كنت أستمع إلى الفنان سيد خليفة أمس الأول يحكي عن ميلاد أغنيته (المامبو السوداني". وأتذكر كلما استمعت إليه حكاية عن لقائي الوحيد به في 1958 بمدينة عطبرة وأنا طالب بثانويتها الحكومية. فقد جاءنا لإحياء حفل لصالح نشر ديون المرحوم محجوب قسم الله "المنبثق" رئيس رابطة أدباء نهر العطبرة. وكان المنبثق ذا مشية جزيلة على الشارع له ضحكة مجلجلة تعتدي على ما فضائها من كائنات. وسمى نفسه "المنبثق"، أما سماه الناس، وصدق الاسم. كان يفاجئ الطين الذي منه انبثق برشاقته وإنسانيته وعذوبته.

أذكر لقائنا بسيد خليفة ليلة قدومه المدينة لإحياء الحفل بسينما بيرفس لو اذكر. اجتمعنا حوله على مائدة العشاء بفندق سوكتلس. وكان السمك من أطباق العشاء. فأذكر أن سيد مد يده للسمك قائلاً: "دا سمك شرعا؟". وضحنا جميعاً. ولم نفقد سوى المنبثق الذي كان، لو حضر، لجلجلت ضحكته جنبات المكان. رحمهما الله.

ذكرت ذلك ثم ذكرت مصير الديوان في مناسبة الإعلان عن الوزارة الجديدة وفيها حقيبة للإعلام. وكنا في الرابطة تعاقدنا مع وزارة الاستعلامات، سلفها، على طبعه على نفقتها مستكملة المال الذي توافر لنا من حفل سيد خليفة. وكلفنا الدكتور عبد المجيد عابدين ليكتب مقدمة له. وصدرّه المرحوم الروائي بشير الطيب عضو مكتب الرابطة، وصاحب مجلة الوجود لاحقاً، بكلمة عن رابطة الأصدقاء. ولم يصدر الديوان إلى يومنا هذا فحسب، بل لم نعثر له على أثر بعد. وخمل ذكر المنبثق.

ووجدت في ملف لرابطة اصدقاء نهر العطبرة كنت أودعته دار الوثائق المركزية نيابة عن زميلنا المرحوم الأمين عبد المجيد، سكرتير الرابطة، كلمة بشير الطيب ومقدمة الدكتور عبد لمجيد عابدين. وأنشر كلمة بشير الطيب لترى أيها القارئ أي مشروع أهلي للنشر زفه بشير للناس بالبشائر قد ذوى على سبيطه في أضابير وزارة الاستعلامات.


مقدمة
هذا الديوان سفر على متن الكلمة...
وعلى متن الكلمة تنبت مئات الرغائب والاحلام والأماني.. لكنها في حوجة الى تحديد اعمق لشخصية الكلمة واراداتها . . في حوجة للدفاع عنها كلما اهتزت من جراء العبث بها.. وما اكثر العبث في شرف هذه الكلمة..

وهذه المتن في عنق هذه الرابطة.. لم يكن لها هدف منذ البداية سوى البحث عن انبعاث جديد يؤكد معالم الحياة والمجتمع الجديد.. ذلك المجتمع الذي تحلو فيه حتى متاعب الحياة وتزدهر في دنيانا وتنعكس في نفوسنا براءة الوجود الحق للإنسان المعاصر.. فبمثل ما يتكدر صفو الانسان البسيط في البحث عن نقاء اللقمة.. كانت هذه الرابطة وافرادها أمناء على بسط أعمق النفس البشرية من خلال التكدر والمعاناة والالم للحظة الحاسمة.. فمن بين بساطة وجودنا انبعثت هذه الرابطة إذن.. وانبعث معها إشراق جديد في سماء أزمة جيلنا المعاصر.. ولم يكن لنا آنئذ غير ما يبعث في النفس حلاوة التفاؤل.. كنا نشعر به ومازلنا الاعباء المقيتة التي ترقد على أكتاف الاخرين، تعتلج به الصدور من احلام لغد ليس فيه للإنسان تعاسة.. أي تعاسة.

وبدأ الطريق امامنا يتفتح، الحب،، والامل،، والثقة،، والمرأة الانسان... والطفل الذي يحلم بلبن الامهات.. تفتح الطريق عن كل هذه الروعة.. واندفعنا نحن فيه نمسح العرق من على جباهنا.. وكل الجباه.. حتى أمست.. او بطريقها ان تمسي كل الجباه نقية مرفوعة تعاند الشمس..

ولم يكن كافياً لنا ان نخطو على مهل على الرغم من أنه كان يجب علينا يوماً أن نخطو على مهل.. فنحن أمام قضية- أمام توكيد جديد لمسئولية الانسان المعاصر- لم يكن كافياً إذاً ان ندع الناس يقرؤون كلماتنا المطبوعة في أضيق نطاق.. كانت احلامنا اكبر من أن تستوعبها نشرة تتعثر رغم انها نشرة.. ولم يكن يستساغ لنا ان نرمق جيلنا المعاصر بعين واحدة في الوقت الذي كان يمكننا أن نفتح فيه الأعين- كل الأعين- على مصاريعها فبدأنا نحاول.

وكانت اولى خطواتنا هي هذا المشروع الذي تصدره-في شرف- ديوان صديقنا الراحل رئيس الرابطة- وفي سعينا هذا لم نغفل أننا نجابه أعباء لا يسندها غير الرجال.. ولا تتكي هي نفسها على غير أكتاف الرجال.. هذه السلسلة من الكتب إذاً هي فتح باب جديد نطل به على اشراقات وجودنا الجديد.. هذه السلسلة من الكتب إذاً هي فتح باب جديد نطل على اشراقات وجودنا الجديد.. وهي بالتأكيد ما كان يحلم به صديقنا الراحل فهو مثلنا كان يوماً ذا متاعب.. غير أنه بابتسامته الواسعة اتاح لنا ولغيرنا الا نعرف معنى اليأس.. بل أنه بسبيل أن يطهر السلوك الانساني عانى معنا البحث عن صداقة الكلمات المخلصة.. ففي كل حرف تمشي عليه أعينكم من شعر هذا الصديق الذي يتبع ؟ كلماتنا هذه.. في كل حرف ستحلمون بمثلما كان يحلم.. بالحب والدفء.. والحرارة.. وحلاوة الأطفال.. وبالمرأة الانسان.. ستبتسمون حين يبتسم.. وتتألمون حين يتألم.. فهو عمره- وأنت تحس ذلك من خلال كلماته – لم يتألم من أجل الالم وحده.. بل اتخذ الألم صديقاً له ليعبر به عن معنى الحياة حين تجابهنا بوجهها الأسود القاتم.. فهو يحتك بالألم ولكنه يصرعه.. ويصطدم بالتعاسة.. ولكنه يغلبها.. ثم يرفع عن كاهله كل الألم وكل التعاسة لكي يؤكد للناس أن الألم والتعاسة أمران من نفايات الحياة..

إذاً صديقنا الانسان لم يمت.. ما مات. كان الموت غلافاً سد امامنا حقيقة الصديق الراحل.. وحين تعرى لمسنا أصل انسان بينه وبين الموت عداء..
إذاً نحن على عهدنا باحترام شرف الكلمة وحلاوتها.. و الرابطة وعاء لمثل هذا الاحترام وهذه الحلاوة.. بل أكثر من ذلك.. هي مجرد أيد تمتد لتعانق كل احلام ورغائب الانسان المعاصر.. لتؤكد له- من خلال الكلمة- أن الفضائل لن تلوثها خيانات التفكير الاسود ومرارة الكلمة المسمومة..

وغداً..
كتاب جديد.. وبعد غد كتاب آخر جديد.. بل وفي كل غد إشراق جديد يلبس ثوب كتاب جديد.. وشكراً للدولة.. ولوزارة الاستعلامات التي وعت وجودنا في فرحة كبيرة ومدت أياديها تبحث معنا عن معنى جديد.. لفضائل وقيم جديدة.. مع تحياتنا..

للمزيد عن رابطة أصدقاء نهر العطبرة أنظر:

https://sudaneseonline.com/board/7/msg/1474701499.html


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.