سأل الأستاذ عثمان ميرغني في عمود أخير في تعليقه على زيارة رئيس الوزراء للأمم المتحدة ولقاءاته بزعماء عالميين عمن يضع السياسات الخارجية لنظامنا الجديد. وهو نفس سؤالي عمن يضع سياسة الحكومة في التفاوض مع الحركات المسلحة. فقد دخلت وفود حكومية في جولات من المفاوضات حتى قبل أن ينعقد اجتماعها الأول لتتواثق على برنامج عملها. بل ورثت الحكومة عقوداً مربكة مع بعضها مع إعلان الحرية والتغيير (والفريق أول حميدتي من المجلس العسكري) جبراً لخاطرها. فيلتقي الوفد الحكومي (أو لا يلتقي في حالة حركة تحرير السودان، عبد الواحد) بالحركات، والجبهة الثورية بالذات، لتلقي عليه مطالبها وهو خلو من استراتيجية للسلام تأخذ حقائق المحنة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق من وجوهها كلها لا تقتصر على التفاوض مع الحركات وحسب. فتبدو الحكومة من هذه الجولات رهينة سردية الحركات لتلك المحنة لأنها لم تمتلك سرديتها الخاصة. وتمنع نفسها بذلك مختارة أن تنفذ إلى وقائع سودانية واقعة ضمن تكليفها أصالة لا وكالة.

ومتى استقلت الحكومة برؤية استراتيجية لسبل السلام في مناطق النزاع صار بوسعها إدارة حوار مفيد ووثيق مع الحركات يتجاوز "المطلبية" التي طبعت المسار التاريخي للتفاوض بين الحكومة المركزية والحركات المسلحة. ومن أسف لم نخلص منها جميعاً إلى السلام في الوطن الواحد. ولست أزكى استقلال الحكومة برؤية تناقش من فوقها الحركات حول سبل السلام طاعناً في رواية الحركات عن مظالم أهلها ولا في مطالبها. هي صِدّيقة عندي واختلف معها. ولكن سبب تزكيتي هذه أنه لا ينبغي للحكومة، كطرف مفاوض، ألا تمتلك ناصية المسألة لتزن المطالب لا من جهة واحدة بل من الجهات كلها. فما عاد وفد الحكومة من مفاوضات الجبهة الثورية في جوبا، التي سيتعطل بها تكوين المجلس التشريعي الانتقالي وتعيين الولاة، حتى خرجت أكثر من جهة من دارفور وغيرها تستنكر هذا التعطيل لحجبه وظائف للمجلس والولاة منتظرة لتأمين الثورة. فبغيبة المجلس يكون القرار في التشريع لمجلس السيادة ومجلس الوزراء. وبهذا يدخل "خشم" مجلس السيادة بعسكرييه غير المريحين في اختصاص التشريع. بل احتج بعضهم على إسراف الحكومة مع حركات اقتصرت على تمثيل إثنية واحدة في دارفور. وهذا ما أردت تفادية بالدعوة إلى أن تكون للحكومة استراتيجية للسلام تفاوض من فوقها حتى لا ترهن قرارتها الوطنية لخطط الحركات فرادي أو جماعات.

سأعود إلى بيان مفردات هذه الاستراتيجية ولكن أردت هنا إشراككم فيما أعنيه بها. فوجدت أنني احتفظ بمقال للدكتور أمجد فريد (7 أغسطس 2018) يُشخص فيه أزمة المعارضة السودانية، مدنية ومسلحة، في التعاطي مع قضية الحرب والسلام. واعجبني المقال جداً. وكتبت له قلت:
"لا أعرف كلمة مخدومة علمياً وخلقياً مما قرأت منذ 3 عقود في متانة كلمتك. ارجو أن تهتم بنشرها في كتيب (وإن وسعتها) لكيلا تروح في أرجل الأسافير. خالص التهنئة على بصيرتكم وأعود لقراءة أنعم".
كتب أمجد عن بؤس المعارضة في التعاطي مع قضية الحرب والسلام ما يلي:

أحد أكبر النواقص التي يمكن أن نصفها في كتاب خلل العمل السياسي للمعارضة السودانية، هو في تعاملها مع قضية الحرب. حيث ظلت المعارضة الحضرية من احزاب وتنظيمات مدنية (كما تطلق على نفسها) تتعامل مع قضية الحرب وتطالب بوقفها من منظور تأثيرها الاقتصادي وما يبتلعه الصرف العسكري والأمني من الميزانية، مقابل مقارنة ذلك بما يصرف على قطاعات الخدمات العامة من تعليم وصحة وغيرها، وهي خدمات متركزة بشكل أساسي في المدن والمناطق الحضرية. ودافعها لذلك هو تبسيط قضية الحرب وتأثيراتها لجمهورها المديني، دون وضع اعتبار في أحيان كثيرة لكون أن المتضررين بهذه الحرب هم أيضا مواطنون سودانيون يستحقون الدفاع عنهم وعن مصالحهم ومطالبهم بشكل أصيل وليس مجرد ناتج ثانوي.
وعلى الجانب الاخر ظلت تنظيمات المقاومة المسلحة، تتعامل مع قضية الحرب كشأن خاص بها وحدها (بالرغم من انها ترفع مطالب قومية متعلقة بإعادة تركيب الدولة السودانية على حد نصوص وثائقها)، وتتعامل مع المواطنين السودانيين في المناطق المتأثرة بالحرب كجمهور (حكر) خاص بها وحدها وهي وحدها التي تحتكر تمثيله وتمثيل مصالحه وتحتكر الحديث باسمه وعنه. ودافعها الي ذلك هو استنادها بشكل أساسي الي التركيبة الاثنية الخاصة بالأقاليم التي تشتعل فيها الحرب، واعتمادها على تصنيف كل الاخر الاثني كعدو، بما يساعدها في خلق الرابطة العاطفية بين جمهورها وبين اجهزة تنظيماتها السياسية. ولعل عدم وجود اطروحات لقضايا التنمية والعدالة في تلك الأقاليم عند الأحزاب والتنظيمات المدنية هو ما جعلها أيضا تُسلم بمثل هذه التقسيمة وتركن اليها كسلاً عن واجب الاجتهاد لتطوير اطروحات تخاطب هؤلاء المواطنين السودانيين، أو تقاعساً عن مواجهة مطلوبات الطرح الوطني الشامل، أو تفادياً لإثارة حفيظة الحلفاء المقاتلين. فتقاسمت تنظيمات المعارضة الوطنية أقاليم الوطن فيما بينها على الصعيد العملي، بينما ظلت تجتهد عبر تحالفاتها في طرح خطاب قومي للحل الشامل العمومي الذي لا يخوض في التفاصيل.
أحسنت.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////