جاء في الأنباء أن الجبهة الوطنية العريضة (كما تشتهي) وصفت "صمت" الشعب إزاء السياسات الحكومية الخرقاء بأنه "جريمة". ويطرح "حراق الروح" هذا سؤالاً عن منزلة الشعب في مشروع المعارضة (التي سميتها الرسمية) لنظام الإنقاذ؟ فهو عاطل شرعاً. فقد اعتزلته المعارضة المدنية بعد خيبة مغامرتها العسكرية في أسمرا تراوح بين مؤتمرات ومواثيق وجدالات. أما المعارضة العسكرية فقد تأبطت سلاحها وتقسمت شعبها الجهوي الإثني الأخيذ (captive) كما قال الدكتور أمجد فريد في مقال قريب. أقرأ بيانات الأحزاب فلا تجد تعييناً فيها لما ينبغي أن يقوم به الناس في يومهم وغدهم وفيما يطاله صوتهم ويدهم. والأخطر فالشعب مدعو من جماعات شابة، من دعاة الضربة الواحدة القاضية للإنقاذ، أن يخرج لعصيان مدني في توقيت ملائم للداعين لا للمدعوين للعصيان. وواضح من هذا أن الشعب قد سقط من حساب المشروع المعارض الذي جعلهم فراجة على قارعة الطريق ينتظرون قدوم فرسان الأمل المسلحين وغير المسلحين. فالشعب بلا دور متعين في حيه أو نقابته أو اتحاده أو مهجره من قيادة ماسكة بزمام الأمر. وصار ابذلك يتلقى شعواء الاحتجاج العقيم على الإنقاذ كلما أطل صباح. وانتهى من فرط قلة شأنه إلى الدعاء العقيم عليها: اليسويبها واليسويبها.

تجد أدناه مقالة كتبتها في 2015 احتج فيها على الحكم بجلد السيد أحمد مستور من حزب المؤتمر السوداني. وخلافاً لاحتجاج المعارضة المرسل حرصت في كلمتي أن أعين بالتحديد ما ينبغي لقطاعات الشعب ذات الصلة عمله لإنهاء بدعة جلد المعارض اليوم قبل غد، وقبل هلاك الإنقاذ التي عادت بعد 3 سنوات تتوعد جلد كل من يمس ذاتها العلية في الأسافير. فإلى المقال:

قرأت كثيراً من التعليقات والبيانات حول جلد الأستاذ مستور أحمد وزملائه من حزب المؤتمر السوداني في يوم السادس من يوليو الجاري (2015) بقرار من محكمة جنايات أم درمان. وهو حكم سياسي من الدرجة الأولي من جهتين. فمن جهة فالجلد ليس بين عقوبات المادة 77-1 من القانون الجنائي، الإزعاج العام، كما أوضح ذلك مولانا سيف الدولة حمدنا الله بمهنية دقيقة. ومن الجهة الثانية استعجل القاضي التنفيذ لم ينتظر استئنافاً. فلم تمض بين النطق بالحكم وتنفيذه سوى 7 دقائق. ولا يخفي، والحال هذه، أن وراء هذا الحكم تواطؤ سياسي مؤذ انعقد بين القاضي وجهات أمنية وحكومية ل"أدبة" المعارضين.

استغربت لخلو التعليقات والكتابات عن الشائنة عما ينبغي فعله بصورة مباشرة، وللمدى الطويل، لمحاصرة هذا الحلف، ورد بضاعته إليه بشل يده الآثمة، وتحرير ساحة السياسة من هذه العقوبة القاسية المهينة المذلة. فقد انصرف الكاتبون إلى التضامن مع مستور وصحبه، أو التأكيد على ظلم الإنقاذ واستهتارها، أو تجديد العهد بنضال لا رجعة عنه للإطاحة بها، أو تذكيرها بيوم للثأر الأعظم قادم. وهذا كله من عزم الأمور. ولكن لكل حادثة حديث ولكل فعل رد فعل. ولا ينبغي أن يلهينا التعميم بالإمهال إلى يوم النصر الأكبر عن القصاص من المهنيين الجانحين مثل قاضي جنايات أم درمان للتو والساعة.

لاحظت بأسف كبير أن أكثر الكاتبين نسب الحكم المذل للمجهول: محكمة الجنايات أم درمان غاضين الطرف عن الفاعل. فلم أجد اسم القاضي الخرع سوى في كلمتين. وهو أمين حسين أقرين. والانصراف عن ذكر اسم القاضي ثلاثاً ورباعاً دليل واضح عن خلو طرفنا من أي حيلة لرد صاعه وصاع من ورائه صاعين. فمجرد ذكر الاسم "وشيل خزيه على كل لسان" عقوبة في مجتمع يخجل لك فيه زوج وأهل وأقارب وقبائل وقرى وجيران ومعارف. فتعميم عاره سبيل لقطعه عن سياقه الاجتماعي والمهني.

وخطة رمي المهني المسيء مثل أمين حسين أقرين في إتون العزلة خطة سياسية بوجه مهم. فنريد بها تفكيك ما بين المهنيين والنظام بعد أعوام من عزلتهم في طياته يتكنفهم بامتيازات فاجرة معروفة في القضائية بالذات. فإحكام العزلة الاجتماعية حول مثل هذا القاضي الخرع تذكير لمهنيين كثيرين ظنوا ألا رقيب عليهم ولا حسيب، وأن بوسعهم بيع ذممهم في سوق الحكومة بلا وازع. فلقد فرطنا في هذا المدخل لرد المهنية إلى خلقها بما يتقوى به أفاضل المهنيين على سيف الحكومة وذهبها. فكثيراً ما قلت إن الشكوى المقيمة من الدكتور مامون حميدة ربما لم تكن لو لم نغفر له زلته الكبرى كمدير لجامعة الخرطوم لفصله لقائمة من زملائه الأساتذة في 1992 لا فضل له في إعدادها. فليس لمثل حميدة الذي شرد زملائه في الجهات الأربع استحقاق التدريس بجامعة ناهيك من امتلاك واحدة.

أزعجني أيضاً في ذيول جلد قادة المؤتمر السوداني غياب المحامين الديمقراطيين. ففوتهم لمثل خزي أمين حسين أقرين هو بعض عطالتهم بين دورة للنقابة وأخرى حتى تأتي الانتخابات. فيستدركون خلو سجلهم المهني والسياسي بالشكوى لطوب الأرض عن مباغتة النقابة لهم بموعد الانتخابات، أو تزويرها، أو شراء المحامين بمنح الأرض. فمما يمكن لكتلة المحامين الديمقراطيين عملة في المسألة أدناه:
1- الطلب من رئيس القضاء ومجلس القضاء العالي فصل أمين حسين أقرين من الخدمة جزاء وفاقاً للتورط في حكم سياسي أملاه عليه من أملاه ونفذه بعجلة لم يستكمل بها دورة القسط.
2- الامتناع عن الوقوف أمامه للمرافعة عن متهمين بعد تخصيص فريق منهم يتولى الدفاع عن الماثلين أمام القاضي تطوعاً بقدوة عمال السكة الحديد في تسيير قاطرات الماء خلال إضراباتهم لتأمين هذه المادة الحيوية لعمال المحطات وأهلها. أو ما يفعله الأطباء بالإذن لجماعة منهم بتسيير مراكز الحوادث.
3- رفع عريضة لسائر منظمات حقوق الإنسان عن خرق القاضي الخرع أمين حسين أقرين للمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لإخضاعه متهمين من قبل حكومة جورها معلوم بالضرورة لعقوبة قاسية لا إنسانية وحاطة بالكرامة. وأن يتأسس على هذه الجريمة حكم قضائي في بلد مناسب يصبح به القاضي طريد العدالة متى غادر السودان. وهذا ما لم نقم به تجاه القاضي محمد سر الختم الذي روع الصحافة في العقد الأول من هذا القرن. ولو صح أنه يتمتع الآن باللجوء السياسي في بريطانيا كما جاء عابراً في مقال لوقفنا على قصر تيلة ذاكرة المعارضة التي تؤجل القصاص السياسي ليوم الفتح الأكبر.

ويوم الفتح الأكبر المنتظر هو محصلة حيل سياسية مثل المذكورة أعلاه. فهي لا تغادر المهني المسيء، ولا تتذرع له باستبداد النظام، ولن تنتظره حتى سقوطه.


الصورة للدكتور مامون حميدة مدير جامعة الخرطوم في اول التسعينات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.