نشر الدكتور عبد الوهاب الأفندي كلمة وددت لو حظيت بمناقشة أوسع في بحثنا الحثيث لمخرج مما نحن فيه. فعرض لموقف مؤسستين وطنيتين من مجريات الأحداث هما أساتذة جامعة الخرطوم (أو جامعة الخرطوم وسنعود لذلك) والقوات المسلحة وخلص إلى فجيعته فيهما لأن مواقفهما شطت عن لعب دور محوري "يجنب البلاد الكارثة".

اتفق معه في أن عبارات القائد العام للقوات المسلحة وقائد الأركان كانت فجائعية ومدلسة. وفيها من طاعة الرؤساء الضالين ما ينبغي أن يؤرق ضابطاً عظيماً نذر حياته، حسب القسم، "لخدمة الله والوطن وخدمة الشعب في صدق وأمانة". وقالا إنهما لن يسلما الحكم لشذاذ الآفاق. وهما من سلم وصفهما الوظيفي ذاته، الحرب، لجيوش غير مهنية مثل الجنجويد والدعم السريع بليل. ونقول "غير مهنية" حتى لا نسف بحق شباب الأرياف الذين استغلت الحكومة صدأ معاشهم لتؤلبهم على معارضيها في قتال بغير غبينة.

واختلف مع الأفندي في توقعه من جامعة الخرطوم-أساتذة جامعة الخرطوم. وجدير بالذكر أنه أشاد بوثيقتهم كثيراً. ولكن بدا لي أن فجيعة الأفندي في مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم مصطنعة. وما ساقه إليها هو خلطه بين جامعة الخرطوم وأساتذة جامعة الخرطوم. فهو يورد الاسمين بصورة يتطابقان فيها. وسنتجاوز قوله إن لجامعة الخرطوم احتراماً عند السلطان وقبول يُتوقع معه أن تكون وسطاً معتدلاً. فجامعة يعين رئيس الجمهورية طاقمها من أعلى إلى أسفل، ويحرم أستاذتها من نقابة خاصة بهم حتى لا تغيب شخصيتها في نقابة منشأة التعليم الجامعي الغامضة: جامعة كهذه قد تُوصف بكل شيء سوى الاحترام عند الدولة. ناهيك عن قوائم 1992 بالإحالة للصالح العام بيد الدكتور مامون حميدة المعين ببينة إسلاميته مديراً للجامعة.

لجامعة الخرطوم كمؤسسة مبادرة لجمع لشمل معلنة يقودها البروفسير عبد الملك محمد عبد الرحمن المدير الأسبق للجامعة. أما أساتذتها فكائن آخر. وتوقع الأفندي منهم أن يلزموا جادة الاعتدال وإلا فجع فيهم توقع بلا دلائل عليه من تاريخهم. فكانوا مع يسقط بس في وجه ديكتاتوريات سلفت. فبعد يوم واحد من اندلاع ثورة أكتوبر 1964 ، في يوم الخميس 22 أكتوبر، قدم كل أساتذة الجامعة السودانيين تقريباً استقالاتهم للمرحوم النذير دفع الله، مدير الجامعة، واشترطوا سحبها بتنحي الحكومة. وتكرر هذا في 1985. فقد كان أساتذة الجامعة عضواً مؤسساً في التجمع النقابي لإنقاذ الوطن. وشاركوا في مسيرته من أمام مستشفى الخرطوم عبر شارع القصر نحو القصر. وتوقف الموكب ليقرأ عمر عبد العاطي المحامي مذكرة التجمع التي سترفع للحكومة. ونصت على تنحي المخلوع نميري.

صفوة الأمر أن توقع الأفندي من أساتذة الجامعة أن يجنحوا للاعتدال في المواجهة بين يسقط بس وتقعد بس لا سابقة له في تاريخ اشتغالهم بالشأن العام لنصف قرن أو يزيد. فمتى قام الاستقطاب الذي ذكره الأفندي بين تسقط بس وتقعد بس جهر هؤلاء الأساتذة بتسقط بس. أما جامعة الخرطوم التي خلط الأفندي وظائفها بنقابية اساتذتها فلها مبادرة ربما استوحت غير ما استوحى الأساتذة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.