لا نجد اجتهاداً في أصل كلمة كوز سوى ما جاء عند الإسلاميين أنفسهم. فنسبوا الكلمة للشيخ حسن البنا الذي قالوا إنه قال "الإسلام بحر ونحن كيزان الله". وكان اتفق لي معنى آخر لها صادفني في عملي الميداني أجمع مأثورات شعب الرباطاب في 1984. فنزلت في قرية ما عند دكان تاجر غاب عنه لغرض. وجلست في أنس مع جماعة أمام الدكان. فحكى أحدهم عن ثبوت رمضان ذلك العام بإعلان متأخر قريب السحور. فلقيهم الشهر الكريم غير مستعدين من جهة السحور. وقال الرجل إنه، وبذلك الإعلان المتأخر لثبوت الشهر، اكتفى بشراب "كوز" ما وصام.

ولما عاد التاجر من قضاء غرضه حكى له الحضور ما قاله الرجل الذي صام على كوز ماء لي. ولاحظت علي التاجر انزعاجاً ملحوظاً. وسألني بسرعة:
-هل قال لك فلان إنه شرب الماء من كوز؟
-نعم.
-أهبل.
-الرجل غلط وين؟
-كان لازم يقول كباية.
-كبايه كوز كلو.
-يقول كبايه. كوز ما لايقه. كلمة بلدية نبدو بها زي خارج اللعبة.

بدأت من تراتبية الكباية والكوز التي جاء بها التاجر لمحاولة فهم لماذا صارت "كوز" اسماً للإخوان المسلمين في زمانهم الباكر. فكان التاجر الرباطابي صريحاً في عقده المقارنة بين الحداثة التي تشرب بالكباية والريف التقليدي الذي يشرب بالكوز. وهي هرمية تجدها في جزمة ومركوب، وكاريه (حلاقة الشعر كقصة) وصلعة، وقاضي مدني وقاضي شرعي، ومدرس مواد حديثة ومدرس عربي ودين، وترزي أفرنجي وترزي بلدي التي وصمت تاريخنا بثنائيات متباغضة ضرجته بالدم والعنف. وهو موضوع تناولته في كتابي القادم "مصادر العنف في الثقافة السودانية" من دار المصورات.

وبدأت في البحث عن أصل كلمة كوز بالنظر إلى البيئة التي ولدت فيها في خمسينات القرن الماضي. وكانت الحداثة بثنائياتها المتباغضة مستفحلة. وكان اليسار الشيوعي سيد المصطلح وقتها. ولما أخذت التجمعات الطلابية في التشكل كانت "كوز" من نصيب الإخوان المسلمين من سيد "النضم" الشيوعي.

ولن تفهم دلالات الكوزنة إلا في ضوء مصطلح آخر هو "البيبسي كولا" الذي أطلقه نفس اليسار على جماعة الطلاب المستقلين. فمنصة إطلاق الاسمين هي الشيوعيون. وعنوا ب"البيبسي كولا"، الوافدة لتوها آنذاك إلى السودان، أن المستقل بلا وجهة أو مذاق أصيل في عالم مصطرع ربما جنح فيه ليكون عوناً لأمريكا. أما قولهم الكوز للأخ المسلم فسببه ما بدا من ريفية وجوههم وخشونتها، وجعلهم من أنفسهم "مطوعين" يتربصون بممارسي العادات الحداثية من تدخين وشرب.
وقال الرئيس نميري إنه ضاق بهم ذرعاً أيام لعب كرة القدم بمدرسة حنتوب الثانوية لأنهم أخذوا عليه نقص شورت زيه الرياضي. فقال إنه قال لهم ليفحمهم إن كانوا يملكون زياً شرعياً للعب الكرة. وحتى زعيمهم اللاحق في الستينات، الشيخ حسن الترابي، قال لي إنه تفادى الانتماء إليهم برغم خلفيته الأسرية الدينية لأنهم لم يزيدوا عن كونهم شرطة آداب خفيت عنهم محنة الدين الحقة تحت الاستعمار. ونظر الشيوعيون، في ترجيحي، لاشمئزاز جيلهم من الإخوان المسلمين من الحداثة إلى متضادة "كوز" و"كوب". فكوز هي لفظة إناء شرب الماء في الريف بينما كوب هي عبارته في المدينة كما رأينا في حادثة تاجر الرباطاب الذي لم يرض أن يكشف ما سماه "أهبل" منهم عورة تخلفهم لابن مدينة مثلي في ذروة من جامعتها. ومعلوم أن كوز فارسية لإناء شرب الماء ذي المقبض أو الخرس وكوب عربية.

يقع مبحثي هذا في باب ما يعرف بنسب الكلمات والعبارات etymology. وتُدبج فيه القواميس ترد الكلمة إلى أصل في التاريخ والسياق. ولا أعرف من أحسنه عندنا مثل الأستاذ شوقي بدري فيما تعلق بلغة أم درمان. ولا زلت أدين له بنسب العبارة "العين بحسين" و "تاني تجي الحملة". وكتبت أرجوه أن يعنى بهذه الملكة فيه. ولا زلت آمل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.