قلنا إن رواية الرائد معاش عبد العظيم عوض سرور لمذبحة بيت الضيافة وملابساتها جاءت في 3 مراحل: في مقال عام 2000، وفي كتاب صدر في 2015، وفي لقاء مبثوث على اليوتيوب في 2017. ورأينا في الحلقة الماضية من مقالنا هذا اضطراب راويته لدور الملازم أحمد جبارة في المذبحة. فقال في مقال 2000 إنه شاهد أحمد جبارة بين الرابعة والخامسة مساء 22 يوليو يخرج من الحرس وأومأ له إيماءة فهم منها أنه خارج لمكان وعائد منه. ثم عاد راجعاً وأشر له وقد مرر حرف يده عند عنقه بما فهم منه أنه قضى على ضحايا بيت الضيافة. غير أن عبد العظيم استبدل هذه الرواية بأخرى في كتابه في 2015. إلا إنه سيعود لها في لقاء 2017 باليوتيوب. وقال في روايته الأخرى هذه إنه علم بالمذبحة من أب شيبة في حضور أحمد جبارة في نحو السابعة من مساء ذلك اليوم. وهو اضطراب يصيب روايته عن تجريم أحمد جبارة، التي يلوح لنا بها الخصوم وغيرهم كقول فصل عن جرمنا بشهادة شاهد من أهله ا، في مقتل. ففي توقيت علم ع العظيم بالمذبحة في الروايتين فرق ساعة أو أكثر.

خلصنا إلى هذا الاضطراب العظيم في سردية عبد العظيم من مجرد قراءة نصوصه. وسنلتفت هنا لتضعيف روايته ناظرين إلى روايات من رواة آخرين من شهود اليوم العظيم.

1-جاءت رواية الملازم محمد خاطر، القائم بالحراسة على نميري وزمرته في القصر الجمهوري، عما دار بينه وبين أب شيبة على خلاف ما مما جاء عند عبد العظيم في كتابه. فكان عبد العظيم قال إن المقدم أب شيبة أمر خاطر بنقل نميري والزمرة إلى الحرس. ثم لم يجده حين اتصل به مرة ثانية وقد استبطأه. خلافاً لذلك قال خاطر إنه هو الذي نقل لأب شيبة خبر هروب نميري من القصر. وتلقى أب شيبة، في قوله، الخبر بشيء من الامتعاض والتسليم بالأمر الواقع. فلم يزد عن قوله:
-ياخاطر التعليمات شنو؟
وفهم خاطر أن التعليمات كانت قتل كل معتقل يحاول الخروج. فقال خاطر:
-الحصل حصل (آخر لحظة 19-7-2009).
ولم يزد أب شيبة. ولو صحت رواية خاطر لطعنت في قسم كبير من رواية عبد العظيم عن تعليمات أب شيبة له بالوصول للقصر والعودة بالمعتقلين فيه، وإن تعذر ذلك قتلهم. فواضح من رواية عبد العظيم نفسه أن خاطر لم يعد بالقصر بعد المكالمة الأولى ليتلقى تعليمات من أب شيبة. فقد تحدث مع أب شيبة مرة واحدة ثم لما عاد ليتكلم معه أبلغه صف ضابط بأن خاطر قد غادر القصر. فإذا علم أب شيبة من خاطر نفسه (بالتلفون أو مباشرة)، حسب روايته، بأن نميري وزمرته قد هربوا من معتقلهم أضعف ذلك رواية عبد العظيم عن بحثه العصيب عن معتقلي القصر الذين كان أب شيبة قد سبق أن علم من حارسهم نفسه أنهم لاذوا بالفرار.

2-أما شهادة الملازم مدني على مدني فتطعن في رواية عبد العظيم التي قال فيها إنه علم من اب شيبة (وبحضور أحمد جبارة) أنهم قضوا على معتقلي بيت الضيافة في نحو السابعة مساء. وهي تطعن في شهادة عبد العظيم من جهتين. أولهما أن أب شيبة، الذي لازمه مدني حتى وقت مغادرته الحرس الجمهوري لتسليم نفسه، لم يكلم مدني بخبر المذبحة رغم أنهما ظلا معاً في ميز الضباط يحرقان الوثائق والبرقيات ويلقيان بها في السايفون. وذهب بعدها أب شيبة ليسلم نفسه في الشجرة ومنع مدني من الذهاب معه لأنه كان يتوقع إطلاق النار عليه في أي لحظة، وأمره بتسليم نفسه للضباط الذين احتلوا مباني الحرس الجمهوري، طالبا منه أن ينقل عنه رسالة لضباط الانقلاب كلمته الشهيرة: "الجوة جوة والبرة برة". وزاد بأن لا يذكر أحد أحداً بسوء وأن يرفعا المسؤولية عن الانقلاب في التحقيق معهم له وللعقيد عبد المنعم محمد الهاموش ولهاشم العطا. وسيكون مفيداً معرفة لماذا خص أب شيبة الملازم عبد العظيم بخبر المذبحة بينما أخفاها عن زميله الملازم مدني. فلو كان خبر المذبحة بسر عند أب شيبة لما باح به لعبد العظيم ودسه على مدني.

ثم جاءت في رواية مدني إشارة إلى أنه كان مكلفاً (من أاب شيبة) بنقل النميري وزمرته من القصر إلى مكان خارج العاصمة بعد منتصف ليل 22 يوليو. وحال الهجوم المضاد بالطبع دون ذلك. وبدا جائزاً على هذا توقع أن يكون أمر نميري وزمرته مما قد يتصل الحديث فيه بين أب شيبة ومدني طالما كانا قد ائتمرا عليه من قبل لا مع عبد العظيم الذي أخذوه من نقطة حراسة بوابة القصر الشرقية ليقوم بالمهمة. وكان الأستاذ عدلان عبد العزيز، الذي سجل مقابلة مع عبد العظيم في 2017، قد قرأ عليه رواية مدني عن تكليفه بنقل نميري وزمرته ليعلق عليها على ضوء مساعيه الحثيثة لبلوغ القصر والإتيان بنميري وزمرته أو قتلهم. وللأسف لم يتوقف عدلان عند السؤال وضاع في مجرى الكلام.

3-أما الشهادة الأخرى التي سنستعين بها في وزن رواية عبد العظيم عن بيت الضيافة فهي شهادة الرائد حسن عبد الله العماس الضنين بالتفصيل. فقد سعى له عبد الله إبراهيم الصافي الرائد بالمعاش والملازم الذي اشترك في انقلاب 19 يوليو، ومؤلف كتاب عن 19 يوليو، لتقييم إفادة حصل عليها من العميد إبراهيم عبد الله أبو قرون من الضباط المعتقلين بالأمن القومي. قال العميد للصافي إن الانقلابيين رحلوه مع عشرة من الرتب الصغرى من بيت الضيافة للأمن يوم 21 يوليو. وكان قائد حراستهم الملازم العماس. فحدث الضرب من القوة المناوئة للانقلاب فرن تلفون المكتب الذي كانوا به. وطلب المتحدث من العماس تصفية المعتقلين ولكنه رفض وكان قد تعامل معهم بلطف طوال فترة حبسهم القصيرة. وكان من عرفانهم له بأن طلبوا من نميري إخلاء سبيله، ولكنه رفض ووصفهم بالعاطفيين وسجنه سنة. وسعى الصافي إلى العماس ليسأله عن مصدر الأمر بالتصفية فتمنع. وبعد الإلحاح نفى أن يكون هو أبو شيبة.
وهذه رواية غامضة نوعاً وحمالة أوجه على أنها مما قد يسند رواية عبد العظيم بوجه من الوجوه. فلو أخذناها حرفياً صح أن من ضرب التلفون وأمر بالقتل هو عبد العظيم كما قال. ولكن لو أخذناها على حرفية المهنية العسكرية فالأمر بالقتل هو أمر أب شيبة على أن من نقله هو عبد العظيم. فعبد العظيم مأمور من أب شيبة. ومتى نفى العماس أن يكون أب شيبة من أصدر الأمر بالقتل صح أن من اتصل به ليس عبد العظيم علي أي حال. فليس من أصول المهنة أن يقول ملازم أن الأمر قد صدر له من ملازم من درجته. فأب شيبة هو مناط الأمر.

وقد يكون الأمر للعماس بالقتل من جهة أخرى لا علاقة لها بانقلاب 19 يوليو. فعبد العظيم نفسه أوحي بوضوح أن جهة ما غير رفاق انقلابه ربما سيطروا على شبكة اتصالات القيادة العامة وما حولها. فقال إن اتصالات أب شيبة بهاشم وبقية القادة تقطعت. ومتى نجح أب شيبة في اتصال ما كانت الإجابات التي تلقاها إجابات ممن "لم يقصد بها سوى التضليل". وهذا قول فصل في أنه ربما كانت هناك جهة قصدت، كما في بيت الضيافة وفي القصر، ارتكاب مجزرة كبرى والصيد عصفورين بحجر: القضاء على الانقلاب الذي أزاح نميري والقضاء على نميري وأعوانه بضربة واحدة. وهي القوة الثالثة في قولنا.

وفي حلقتنا الأخيرة القادمة ننظر في رواية عبد العظيم في دورها الثالث في اليوتيب (2017) ونختم إن شاء الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.