(أنشر اليوم وغداً كتابات نظرت فيها في كتب وكراسات من شغل تربويين "متلبطة" بالمنهج المدرسي، وليست منه، ومؤذية له في الصميم. ستجد كلمة اليوم عن كتاب عنوانه "الشامل في التاريخ" وهو مذكرات لطلاب الشهادة الثانوية. وفي غد أنشر كلمة عائدة إلى 1980 في نقد مذكرات الامتحانات التي بدت تطل برأسها في نحو ذلك الزمان. ولفتت الكلمة تربوي ناصح مجرب هو المرحوم الأستاذ نصر الحاج علي، المدير الأسبق لجامعة الخرطوم، ليعلق عليها إيجابياً)

لا يعرف أحد لماذا تأجل مؤتمر التعليم العام من نحو الربع الأخير من العام 2011 إلى تاريخه. وليس عسيراً أن نتكهن أن التعليم العام دخل طور الأزمة. وربما كان المخرج من هذا الطور أن تُطلق وزارة التربية مبادرة شجاعة لتربويين ومعارضين يعزوزن بها التعليم العام عن وطنية. بل وجب أن يطلب هؤلاء التربويون الصورة الكاملة للتعليم العام (سواء وقعت تلك المبادرة أم لم تقع) لأنه لم يعد بوسع إيّ منهم التفكير في تعليم عام بديل أو مثالي بمعزل عن أزمة المدرسة. وقد هداني إلى هذه الخطة الأستاذ جعفر خضر بمدينة القضارف. فمع اعتزال جعفر نظام الإنقاذ إلا أنه كتب بحثاً قيماً عن سيرة النبي صلى الله عليه السلام والصحابة في المنهج وأخذ عليه نقاطاً صالحة. وسعى ليكون بحثه ضمن أوراق المؤتمر القادم.

وقفت بمحض الصدفة على كتاب "الشامل التاريخ" لطلاب الشهادة الثانوية، والكتاب جملة مقالات أو موضوعات تاريخية لأن المؤلف لمس نقص خبرة الطلاب في الإجابة على أسئلتها. ولا أدري إن كان الكتاب ما زال صالحاً. وسنعده من تراث التعليم إن لم يكن من حاضره. وبالطبع ف"تعبئة" منهج التاريخ في الإجابات في الكتاب ضعف كبير لأنها تنزع الطالب من التاريخ وتدخله في "كستبانة" ويضيع كسبه من التعبير إلى الأبد.

مع أن هناك الكثير من الحقائق التاريخية الجيدة في الكتاب إلا أنني لاحظت انحراف المؤلف عن الوجهة الحق. فوصفَ حزب الجبهة المعادية للاستعمار اليساري بأنه مطية الحزب الشيوعي تستر من ورائها منذ عام 1953. ولا مانع من هذه الصفة لو التزم المؤلف بوصف كل حزب سوداني متستر ب"المتستر" بلا جدال. فلم يصف لا الأنصار ولا الختمية بالمتسترين بحزب الأمة أو الاتحادي (وصوره الأخرى الشعب الديمقراطي، الاتحادي الديمقراطي). بل الأدهى أن جماعة الأخوان المسلمين لم يصفها المؤلف بأنها متسترة من وراء الميثاق الإسلامي. وقال إن من أهداف الجبهة "إقامة الدولة المسلمة": من وراء حجاب مثل الشيوعيين.

من الجهة الأخرى لم أجد الحزب الجمهوري للأستاذ محمود محمد طه مذكوراً ضمن أحزاب الحركة الوطنية. فقد وردت في المقالة كل أحزاب السودان الأكابر والأصاغر، وبعضها إقليمي مثل مؤتمر البجا وبعضها نقابات واتحادات. ولم يقع بقد القفة إلا الحزب الجمهوري. وبدا لي أن إهمال هذا الحزب في دفتر التاريخ عام إلا من رحم ربي. وقد استمعت مؤخراً لكاتب نابه هو الأساتذ عبد الله الفكي البشير عرض علينا أبحاثه عن حظ الحزب الجمهوري المبخوس في التاريخ. وسيصدر كتابه عنه ليردم فجوة هذا الحزب المهمة (صدر).

ليس كتاب التاريخ الذي عرضته منهجاً مدرسياً. ولكن ليس مؤلفه حراً يعرض ما شاء على الطالب ناهيك عن كتابة المقالة نيابة عنه ليجترها بحذافيرها في الامتحان. فليس من كتاب منهجي في التعليم لا تطاله المراجعة والتنقيح. ولهذا نشفق على التعليم -بالجد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.