(نقل لي جنابو محمد أحمد محجوب (اللوير) نبأ انتقال خاله البروفسير أحمد خوجلي إلى رحاب ربه قبل أسابيع. وكان المرحوم أستاذاً لمادة الفيزياء بجامعة الخرطوم وشغل منصب نائب مدير الجامعة في آخر الستينات. وأصله من قرية أمبكول بالشمالية وترعرع في عطبرة برعاية أخيه سر تجار المدينة المرحوم محمد خير خوجلي. وجلست إليه في العقد الأول من هذا القرن أدون عنه سيرته السياسية في الحركة الطلابية اليسارية في وادي سيدنا في النصف الثاني من الأربعينات حتى سفره لاستكمال تعليمه العالي بمصر ضمن كوكبة من الجيل الشيوعي آنذاك.

وأنقل لكم هنا مقدمة شهادته سائلاً له الرحمة والعزاء لآل خوجلي قاطبة ممن عرفناهم في صبانا في عطبرة فوجدنا فيهم الأريحية، والنهوض في الحق، وقوة العزيمة).

بدأنا نشاطنا في الحركة الطلابية في سنوات 1942-1946 في المدرسة الثانوية التي كان مقرها أمدرمان. وهي المدرسة التي تفرعت فصارت ثلاث مدارس هي وادي سيدنا وحنتوب وطقت. كنت رئيساً لرابطة طلاب عطبرة اقتصر نشاطها على الثقافي والاجتماعي والأسواق الخيرية من حول مؤتمر الخريجين. ولما دخلنا وادي سيدنا حاولنا عمل اتحاد عام للروابط من مثلنا. وقدرنا أن يكون نشاطنا سرياً. وبالفعل كنا نجتمع ليلاً بعيداً عن الأنظار. ولكن كان ما نقوم به مرصوداً لمستر لانق ناظر المدرسة.

بدأت صلاتنا بطليعة الماركسيين قبل ذلك التوزع من أمدرمان. فكان يتصل بنا أمثال أحمد زين العابدين وعبد الوهاب زين العابدين من الحركة السودانية للتحرر الوطني "حستو" الشيوعية. وكان صديقي عبد القيوم محمد سعد على صلة بهم. وتسربت لنا بفضلهم كتب ماركسية مثل "أسس اللينيية". كنا نقرأها بشغف. وكان للكتاب أكبر الأثر في نفسي لحديثه عن الثورة والعمال. ولم تنقطع تلك الكتب عنا في وادي سيدنا. وأذكر أنني قرأت كتاباً عنوانه "كفاح تيتو". وتأثرت به للغاية وغيّر مجرى حياتي. فعرفت منه كيف كان تيتو يقاوم النازية ويقود العمال. وحكى عن اختفائه من الألمان، وكيف كانوا يضربون قاطرات على خط السكة حديد يظنون تيتو فيها. وكانت به قصيدة أعجبتنا جداً تقول: يسألوننا اين تيتو فنرد عليهم بمدافعنا كلنا تيتو.

وكنا من الجهة الأخرى على اتصال بالحزب الجمهوري وكان ثورياً. وهم أول من اصطنع المطبعة السرية لطبع المنشورات يوزعونها في المقاهي وغيرها. واذكر لما تظاهرنا في الوادي في 1946 جاوؤنا بمنشورات وزعناها وسط الطلاب. فأزعجت مفتش مركز أم درمان وتحروا في كيفية وصولها الوادي من أم درمان. ولم ينتهوا إلى شيء

بدأنا بالاهتمام بالآداب وتدرجنا للسياسة. فنظمنا الليالي الأدبية ونتحدث فيها عن السياسة. ولما كنا نحلم بقيام برلمان سوداني بعد الاستقلال كنا نعقد جلسات برلمانية فيها حكومة ومعارضة نناقش مسائل عن تطور البلد بمثابة تدريب ليوم نسترد استقلالنا.

ثم دخلنا في طور الممارسة السياسية وتجلى ذلك في مظاهرة 1946 (لوداع وفد السودان من الأحزاب بمحطة السكة حديد بالخرطوم. وسافر لمصر لمباحثات حول مصير السودان). وكانت الأولى والأقوى. فعمت البلد. قمنا بواحدة في وادي سيدنا وكذلك طلاب حنتوب وكلية غردون. وترأس اتحاد الكلية آنذاك عبد القادر مشعال. وأدى ذلك إلى حل الاتحاد بواسطة مديرها مستر ولشر. ولم يقم إلا بعد قدومنا نحن إلى الجامعة.

بدأت مظاهرتنا من الوادي متجهة إلى أمدرمان وهي مسافة طويلة. وأذكر أن مر بنا ضابط مصري وبعض العساكر في عربة مصفحة. وبدأنا نحدثهم عن نضال الطلاب المصريين في كبري عباس والنقراشي ولجنة الطلاب والعمال في القاهرة فوجدناهم "ماحين" لم يسمعوا بشيء منه. وكانت حسرة وصدمة.

وتابعتنا عربة كبيرة فيها الشيخ عبيد عبد النور يحمل الطلاب الضعاف الذين فتروا عليها. وأتممنا المظاهرة وعدنا. فأغلقت المدرسة. وكنا قررنا أنه، متى عدنا، أضربنا إذا ما فصلت المدرسة أياً منا. وأتخذت المدرسة قراراً بفصل أحمد محمد خير وآدم أبو سنينة بينما اكتفت بإنذاري وعبد القيوم محمد سعد. ولا أدري إن وقع عقاب على عبد الرحمن أحمد وكان رئيس حركتنا. وأنذر كل الطلاب بالفصل متى عادوا لتلك الفعلة. وبثت المدرسة هذه الإنذارات لأولياء الأمور حيث كانوا. ووصل الإنذار لولاتي في امبكول بالشمالية. وهدّ ذلك الإنذار من معنويات الطلاب علاوة على أنهم كانوا سيجلسون للامتحان متى عادوا. احتطت، كقائد طلابي مهدد بالفصل، بالجلوس لامتحان أكسفورد للحصول على شهادة بديلاً لكمبريدج التي كنت سأحصل عليها من وادي سيدنا. ونجحت بتقدير جيد.
(من بين نشاطاتنا السياسية كنا، متى نزلنا الإجازة، إنتهزنا فرصة وجودنا جماعة في القطر فكنا نحرج في كل محطة عند طرف القطر، نهتف في وجه الناس بسقوط الاستعمار وحياة الشعب السوداني. "وما في زول ماخد خبرنا".
جئت متأخراً عن الطلاب للمدرسة. فاستدعاني مستر لانق في مكتبه وقال لي إن أمامي خياران: إما عدت للداخلية وأخذت شنطتي وعدت مفصولاً بالنظر إلى الإنذار السابق، أو أجلدك هناك بنفسي. وتركني لأقرر وأنقل له إجابتي عن طريق التيوتر استاذ عبد العظيم. وسمعت فيما بعد أن الأستاذ احمد محمد صالح دافع عني لمعرفته بي لما كنا في ام درمان مشرفاً على داخلية ونجت. وكنت من سكانها. وكنت أحب شعره. وكنت أعرض عليه محاولاتي الشعرية.

وصلت إلى قرار أن اقبل بالجلد بعد استشارة قادة طلابيين منهم محمد عبد الغني من طلاب حلفا وغيره. وكلهم نصحوني بقبول خيار الجلد. فجئت لمستر لانق وجلدني بتشف عند كوم من ساط الخيزران. وكنت استردفت الهدوم على صلبي كمجرى العادة. وبقدر ما جلد تحملت مصابراً. ويبدو أنه ندم لفرط انفعاله في جلدي فأعفاني من نظافة الميادين لما رآنى افعل ذلك مع الطلبة كما هو مفروض. سألني لانق عماذا تريد أن تكون في المستقبل. وكنت بالحق أريد أن اكون محامي. وكان نجم المحامين بدأ في الصعود آنذاك وتكتب عنهم الصحف من أمثال إبراهيم المفتي. وكان مشهوراً عندنا محمد أمين حسين لأدواره السياسية ويحظى بإعجابنا. ولكن قلت أريد ان اكون مهندساً لإحساني الرياضيات. فأخذني إلى طائرات مكسرة جالسة في مطار وادي سيدنا الحربي. وبدا يشرح لي عن قيادة الطائرات على الطبيعة.

نجحت في إمتحان كمبردج ودخلت الكلية. وصار نشاطنا سياسياً واضحاً. وتوزعنا على الخلايا الشيوعية. وكان لي نشاط داخلها وخارجها. ففي الداخل أصدرت جريدة أول ما صرحوا بها. وكان رئاسة عبد القادر مشعال للاتحاد انتهت وجاء محمد سعيد معروف، وهو قدامنا في الدفع، وربما كان دفعة عبد الخالق محجوب، بعد رجوع الاتحاد الشرعي. وكان اسم الجريدة "الكفاح". وحفلت بالكلام الثوري بالطبع. وكان يساعدني همزة حسن الفاتح (هل هو حمزة حسب الباري من أهل الداخة عطبرة). وكان صديقاً في مقام صلاح (هل هو صلاح بشري شهيد الشيوعيين بمصر ومن من ابناء عطبرة). قرأنا الإبتدائي والوسطى والثانوي معاً. وسكنا في بيت بغرفة واحدة بحي العرب بامدرمان. ولم يكن ميالا للسياسة. ولكنه كتب لجريدة "الكفاح".

وكنا نخرج من الكلية للاجتماع بخلايا في مدينة بحري التي لا يفصلها سوى الكبري عنا. وأذكر أن كان بخلية بحري من اسمه عبد الرحيم ولا اذكر بقية الاسم. وكان غاية النشاط والمهارة في تنظيم الاجتماعات. وكان نادي خريجي بحري مركز نشاط هذه الخلية. وفيها (أو في النادي) عبد الله البشير حامد (هل هو على الشيخ البشير أو من أخوته؟) الخريجين محمد السيد سلام الذي صار فيما بعد رئيساً لاتحاد نقابات عمال السودان. وكان في بداية انضمامه للشيوعيين. وكنا نذهب لتلك الخلايا لتدريس الماركسية. ومما سألني عنه سلام بإلحاح إن كانت الشيوعية ضد الدين. وكنت أقول له إن الشيوعية امرها سياسة لا دين. ودفعني ذلك للاهتمام بالموضوع وترصده حتى وجدت في كتاب للينين عبارة إن الدين أفيون الشعوب. فحملتها محملها في حيثيات التاريخ الأوربي الذي استغل فيه القياصرة والأباطرة الدين فملكوا الناس والمال باسمهم. ولم أر صلاح العبارة لنا كمسلمين الذين تطابقت كثير من افكارهم مع الاشتراكية. فلما رحنا مصر وجدنا كتباً عن مثل أبي ذر الغفاري واشتراكيته وغيره كثير.

دخلت مدرسة العلوم بكلية غردون. واشتغلنا بالسياسة دون الدراسة. فأعتقدنا أن ما نتلقاه في الكلية تعليم استعماري لا غنى فيه. فظهرت بعثة السنهوري فأبتعثتنا إلى مصر متأخرين نوعاً ما من فتوح الجامعات. ودخلت كلية الحقوق تحقيقاً لحلم قديم لم يتحقق لي في غردون. فلم ترق لي لنشاف لغتها وتجريدها فغيرت إلى كلية العلوم. واشتغلنا سياسة أكثر. وفزنا معشر اليساريين باتحاد الطلبة السودانيين في مصر وكان ضباطه أنا وشاكر مرسال وعمر محمد إبراهيم. واحتككت بعبد الخالق محجوب في هذه الملابسات واجتماعاتها.

ونكتفي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////