وددت لو لم تتخذ جامعة الجزيرة قرارها بإلغاء إعفاء أبناء شهداء محرقة جنوب السودان على عهد الإنقاذ من الرسوم الدراسية. فهو من شاكلة القرارات التي يختص بها المركز سواء في الحكومة أو التعليم العالي. وغير مأذون أن تضطرب فيه المواقف بين جامعة تبقي على الإعفاء وأخرى ترفعه بالكلية ناهيك عن أنه قرار سياسي بالدرجة الأولى نستصحب فيه، بجانب الثورة، فطانة رجل الدولة (statesmanship).
صابتني خشية من مثل قرار جامعة الجزيرة منذ أيام الثورة الأولى التي احتج فيها بعضنا على فك حسابات منظمة الشهيد بعد أن سبق تقفيلها. وقدرت أن قرار فك الحساب (متى أحسنا الظن) لابد راجع لاعتبار أن للحكومة تعاقد مع أسر هؤلاء الشهداء التي ربما لم يتفق كثير منها مع النظام. وهو التزام في ذمة الدولة لا يجبه سقوطها وإلا فارقنا قوله تعالي ألا تزر وازرة وزر أخرى.
ومعلوم أن كثيراً منا في صف الثورة لا نعد قتلى المحرقة شهداء بل شباباً مُغرراً بهم في أحسن الأحوال. فذاع عن الدكتور الترابي قوله إنهم "فطايس". وما سمعته منه ليس ذلك بالتحديد إن لم يكن أفتك بالإنقاذ المنقرضة. فقال إنهم شهداء بنيتهم ولكن الإنقاذ هي التي رمت بهم في أتون الحرب تريد أن تتخلص منهم فلا يكونوا،من فرط ولائهم للفكرة، شوكة نقد في جنبها. ومع أنني لا أتفق مع المشروع الذي افتداه أولئك الشباب إلا أنني انفعلت يوم وقفت على شبهة عدم توقير لهم في جامعة القرآن الكريم. فبعد فراغي من المشاركة بندوة بها جلست في بهو صالة الندوة لأجد قائمة اسماء طويلة جداً أمامي هم الشهداء من طلاب الجامعة في الجنوب. ولم أكمل قراءة الأسماء لأنهم وضعوا أريكة عند الخائط غطت على الجزء الأسفل من القائمة. وحز ذلك في نفسي. وانتحيت جانباً إلى مسؤول بالجامعة ونقلت له استنكاري ذلك المحو الجائر لنصف القائمة لمجرد وضع أريكة لا هنا ولا هناك.
يفرق عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين الثورة والدولة. فللثورة كريزما (أي جاذبية وألق وسلطان) أما الدولة فهي روتين هذه الكريزما. ولعل أوضح مثل نضربه من تاريخنا لبيان الفرق بينهما هو كريزما المهدي، الذي توفي عند انتصار الثورة، ولم ينتظر "روتنتها" في دولة وهو الشيء الذي حمل الخليفة عبد الله عبئه ووزره. وربما انطبق المثل على العقيد قرنق وسلفا كير. وبدا لي أن قرار إلغاء إعفاء أبناء شهداء المحرقة الجنوبية مما انتمى للثورة لا الدولة. فمتى كان للدولة قرار في الأمر فلربما لم تلغ الإعفاء. فالثورة ترث من النظام القديم ما لا سبيل للتنصل عنه. فهو إرث مثل تعاقدات الديوان الخارجية ملزم للثائر متى صار على سدة لحكم.
اعتقدت دائماً أن منظمة الشهيد الإنقاذية هي أحسن ما حدث لشهداء سودانيين في تاريخنا المعاصر اتفقت معهم أم لم تتفق. فلأول مرة منذ استقلالنا صار للشهداء منظمة ترعى عقابهم أحسنت أو لم تحسن. فلم نتواص في صف الثورة والتغيير على رعاية مؤسسية لعَقاب الشهداء منذ الحركة الوطنية. ففينا إهمال. وأذكر كلمة مؤثرة لحسن نجيلة في "ملامح من لمجتمع السوداني" رثى فيها لابن شهيد من ثورة 1924 سار في موكب تكريم والده بنصب تذكاري في 1966 وهو من الفقر ورثاثة الثياب على درجة.
ولا تأتي العناية بالشهداء وبعقابهم إلا فجات. فدفعت الحكومة المصرية (لا حكومتنا) لشهيد من ثورة 1924 معاشاً شهرياً في 1953 (في حمي الحكم الذاتي) مقداره 3 جنيهات بعد 30 عاماً من استشهاده ، رفعته إلى 5 جنيهات في 1956، ثم إلى 13 جنيه في 1957. وجاءت فجة أخرى بعد انقلاب مايو تم فيها ترفيع رتب الشهداء العسكريين لثورة 1924 ليحظى أهلهم بمعاش أكبر. وكتبت مراراً خلال الثلاثين عاماً عن مظاهر هذا الإهمال في سياق مفهوم سميته "الاقتصاد السياسي للاستشهاد". وأكبر شواهده عندي أننا نأكل الشهيد لحماً ونرميه عظماً للأسرة. فهو عضو معتمد في السياسة حياً. ومتى مات صار في وداعة أهله.
الخطة المثلي عندي أن تقبل الحكومة منظمة الشهيد ديواناً للدولة بها بعد جردها والوقوف على مصادر تمويلها وإدارتها. ثم تضيف إلى قائمة شهدائها شهداء ثورتنا هذه وما سبقها من سيستفيد عقابهم من عون المنظمة وامتيازاتها. وأن تقوم على المنظمة (أو بأي اسم آخر) إدارة تتزود بالمال من أوقاف المنظمة والتبرعات التي تتوسل لها بذكاء علاوة على ما يأتيها من الحكومة.
ومتى وقفت هذه المنظمة على حيلها فستعفي الجامعات من هم إعفاء الرسوم لأبناء الشهداء. فستكون هذه الرسوم ما تتوافر عليه منظمة الشهيد ضمن حقوق أخرى للشهداء على الدولة.
"روتنة" الثورة حارة. ولكنها الطريق الذكي المؤكد لحمايتها من كلاب لهب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////