قبيل عيدها الخمسين، الذي سيأتي في الشتاء القريب، أرخت رقصة العجكو (التي اشتهر بها مهرجان جمعية الثقافة الوطنية للجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم في 1968) بإيقاعها على المسرح السياسي والثقافي. فقد كتب الأستاذ على عثمان المبارك (29 يوليو 2018) كلمة بعنوان "رقصة العجكو وسقوط المشروع الحضاري" استعاد فيه بأرق تاريخي ندر عندنا ذلك المهرجان والرقصة. وكان ذلك عام عثمان الأول بالجامعة يمني النفس بحياة جامعية غنية وحرة. والمهرجان المعني هو الذي تربص به الاتجاه الإسلامي في الجامعة بحجة تبذله لاختلاط النساء والرجال في أداء رقصاته. فرموا المسرح بالكراسي بعد إشارة من أمير الجماعة الإسلامية أن أزيلوا الفسق بأيديكم المطهرة. وراح طالب من مدينة الكاملين في حق الله في الهرج العنيف الذي أرخى بروجه على الجامعة. رحمه الله.

كتب على عثمان كلمته يستعيد حادثة العجكو بعد أن قرأ في الصحف إعلانا تبني فيه الاتحاد الوطني للشباب الحكومي (المظنون إسلاميته) تطوير موهبة من يأنس في نفسه محبة الرقص في إطار مشروعه للتنوع الثقافي وخطته توثيق التراث المحلي. واستغرب على عثمان أن يسفر شباب منسوب للإسلام عن شغف بالرقص الشعبي بعد عقود من تطبيقهم، وهم في الحكم، برنامج تقشف ثقافي فحصوا فيه كل أغنية ونقوها من ذكر القبل والكأس والجنس، وفحصوا كل فرجة من جسد امرأة على التلفزيون ودثروها. وعاد على عثمان، في معرض تهافت الإسلاميين على فن رموه بالكراسي منذ خمسين عاما، إلى احتفال الدورة المدرسية في 2010 (وقد رفض باقان أموم بصلف أن تنعقد الدورة في جوبا) الذي رقص فيه الشباب من كل الأجناس بين أعجاب قادة الحركة الإسلامية يتطلعون بالرقاب الحنيفة للمسرح بلا إشفاق على دين مزعوم. وختم عثمان كلمته: "حرمتمونا في تلك الليلة من رقصة العجكو. والآن تنتشون بخمر رقصتها على الملأ. أمر عجيب".

لعثمان ذاكرة استرجاعية غراء قل مثيلها بين كتابنا ممن بدأ تاريخ السودان عندهم في 1989. ولكن ليسمح لي أن اتفاءل بتبني الاتحاد الوطني للشباب وإسلاميّ النظام للرقص بغير شرط وجوب. فترفق إسلاميينا مع الرقص كسب كبير لمشروعنا الحداثي. فأنا على عقيدة السناتور الأمريكي بول ويلستون (1944-2000) الذي قال عن خصومه إنهم سيأتون يوماً قريباً إلى خطته وإن طال الزمن. لربما تأخر إسلاميو النظام نوعاً ما إلى خطتنا في الحداثة التي رتبناها قبل خمسين عاماً في قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم. ولكنهم جاؤوا على كل حال. وما زال عدد من أدوا العجكو وغيرها وأخرجوها على قيد الحياة. ونحن نعرف أن هناك من طوائف السلفية وغيرها متمنعة ما تزال عن التنزل عند حقائق المدينة السودانية. وترى إسلاميّ النظام قلبوا ظهر المجن للإسلام. وربما تربصوا يوماً قريباً بالعجكو أو غيرها بوجه إسلاميين هذه المرة. والعزاء أنهم لن يستغرقهم وقت طويل قبل أن يستسلموا هم أنفسهم. فأمهلهم قليلا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.