أسعد الدكتور حيدر إبراهيم رعيل الكتاب والوطن بفوزه بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في مجال الدراسات الإنسانية والمستقبلية في دورتها السادسة عشرة 2018-2019م من بين 480 مرشحاً في هذا المجال.

مأثرة حيدر ليس في أنه كاتب محسن غزير الإنتاج وحسب بل في مثابرته متطوعاً في إدارة مؤسسة ثقافية تركت بصمتها على قبيل من شباب الكتاب منذ التسعينات. فلم يكتف حيدر بالكتابة أصالة بل أنشأ مركزه للدراسات السودانية بحي نمرة 3 بالخرطوم اجتمعت له فيه "أدوات المثقف، في عبارة الدكتور عبد لله البشير. فيجتمع الكتاب فيه في ندوات وسمنارات وورش عمل حول أوراق علمية ومحاضرات وكورسات للشباب. وله دورية للنشر تخصص ملفات فيها لبحث موضوع ثقافي أو سياسي شاغل. كما اتصل مركزه بوظائف للنشر والتوزيع. وكانت في ذرى شغل المركز تلك الندوة التي انعقدت في القاهرة لتكريم الطيب صالح في سبعينيته.

وحيدر فينا هو المثقف المعروف ب "المثقف العام" وهي ترجمة بلهاء ل Public scholar الإنجليزية. وساغ لي تعريبها ب"المثقف المحرّق" لاقترب من معناها في انشغال من هذه صفته لا بالقضية العامة مثل الحرية أو الديمقراطية وحسب بل بالخروج مداع لها بين الناس. وعليه فهو على خلاف من المثقف الأكاديمي الذي عشه المثالي هو البرج العاجي يتنزل ما اتفق له من معارف على الناس بغيره إلا من رحم مثل جومسكي عالم اللغة الجهبذ بمعهد ماسيسوتش ببوسطن والداعية للحرية لا يشق له غبار. وبالطبع إدوارد سعيد أستاذ اللغة الإنجليزية الذي زلزل معارف الغرب عنا إلى يومنا بكتابه "الاستشراق" (1978).

وبدا لي أن المثقف المحرق بروموثيوسياً. كان بوسعه أن يكتفي من العلم بالجامعة أو غيرها. ولكنه ذو همة عظمي يريد أن يبلغ بمعارفه الناس جمعاء يسوقهم إلى عتبات التغيير المقدسة. فهو سارق نار الأكاديمية ليشيع نفعها ودفئها بين البشر. وهذا ما فعله برومثيوس الأسطوري الإغريقي الذي احتمل لعنة الآلهة بعد أن سرق النار من جبلهم ليذيعها بين الناس. وقال المهدي إنه أوقد ناراً ويريد أن يتدفأ بها.

ومعلوم أن حيدر أكاديمي حصل على الدكتوراه من المانيا الغربية عن مجتمع الشايقية. ودرس في الجامعات بالأمارات والسودان. ولكنه، كمثقف محرق، استدبر الجامعة بالكلية منذ آخر الثمانيات ليؤسس مركزه للدراسات السودانية في القاهرة ثم السودان حتى أغلقته سلطة الإنقاذ في نحو 2013 ليعود إلى القاهرة مرة ثانية. وكانت مجازفة شهدت بوادرها ونحن نلتقي عند الدكتور حلمي شعراوي بالقاهرة. واقتحم حيدر التجربة غير هياب. ولعله لم يوفق مثل توفيقه في قراره نقل المركز للخرطوم ليكون بين دفتي وطنه وشبيبته. وأذكر يوم افتتاحه بالخرطوم كان تعاقد معي، وأنا بالولايات المتحدة، للحديث مع جماعة حول العولمة. وكان ذلك في يومي الأول بالبلد. وزود دار المركز بمكتبته الشخصية للغاشي والماشي من القراء، وافتتح مكتبة بشارع زنك الخضار القديم. وصار المركز متنفساً ثقافياً مشعاً يسهر الكتاب والشباب فيه على صورة الوطن البديل.

شقي حيدر في مجازفة المثقف المحرق هذه بالحكومة والمعارضة معاً. وأذكر الأصوات المعارضة التي ارتفعت تستنكر أوبته للوطن. فكان منهم من عدها خيانة للقضية أو هي بسبيل الخيانة لها. فغاب عن المعارضة إلى أن صارت حكومة اليوم أن بوسع معارض أن يخدم مثل خدمة حيدر في وطن تحتله "القوى الظلامية". وكثيراً ما ذكرتهم بالحكاية المروية عن إمبراطور روماني في حرب مع الفرس. قيل له لقد سد الفرس بسهامهم عين الشمس فأظلمت الأرض. فقال لهم بغير اكتراث: جاء الوقت فيما يبدو لنتعلم الحرب في الظلام. ومركز الدراسات السودانية والتآليف التي استحق عليها جائزة العويس كانت حرب حيدر للنظام.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.