متى ذكرنا انفصال الجنوب (وما انطوى عليه من تاريخ) غالباً ما رمزنا له من سيرة عِزابنا السياسيين . . . شرارنا. سنسترجع يوم ذبح الأستاذ الطيب مصطفى الثور الأسود في جمهرة من أنصاره كرامة وسلامة. واسترجع مثل الطيب كلمة حامضة للأستاذ باقان أموم عن "الغُسل" الجنوبي من أوساخ الخرطوم.

استرجاع هذه الرموز الخرقاء هو بعض شغب اللوم واللوم المضاد الذي طبع الخطاب الشمالي عن الجنوب بعد انفصاله. فالبحث جار على قدم وساق عن المذنبين الشماليين من تسببوا في كسر البلد. وهو بحث اقتصر على تعيين هذه الجماعة الشمالية التي ارتكبت هذا الإثم العظيم، أو التي كان لها زمام المبادرة فيه. والافتراض العظيم هنا أن الجنوب وجماعاته براء من هذا الإثم. ويفوت على زاعم هذه البراءة أنه ربما انطوى على سوء ظن بملكة الجنوبي على ارتكاب الإثم.

مررت بخبرين خلال أقل من سنتين جددا لي عقيدتي في أن انفصال الجنوب هو سوء إدارة مسرفة لاستثمار سوداني شمالي أغر في وحدة الوطن. فقد نشأت أجيال سودانية شمالية على أن الحفاظ المر على وحدة الوطن عبادة سياسية. فغرست الحركة الوطنية الباكرة وامتداداتها في الحركة الجماهيرية لاحقاً من اتحادات ونقابات هذه "التقوى" المدنية عميقاً في وجدان الشماليين. وتعريفي لهذه التقوى أنها سهر كل فرد على حدة أن يخدم هذه الوحدة في احتكاكاته حتى الفردية بالجنوبيين ما وسعه وبأريحية في قوله وفعله. فلم تكن وحدة السودان شأناً سياسياً للصفوة من الجانبين أحسنت أم اسأت. كان الشمالي الذي نشأ على هذه التقوى المدنية حريص على أداء التزاماتها في سبيل الوطن. فهي فرض عين.

ولا يجد هذا الاستثمار للشماليين العاديين في اتحاداتهم ونقاباتهم وأحيائهم اعتباراً من الصفوة التي وحدة التحليل عندها الحزب لا غيره. فمثلاً: متى قام منقلب منهم قال أول ما قال إن الديمقراطية فشلت. ويقصد بالأساس البرلمان وأحزابه المصطرعة (كما ينبغي بالطبع في ديمقراطية). ولو اكتفى بذلك لربما عذرناه مما أزعجه من شقاق الأحزاب. ولكن تساءلت دائماً: لماذا يردف ذلك بحل النقابات والاتحادات التي تمارس ديمقراطيتها الداخلية على خير وجه وتساهم في لم شعث الوطن الحزبي في كثير من الأحوال. وفي الحق إن ضغينة هذه الانقلابات على المنظمات الجماهيرية ربما كانت أمض من ضغينتها على الأحزاب.

الخبر الأول عن نبل الاستثمار في الشمالي جاء في مذكرات الأستاذ الهادي الشغيل على منبر "سودانيزأونلاين" في مقابلة مع السيد بول دينق شول (دينكا بور). نشأ بول في عطبرة، ودرس في مدرسة محمد علي، ثم مدرسة الخدمات الوسطى، ثم الصحوة الثانوية، فكلية التجارة بالخرطوم.
ولعب للنجم الذهبي ناشئين، ثم التضامن، ثم حي العرب، وصعد مع نادي الهدف للدرجة الأولى. وواصل اللعب في الخرطوم. ثم مضى للجنوب بعد الانفصال. سأله الشغيل:
س: إذا قدر لك أن تزور مدينة عطبرة مجدداً ما هو أول شيء ستفعله بمجرد وصولك لها؟
ج: فور وصولي لعطبرة سأقبل ترابها، وأتمرغ على أرضها. وليصفني الناس بالجنون فلست أبالي. فهي مثل أمي أعطتني بسخاء. ومهما قدمت لها فلن أوفيها حقها.

وهذا بعيد بالطبع جداً من وسخ المدن الذي قال به باقان.

أما الخبر الثاني فوجدته في كلمة للصحافي الجنوبي سيمون دينق، محرر جريدة الوطن بجنوب السودان. قال فيه إنه أسِف لأنه لم يسمع بوفاة العمدة أحمد محمد خير السيد، عمدة كاب الجداد بمركز المسلمية، إلا بعد مرور عام مما يكذب أن العالم صار قرية مزعومة. وتعَرف سايمون على العمدة عن طريق مفارقة جعلها العمدة طريفة برغم منها. فقد استأجره أحدهم في 1997 لقطع سيقان القطن وحرقها. فعمل مع رفقته بالحواشة. ثم جاءهم رجل، بصحبته عمال زراعيون، وهم قريبون من اكمال العمل، وسألهم ما الذي جاء بهم إلى حواشته. ووضح لسيمون أنهم ضلوا عن الحواشة التي تعاقدوا للعمل فيها إلى حواشة عمدة كاب الجداد. ولما عرف العمدة منهم القصة ضحك عالياً ودفع لهم أجرهم مضاعفاً ولم يطلب منهم حتى اكمال العمل.

ثم جاء يوم سأل سايمون إن كان يذهب للمدرسة. ولما وضح له أن ضيق عيش الأسرة حال دون ذلك دفع له كل مستلزمات المدرسة في 1998، وطلب منه ألا يخبر حتى والدته بذلك. ولما فتحت الحركة الشعبية مكتباً لها بالقرية في 2005 تبرع لهم بسيارته الروزا ليأتي بقيادات الحركة من الخرطوم للقرية. وتكفل بضيافتهم. وظل يحث سايمون للتواصل الحميم مع اهل القرية ويكسر الحاجز القائم في نفسه منهم حتى صار واحداً من أبناء كاب الجداد.

لكي نفهم سماحة العمدة صح اعتبار خبرته الوطنية في اتحاد مزارعي الجزيرة منذ 1946 بجانب قيم من دينه ومن سماحة نفس شخصية. لقد وجد العمدة في سيمون مدخلاً ليتنفل بتقواه المدنية من أجل الوطن.

لا أعرف عدد المرات التي سمعت فيها أن استقبال المرحوم عقيد جون قرنق الاستثنائي في الخرطوم كان من أجل الرجل. ربما كان من بين المستقبلين من جاء حماسة له. ولكن الاستثمار (العشم) في الوطن كان أكبر سبب أكثر الشماليين للوفود لساحة الخضراء. وقد وفدوا بغزارة لساحات كثيرة مثلها عبر عقود طويلة ل"تشجيع الوطن".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.