الذي اتفق لنا لوصف روح الربح المباغت وعنصره الغالب، وهو أن تؤجر على خدمة بائسة. والخدمة الواضحة التي تقدمها هذه المذكرات هي إعادة ترتيب المنهج المرسوم في التاريخ في شكل سؤال وجواب ومقالات نموذجية. وتؤدي المذكرات هذه الخدمة بإمكانيات الآلة الكاتبة التي لا تستوعب حركات ضبط الإملاء العربي التي لا غناء عنها في الكتابة إلى تلاميذ.

يحذر مرشد تدريس التاريخ للمرحلة الابتدائية، كميثاق أخلاقي للمعلمين، من نوع الخدمة التي تقدمها هذه المذكرات تحديداً. فإعادة ترتيب كل المنهج في شكل أسئلة وأجوبة شأنه أن يرجح بثقل الأسماء والحوادث والحقائق على حساب النسيج التاريخي كله مما يقضي على كل رغبة وشوق في نفوس التلاميذ لدراسة التاريخ. وأفدح من ذلك ألا تتوخى هذه المذكرات الدقة في إيراد هذه الأسماء والحقائق. فقد ورد في المذكرات اسم "ضاهر العمري"، الذي حكم فلسطين بين 1737-1775 ك"ضاهر العمر" و"مناهز العمر" و"ظاهر العمر".

وجاء في إحدى المذكرات أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (القرن الثاني عشر الهجري)، منشئ الحركة الوهابية، قد تتلمذ على الإمام أحمد بن "جمل" (توفي في القرن الثالث الهجري). فتأمل. وقالت مذكرة ثانية إنه درس فقه الإمام أحمد بن "حميل". وسمت إحدى المذكرات "موسلين" (موسليني) حاكماً لبريطانيا. وسألت إحدى المذكرات عن أهم أعمال المهدي. وكانت الإجابة من قسمين. إنه 1) حرر السودان من الحكم الأجنبي 2) قضى على قوات الاحتلال. وهذه إجابة تعلم الثرثرة في ذات الوقت الذي تهدم فيه عنصر المنطق في التلميذ هدما.

وأكثر شر هذه المذكرات هو المقالات النموذجية. فالمقالة شكل من الاشكال الهامة التي يتغلب بها التلميذ بالتعبير على المعرفة. وهي مما حرص عليها "المرشد" وتدرج في تدريب التلاميذ على كتابتها. والحال هذه فمقالات المذكرات تصادر هذه الملكة التي هي كسب بالمران في التلاميذ. وقد رأيت مقالة في هذه المذكرات من ثمانية أسطر مبهولة على بعضها من غير علامة ترقيم غير نقطة الختام بينما هي بحاجة، لكي تسوغ، إلى خمس عشرة علامة ترقيم. وسيحفظ التلميذ هذه المقالة على علاتها. وسيصححها المدرس بخبرته وتعاطفه. والنتيجة جنايتنا مرتين على هذا التلميذ. لم نصبر عليه لينمي قدرته الخاصة في التعبير وحشونا دماغه بهلهل "مقالة". فمن نلوم إن عد التلميذ المعرفة من أمور الطيلسان؟

ويوصي "المرشد" مدرس التاريخ بالاهتمام بالتعبير والعمل الكتابي وتنظيمه وتحسينه حتى يصبح ذلك عوناً لمدرس اللغة العربية. وهنا إخفاق هذه المذكرات الكبير. فقد أحصيت للمذكرات الثلاث ثلاثين خطأ إملائياً وعشرة أخطاء نحوية. ونجد في هذه المذكرات من يسأل "سنة كم؟" و"ما هي أصل الثورة المهدية؟" ونجد (لماذا تدفق الأجانب بالإسكندرية؟" ونجد مثل هذه الجملة: "عندما انسحب الحليفة لجهة الغرب وعمل على الاستعداد لمواجهة جيش الاحتلال-ولما علم كتشنر". فتأمل هذا العسر والتربية يسر.

تحز في النفس هذه السوق النافقة حول الامتحانات. ولسنا نحرد. من يرضى حردان السوق. وليس أسهل من الدعوة إلى حرق ناجس عظم هذه المذكرات وإهابها. وكن كيف السبيل إلى درسها كشاهد على ما انتهى إليه السوق من حياتنا وما انتهت إليه الامتحانات من نظامنا التربوي.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////