نشر أحدهم قبل أيام قائمة بأصناف الضرائب التي تكالبت على ترخيص سيارته. وأعادني هذا إلى مقال لي قديم عن تكاثر الضرائب على المواطنين في دولة الفونج كما جاء في وثائق الأرض في تلك السلطنة نشرها المرحوم محمد إبراهيم أبو سليم. وخلصت في المقال إلى أن الدولة في السودان دولة ضرائبية ترهق الرعية بأثقال الضرائب والمكوس لينعم الموظف العام وينغنغ كما رأينا في دولة الإنقاذ عياناً بياناً. وهي دولة رعايا في مركزها وهامشها لا مواطنين. فالشرط في المواطنة ألا تخضع لضرائب لا يكون لك رأي في فرضها عن طريق ممثلين لك في هيئة تمثيلية كالبرلمان. وهذا ما لخصه الشعار الأمريكي: 

No taxation without representation
وما تغير شيء. فهي ضرائبية بيد الأجنبي كما هي بيد الأجنبي.

ستجد بيان ذلك في مقالي. ولكني أعرج هنا لأعبر عن شفقتي مما أراه من فهم للدولة في ثورتنا ومساعي إصلاحها. بدا لي أننا فَهِمنا من فساد دولة الإنقاذ الشاطح أن العلة في شاغليّ وظائفها العامة من "الكيزان". وبمعنى آخر أن بنية الدولة معافاة ولكن الفساد في الطاقم الإسلامي الذي بشر بدولة للصحابة ثم قلب لنا ظهر المجن وبالغ في أكل السحت "بوليغاً". وستجد مظاهر من هذا الفهم في تطوع بعض رموز دولتنا الثورية للعمل تطوعاً أو بامتيازات منقوصة. وهذا نبل كبير. ولكن، متى اكتفينا من فهم عاهة دولتنا به، غابت عننا بنية الدولة الضرائبية. ومتى غابت هذه البنية ستجدها تعود طال الزمن أو قصر. فلم يأت الرئيس المخلوع في 1989 للحكم وقد بَيّت أن يثرى هذا الثراء الخليع. بل ظل إلى بداية الألفية بغير مأخذ عليه بخفة اليد. بالظلم والعدوان نعم. بل كنت أذكر له هذه الخصلة حين كنت أزور أخاه محمد الموظف بمكتبة الشيخ زائد بمدينة العين مغترباً لحاله حتى منتصف العقد الأول من القرن لم يشره شره المعروف أخيراً. ثم اقتصت الدولة الضرائبية لنفسها من البشير. وعاث علوا في الأرض وفساداً كبيرا.

لا نريد أن تأخذنا سنة من غفلة نظن إصلاح الدولة في انجاز المهام المستحقة من نزع الفاسدين من قمم دولاب الحكم وإحلال طاقم نقي السريرة مكانه. وكفى. نريد لصفوة الرأي عندنا أن تنشغل بفهم أوعى بالدولة الضرائبية الموروثة ذات الرؤوس الشوهاء التي تنبت رأساً شائهاً كل ما قطعت رأساً شائها.

فإلى المقال القديم:

كنت إذا قلت منذ أعوام:" يا خي إنت ما عندك عليّ سِبلة" فهم السامع أن المخاطب لا أمراً له عليك ولا نهي. ولا أعرف إن كانت العبارة ما تزال شائعة أو حتى مستخدمة. ولا أدري أيضاً إن كان حتى من يقولونها قد عرفوا معنى "سِبلة" الذي هو مدار العبارة. ولم تقع لي العبارة إلا بعد إلمامي بشيء من نظم الضرائب في الممالك السودانية القديمة مثل سلطنة الفونج.

قلت في كلمة مضت أن شكوى اتحاد الغرف الصناعية من الجبايات المفروضة على منتوجات مصانعه مزعجة ومهينة. فعلى الصناعة رسوم محلية بلغت 15 رسماً: عليها رسوم ولائية بلغت سبعاَ. وعليها رسوم اتحادية بلغت ثلاثاً. وأعادني هذا الإسراف في الضريبة إلى ما قرأته عن رسوم دولة الفونج والفور.

فالشطط في المكوس أصل في الدولة السودانية الوطنية وتلك التي نشأت في ظل الاستعمار. فالدولة عندنا سلطانية الحكم فيها من أجل الحكم. وزادت دولة الأتراك والإنجليز الطين بلة بأن أصبح السلطان فينا أجنبياً خادماً لحاجيات من هم خارج حدودنا. فالدولة هي الكلمة الرديفة للطٌلبة أي الضريبة. فعن طريق هذه الضرائب تستأثر هذه الدولة بالفائض الاقتصادي لإشباع طرائقها في التنعم والراحة. فليس بغير دلالة أن تترافق مع شكوى الجمهرة من الجبايات في الأسابيع الماضية انكشاف أننا بتلك الضرائب نتكفل بوضع 4 سيارات تحت خدمة شاغلي المناصب الدستورية وهلمجرا. وندفع لهم 20 مليوناً للإجازة السنوية مع التذاكر له وللأسرة. وما خفي أعظم. وكنت كل ما قرأت ما استورده الفونج والفور وغيرهم من مصر بالقوافل استغربت لغلبة بضائع الترفية التفاخرية بينها لصالح الطبقة الحاكمة. وهي بضائع دفعوا لها بتصدير الرقيق والعاج وريش النعام. ما تغير شيء.
نعود إلى "سبلة" التي بقيت فينا ذكرى من إسراف الجباية عند الفونج. وعثرت على المصطلح في وثائق الأرض والفونج التي نشرها المحقق المؤرق أستاذنا محمد إبراهيم أبو سليم في الستينات. ومعظم هذه الوثائق عن إقطاع سلاطين الفونج الديار للعلماء والوجهاء. ومن لوازم إنعام الملك لهم بهذه الأراضي أن يعفيهم من الضرائب المفروضة على عامة الناس. وتعترف وثائق الإقطاع هذه بثقل هذه الضرائب. فتقول إن السلطان أعفى الوجيه أو العالم من "جميع الشرور والسُبل والمضار". وقرأت في وثيقة منها أمثلة على هذا الإعفاء الذي طلب السلطان به أن يكف أهل دولته من منازعة المستفيد من جزيرة أقطعها له بقوله: "لا ينازعهم في صدقات هذه الجزيرة منازع ولا يتعرض لهم فيها متعرض سالمة مسلمة من جميع الشرور والسبل والمضار لا عليها (هذه الجزيرة) جسارة ولا خسارة ولا ضيافة ولا علوق ولا كليقة ولا عادة ولا قِله ولا جُله ولا شيء من السُبل العادية". وأقطاع السلطان للوجيه متوارث في أجياله حتى قيام الساعة لا يتعرض لذريتهم متعرض وإلا عرض نفسه للهلاك "والحذر ثم الحذر من المخالفة والمخالف لا يلوم إلا نفس"".

وأشرح هنا مقاصد هذه الجبابات التي وردت كما جاءت عند أبو سليم. فالضيافة معروفة وهي استضافة السلطان وكل من يأتي من عنده من الحاشية والعمال. والعلوق هي عليقة دواب الحاكم وأعوانه. والكليقة عبارة عن حزمة من القش تعطى لدواب الحاكم وأعوانه. أما العادة فهي الإعانة المالية تقدم للحاكم في المناسبات السعيدة كالختان والأفراح. أما القلة فهي عيش يؤخذ من الناس بالبرمة والبرمة تسع ربعاً. وكانت هناك ضرائب أخرى لم ترد في هذه الوثيقة بالذات. منها النزول وهو الضيافة نفسها بإكرام الحاكم وأعوانه متى حل بين ظهرانيهم. والعانة هي الإعانة أي مساعدة الحاكم ومعاونته في الأعمال وتعرف بالخدمة ايضاً. وبالمناسبة من واجب الإدارة الأهلية حسب وضع الإنجليز لها أن تتكفل براحة موظفي الدولة وعمالها متى جاءوا إلى دار القبيلة لغرضهم وأن تحمل الأهالي لبناء الاستراحات المؤقتة لهم. وهناك "السنسنة" أو الكسرة وهي إطعام الحاكم وأعوانه لدي غشيانهم الدار. أما "المُخلا أو المُخلة" (كيس من الشعر لحمل الأشياء) كناية عن الزاد أي ما يُطعم منه الحاكم وأهله. وترد أيضاً "الجباية" وهي العوائد التي تدفع عن الأرض. وترد كذلك "تورات" ومن معانيها ضريبة تدفع أول حرث الأرض للزراعة وقد تعني تسخير الناس لإشغال الحاكم أو التكفل بتسمين سعية الحاكم التي تودع بطرفهم. أوهي غرامة معينة يدفعها الرجل للحاكم امتثالاً وأدبة.

أما السِبلة موضوعنا فهي الإعانة التي تقدم للحاكم عندما يقيم مأتماً. فتأمل.
إن ما أفسد قضية التغيير في بلدنا أن المعارضين انشغلوا بإزاحة الحاكم الديكتاتور (أو الديمقراطي حتى) وأسرفوا في أدب إزالته وطقوسه دون تعمق البنيات الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت تفرخهم الواحد بعد الآخر. وهو أدب معارضاتي سطحي فوجئوا بفساده حين خرجت الجموع من قريب تشيع مستبداً ظنوا أنهم قد رموه في مزبلة التاريخ (نميري). فلدولة السِبلة رؤوس مثل الغول. تقطع واحداً منهم فينبت رأس في محله. ومن انشغل بالرأس دون بنية الجسد كله ضلَّ ضلالاَ بعيداً.
أنظروا دولة السبلة بأكثر مما تنظروا جابي السبلة تجعلوا لشعبكم مخرجا يا أولي الألباب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////////